Define your generation here. Generation What
دستور بلا دولة
 
 

مع قرب انتهاء الموعد المحدد للجنة الخمسين من الانتهاء من تعديل دستور 2012 المعطل منذ الإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو الماضي، اكتظت عناوين الأخبار هذا الأسبوع و الأسابيع القليلة الماضية، بالحديث عن مواقف احتجاجية لبعض مؤسسات الدولة في ما يتعلق بوضعها في مشروع الدستور المعدل.

فتحفظات بعض الهيئات القضائية و الجيش على ما يخص كل منها في الدستور الجديد بدأت تطفوعلى السطح بشكل ملحوظ، خصوصاً و أنها تفتح الباب أمام نظرية تعامل تلك المؤسسات لمشروع الدستورعلى أنه أداة منفعة، أكثر منه وسيلة لبناء دولة ديموقراطية.

و يرى مراقبون أن تلك النظرة مستوحاه من مخاوف تغول السلطة التنفيذية على صلاحيات و حدود تلك المؤسسات، نتيجة ما خلفته فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، و التي حاولت انتهاج تلك السياسة، علاوة على عملية إعادة كتابة الدستور ذاتها، و التي أظهرت عدم وجود مشروع سياسي حقيقي يمكن أن يضع تلك المؤسسات جنباً إلى جنب، أفضل من كونها مجرد جهات تدافع عن حقوقها.

 

صراع بين أبناء القطاع الواحد

على عكس الجهات القضائية المحتجة وقت كتابة دستور 2012، يتمركز الصراع الحالي بين ثلاثة من أصل خمسة هيئات، و هي مجلس الدولة و هيئتي قضايا الدولة و النيابة الإدارية، بعدما تأكدت الهيئات المتبقية و هي المحكمة الدستورية العليا و القضاء العالي من أن وضعهم في النسخة المعدلة سيكون أفضل مما كان عليه. فقد خرجت تسريبات من داخل اللجنة مؤكدة أن توصيات لجنة الخبراء العشرة، التي سبقت عمل لجنة الخمسين في تعديل بعض مواد الدستور سيتم الإبقاء عليها، و التي شملت عدم مرور أي تعديل لقانون السلطة القضائية دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب، بجانب عدم النص دستوريا على تخفيض سن القضاة أوعدد معين لعدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا، و التى كانت محور الخلاف بين السلطة القضائية و جماعة الإخوان أثناء و عقب كتابة الدستور المعطل.

فالخلاف الحالي يأتي فيه مجلس الدولة في دائرة المنتصف بين هيئة قضايا الدولة و هيئة النيابة الإدارية. فالأخيرتين تريدان إضافة إختصاصات جديدة لهيئتهم عن ما كانت عليه فى الدستور المعطل، الذى أعطاهم حصانة قضائية لم تكن في دستور 1971.

و في ضوء خلافهم المحتد، أشارت تقارير صحفية إلى إحتمالية تنظيم عدد من قضاة مجلس الدولة اعتصام بمقر ناديهم للمطالبة بتنفيذ توصيات الجمعية العمومية لقضاة المجلس، و التي عقدت في أكتوبر الماضي، بمطالبة لجنة الخمسين إخراج كل من النيابة الإدارية و هيئة قضايا الدولة من الفصل المتعلق بالسلطة القضائية في الدستور، و عدم إضافة أي حصانة قضائية لهم.

كما أعلن نادي هيئة النيابة الإدارية عن عقد اجتماع طارئ لجمعية عمومية، للرد على من يعارض إضافة تخصصات جديدة لهم في مشروع الدستور الجديد.

و من جهته، طالب أحمد جلال، المتحدث باسم نادي النيابة الإدارية، بضم تخصص المحاكم التأديبية للهيئة التي يتحدث باسمها، و ليس لمجلس الدولة.

و قال جلال ” لا أعلم لماذا يرفض مجلس الدولة هذا الأمر، فهو مكبل بآلاف القضايا الإدارية و دور هيئتنا الرئيسي هو التحقيق في المخالفات المالية و الإدارية بداخل أجهزة الدولة، ثم تحويلها لمجلس الدولة حال ثبوت المخالفة”.

