Define your generation here. Generation What
العدالة في زمن المحاكمات العسكرية
 
 

 

من سخرية القدر أن عدد كبير من جماعة الإخوان المسلمين التي شاركت بقوة في كتابة أول دستور في مصر يتيح المحاكمات العسكرية للمدنيين، هم الآن ضحايا لتلك المحاكمات.

المادة التي تعتبر سابقة، و التي مازالت مطبّقة بالرغم من رحيل محمد مرسي عن الحكم و تعليق الدستور، تنص على أنه “لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة”.

في السابق، كان دستور ١٩٧١ قد اكتفي بالنص على أن “ينظم القانون القضاء العسكري، و يبين اختصاصاته في حدود المباديء الواردة في الدستور.” لم يمنع هذا تعرض المدنيين للمحاكمات العسكرية في الماضي، إلا أنها كانت تتم بقرار من الرئاسة و ليس استنادا إلى دستور البلاد.

منذ ٣٠ يونيو، تم إحالة ما يقرب من ١٠٠ معتقل إلى المحاكمة العسكرية، كثير منهم بتهمة الإضرار بالقوات المسلحة. القضايا تتفاوت ما بين صيادين متهمين بممارسة الصيد في المياه العسكرية، و متهمين بكسر حظرالتجول، و متهمين برفع هتافات مضرة بالأمن القومي و نشر شائعات عن الجيش.

أحمد أبو دراع، صحفي في شمال سيناء كان يكتب عن الحملة العسكرية في سيناء و تأثيرها على حياة المدنيين عندما تم القبض عليه، و تحويله للمحاكمة العسكرية بتهمة إذاعة أخبار خاطئة. بعد محاكمته عسكرياً، تم الحكم على أبو دراع بالسجن ٦ أشهر مع إيقاف التنفيذ و تم الإفراج عنه.

محمود سلماني، عضو في مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين”، يقول أنه بينما تعرض صحفيون في السنتين و نصف الماضيتين إلى استدعاءات من القضاء العسكري، إلا أن تلك كانت المرة الأولى التي يتم فيها الحكم على صحفي من خلال محاكمة عسكرية. سلماني يصف هذه السابقة بانها “علامة مقلقة.”

في سبتمبر، تعرض ٧ أشخاص للمحاكمة العسكرية في السويس بتهمة استخدام شعارات مضرة بالأمن القومي.”ما هو الأمن القومي؟” تساءل سلماني، ثم أجاب “لا أحد يستطيع أن يجيب على هذا السؤال”. تم الحكم على ثلاثة من المتهمين بالسجن ٣ سنوات، و تم الحكم على اثنين آخرين بالسجن سنتين، بينما حصل المتهمان الأخيران على حكم بالبراءة. أحد الحاصلين على حكم بالسجن ٣ سنوات كان قد أجر سيارته، التي تحتوي على مكبر صوت مثبت بسقفها، إلى أشخاص آخرين استخدموها لرفع شعارات سياسية.

وفقاً للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، هذه الحالات من ضمن ٧٣ حالة موثقة لمدنيين تعرضوا للمحاكمة العسكرية في السويس فقط منذ اسقاط محمد مرسي من السلطة في شهر يوليو. معظم التهم تتضمن الاعتداء على موظف عام أو عضو في القوات المسلحة. سلماني يقول أن استحضار تهمة تختص بالأمن القومي مباشرة يعتبر ممارسة جديدة.

“قد تبدو تلك التهم (المعنية بالقوات المسلحة) أضيق حيزاً من تهمة الإضرار بالأمن القومي، إلا أن هذا غير صحيح،” هذا ما قاله سلماني، ثم أضاف “من السهل جداً إطلاق تهمة الاعتداء على القوات المسلحة. إذا كنت سيء الحظ، مجرد الرد غير المهذب أثناء الحديث مع ضابط في الجيش قد يؤدي إلى تعرضك للمحاكمة العسكرية ، بحسب سلماني”.

بعض المتهمين بخرق حظر التجول تم محاكمتهم أمام قاضي مدني، و البعض الآخر المتهم بنفس التهمة يتم محاكمتهم أمام محكمة عسكرية، مما يبرهن على عشوائية هذه الإجراءات. يضيف سلماني “إذا لم تجادل ضباط الجيش قد ينتهي بك الأمر في محاكمة مدنية، أما اذا تحدثت رداً على  الضابط فمن المحتمل ألا يحدث شيئا، و لكن في كثير من الأحيان ينتهي الأمر بالشخص إلى محاكمة عسكرية”.

أسامة المهدي، المحامي في مجموعة لا للمحاكمات العسكرية يقول أن هناك الكثير من الحالات المشابهة لذلك. تهمة كسر حظر التجول تؤدي أحيانا إلى حكم بالسجن ٦ أشهر و أحيانا لمدة سنة، و في أحيان أخرى تؤدي إلى حكم مع وقف التنفيذ. يقول المهدي “هذا ليس حكماً ذو أساس سليم، إنما هو عشوائي”.