و أضاف ” لكن إنشاء قضاء تأديبي من إشراف النيابة الإدارية سيجعلنا نحن من يحقق و من يفصل في المخالفات في النهاية، لأن لدينا عدد وافر من أعضاء الهيئة قادرين على إنجاز هذا الأمر من جهة، و يجعل مجلس الدولة يتفرغ للفصل في المنازعات الإدارية بين الحكومة و أي طرف آخر، و سيساعد على إتمام مبدأ العدالة الناجزة من جهة أخرى”.

و تسائل ” لماذا لم يعترض مجلس الدولة عندما خرجت تسريبات تؤكد إسناد حق الفصل في المنازعات الضريبية للقضاء العالي على الرغم من كونه من تخصصاته الرئيسية؟”.

كما أكد أشرف مختار، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة، حق هيئته في الحفاظ على وضعها في دستور 2012 فيما يتعلق بإعداد العقود التى تبرمهما الدولة و إضافة نص في المشروع الجديد يطالب إعطائها الحق في مراجعتها أيضا.

و قال مختار ” قبل دستور 2012 كان قانون المناقصات و المزايدات يعطي الحق لمجلس الدولة مراجعة العقود، لكن بعد تحصين هذا الحق دستوريا في الدستور المعطل أصبح دورنا يقتصر على إعداد العقود فقط. مع العلم بأن كل العقود التي كان تراجع بمعرفته ثبت بطلانها بعد ذلك في قضايا رفعت أمام مجلس الدولة نفسه، و تحديداً في عقود شركات القطاع العام التي تم تخصيصها مثل عُمر أفندي و مدينتي”.

لكن في المقابل، رفض ماجد شبيطة، القاضي بمجلس الدولة، اقتراحات خصميه رفضاً قاطعاً.

و قال شبيطة “أرى أن مقترحات الهيئتين افتعلت المشاكل دون مبرر، فما معنى أن يتم تخصيص القضاء التأديبي للنيابة الإدارية و تصبح هي الخصم و الحكم في الوقت نفسه، فمبادئ القضاء البديهية تقول أن جهة التحقيق منفصلة عن جهة الفصل. أما بخصوص مقترح هيئة قضايا الدولة بخصوص إعداد و مراجعة العقود، فنحن لا نمانع أن تحصل الهيئة على حق الإعداد حتى نضمن تفادى أخطاء الجهات الإدارية في عملية الصياغة القانوني. لكن المراجعة هي حق أصيل لمجلسنا و تحديداً للجمعية العمومية لمجلس الفتوى و التشريع، و التي تعد من أقدم أقسام مجلس الدولة و مزاعم أن العقود التي نراجعها يثبت بطلانها بعد ذلك هي مزاعم غير دقيقة، لأننا نراجع شكل الصياغة القانونية للعقود و ليس مضمونها “.

و تعليقاً على هذا الجدل المثار، يرى يوسف عوف، الباحث في القانون الدستوري، أن النزاع كله يفتقد في مضمونه للدوافع الفنية.

و قال عوف “يبدو أن بعض الهيئات القضائية قد قررت أن تحافظ على الامتيازات التي حصلت عليها في دستور الإخوان، بل و تطلب المزيد منها بغض النظر عن مدى كفائتها و قدرتها على تطبيقها، فلم يأتي ممثلي أي من تلك الهيئات بحلول عملية على أرض الواقع تبرر فحوى مطالبها. ففكرة إسناد القضاء التأديبي للنيابة الإدارية و حق مراجعة العقود لهيئة قضايا الدولة يحتاج لبحث عميق و تجربة عملية بصحوبة بخطة زمنية، و بالتالي لا يجب تحصينها دستوريا إذا أردنا أن ندخلها حيز التجربة، لأنها مسألة فنية للغاية”.

 

و الجيش أيضا يطلب

فمنذ قرابة الأسبوعين، جاء خبر افتتاحية صحيفة الشروق بـ”انفراد” يؤكد أن لجنة الخمسين توصلت لاتفاق مع القوات المسلحة، على قيام رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع بتعيين أو عزل وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمدة دورة أو دورتين رئاسية أو برلمانية، متزامناً مع تسريب مقطع صوتي، غير متأكد من صحته، جمع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، و ياسر رزق ، رئيس تحرير صحيفة المصرى اليوم، يؤكد فيه الأول على ضرورة تحصين منصبه و تحصين المؤسسة العسكرية بمواد خاصة في الدستور أيا كانت انتماءات وأفكار الرئيس المقبل.

و يرى عوف أن أصل تلك الأزمة يتلخص فى المادة 195 من دستور 2012 التى نصت على تعيين وزير الدفاع من بين ضباطها، و التي وضعها الإسلاميين بغرض “التدليس للقوات المسلحة”، على الرغم أن دستور 1971 لم ينص على تعيين وزير الدفاع من بين الضباط “لأنه كان بمثابة أمر بديهي، لكن للأسف تلك المادة عقدت الوضع أكثر و فتحت الباب أمام تمييز منصب وزير الدفاع على بقية المناصب التنفيذية في الدولة”.

و اقترح حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن تعدل مادة اختيار وزير الدفاع على النحو الذى يسمح للمؤسسة العسكرية الحق في ترشيح ثلاثة أسماء، يقوم رئيس الجمهورية باختيار أحدهم.

و على الرغم من قيام لجنة العشرة بالإبقاء على مواد المؤسسة العسكرية كما كانت عليه فى دستور 2012، و الذي نص على أن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة و يعين من بين ضباطها، علاوة على قيامها بخفض تمثيل المدنين في مجلس الدفاع الوطني، المعني بمناقشة ميزانية القوات المسلحة و مشاريع القوانين المتعلقة بها، لكي تصبح 8 مقاعد لممثلى الجيش و الأجهزة الأمنية و 6 لأعضاء السلطة التنفيذية و التشريعية، بعدما كانت 8 مقاعد و 7 لكل منهما على التوالي، و هو ما يضيف مزيد من الأريحية عند التصويت بخصوص هذه الأمور،  إلا أنه في الوقت نفسه أبقت على حق رئيس الجمهورية في إعفاء العسكريين من مناصبهم، و هو الأمر الذي لم يتم حسمه بشكل قاطع و رسمي حتى الآن بداخل لجنة الخمسين.

و يرى عوف أن هذا تطور متوقع مع نمو دور الجيش في السياسة.

يقول عوف “تدخل الجيش في الحياة العامة منذ ثورة 25 يناير، و دوره الأكثر فاعلية، و اكتسابه لشعبية واسعة بعد ثورة 30 يناير، فضلاً عن مصالحه الاقتصادية و غياب نموذج الحاكم صاحب الخلفية العسكرية القادر على توفير الحماية السياسية له، مثل حسني مبارك و من سبقوه، يجعل الجيش يفكر في وضع خاص في الدستور”.

بينما يرى نافعة أن المبالغة في وضع مواد استثنائية  للقوات المسلحة في الدستور سيجعل لديها الكلمة العليا في البلاد على حساب باقي المؤسسات، موضحا في الوقت نفسه أن هذا القلق مسترعى من تكرار محاولة السيطرة و اختراق المؤسسة العسكرية التي حاول مرسي القيام بها و من وراءه جماعة الإخوان.  

و قال نافعة “ليس من مصلحة مصر أن تخرج المؤسسات عن سيطرة رئيس الجمهورية، فيجب الوصول إلى حل وسط يضمن استقلال المؤسسة العسكرية دون أن تؤثر فيها أيديولوجية الرئيس القادم، و يضمن متطلبات الأمن القومي، دون أن يؤثر على النظام الديموقراطي للدولة”.

 

لجنة فى مأزق

خُيل لكثيرون أن عملية كتابة الدستور ستمر بطريقة أكثر سلاسة عما سبقتها نظرا لعدم وجود خلافات حادة بين القوى المدنية و نظيرتها الإسلامية،  لكن يرى مراقبون أن عملية الكتابة الدائرة حاليا تهدف إلى إزالة أخطاء الإخوان التشريعية، على حساب الخروج بمشروع متوازن تُرسم فيها الحدود بين مؤسسات الدولة.

فيرى أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية، أن “مؤسسات الدولة تتعامل مع الدستور كأنه وسيلة لجلب الحصانة، نظرا لأنها أصبحت تخشى التعددية السياسية المحتملة في المجال السياسي المصري بصورة واضحة”.

و أضاف” في النهاية هذا وضع اللجنة في مأزق و جعلها تتعرض لضغوط من الرأى العام و من المؤسسات في وقت واحد، خصوصا أن معظمهم من رموز التيار الليبرالي المطالب بالديموقراطية الكاملة”.

و اختتم كلامه قائلا “أتوقع أن دستور 2013 سيكون أفضل نسبيا عن سابقيه، لكنه لن يعيش طويلا”.

اعلان