على المستوى الدستوري، و بالرغم من محاولات مجموعة لا للمحاكمات العسكرية الضغط على اللجنة المنوطة بكتابة الدستور الجديد للبلاد، فقد قالت بوابة الأهرام مؤخراً أن القوات المسلحة قلقة من إزالة المادة التي تسمح بمحاكمة المدنيين عسكرياً، بسبب اعتبار قيادات الجيش أن البلاد تواجه العديد من التهديدات منذ إجبار مرسي على ترك الحكم.

قال مدحت رضوان، رئيس هيئة القضاء العسكري أثناء جلسة استماع بلجنة الدستور بهذا الشأن في سبتمبرالماضي،  أن القضاء العسكري لا يختلف كثيراً عن القضاء المدني و لذلك ليس هناك داع لإبطال محاكمة المدنيين في القضاء العسكري. بعد هذه الجلسة، قال محمد سلماوي المتحدث الرسمي باسم لجنة الخمسين أن هناك خلافات بين أعضاء اللجنة بهذا الشأن..

الظروف الصعبة التي عقبت رحيل مرسي أثرت على قوة حملة لا للمحاكمات العسكرية مقارنة ببدايتها في ٢٠١١. ففي ذلك العالم، استطاعت الحملة أن تنمو كثيراً و وجدت اهتماماً محلياً و دولياً.

بعض أسباب الاختلاف واضحة: الحالة السياسية مختلفة والإقبال على العمل السياسي قد قل بشكل عام. يقول سلماني، “بعض الناس قد سقطوا من الركب، إما لأنهم رحلوا عن البلد، أو باعوا القضية، أو أصيبوا بالإرهاق و الاكتئاب، و البعض الآخر يريد أن يفعل شيئاً، و لكن لا يعرف ماذا يفعل، خاصة هؤلاء الذين اعتادوا العمل في الشارع. مساحة العمل السياسي قد ضاقت كثيراً هذه الأيام.”

كما أن عدد القنوات التليفزيونية المستعدة لعرض مقاطع الفيديو الخاصة بالحملة أو استضافة أعضائها أصبح أقل. بعد سقوط حسني مبارك، بعض القنوات تقبلت الحملة إلا أن بعد رحيل مرسي أصبح الإعلام أكثر انصياعاً للسلطة بشكل عام، و الجيش بشكل خاص.

سلماني لاحظ أيضاً أن العديد من العائلات أصبحت أكثر خوفاً. لطالما كان هناك بعض من عائلات المعتقلين متخوفين من المشاركة في الحملة، و لكن سلماني لاحظ أن هذا الخوف قد زاد. “بعض هذه العائلات تشعر أن الجميع ضدهم: الجيش، و الشرطة، و الناس الذين يصفقون لهما. و لذلك هناك قدر أكبر من التخوين و الخوف، و هذا ليس مفاجئاً لأنهم مُصيبون بشكلٍ ما”.

بينما كان هناك ازدياد مؤخراً في عدد المحاكمات العسكرية للمدنيين إلا أن سلماني يقول أنها لم تصل إلى مستوى الانتشار الذي كانت فيه أثناء حكم المجلس العسكري سنة ٢٠١١. يؤكد سلماوي، “الحملة ليس لديها أدني فكرة عن عدد حالات المحاكمات العسكرية، في بعض الاحيان، نكتشف حالات بمحض الصدفة.”

من ناحية أخرى، يقول المهدي إن الحملة تعتبر أي متهم في محاكمة عسكرية ضحية، بغض النظر عن ما فعلوه أو من هم. “إن المدافعين عن حقوق الانسان المخلصين لعملهم لهم تاريخ من الدفاع عن الإخوان المسلمين بالرغم من خلافهم الفكري معهم. إلا أن هذه الفكرة لا تلاقي رواجاً كبيراً في ظل أجواء تعتبر أن أخطاء الاخوان المسلمين، حقيقية كانت أو ملفقة أو مبالغ فيها، تبرر أي إجراءات تؤخذ ضدهم”.

يضيف المهدي “المحاكمة العسكرية غير عادلة بطبعها و هذا يعني أن المتهم ضحية بغض النظر عن الجريمة التي ارتكبها”.

يقول المهدي، من غير الممكن لقضاة المحاكم العسكرية أن يتمتعوا بالاستقلال. يشرح المهدي أن القضاة العسكريين تابعين لوزارة الدفاع، و لذلك هم ملزمون مثلهم مثل أي موظف تابع للمؤسسة العسكرية، باتباع أوامر من يفوقونهم رتبة.

“ليس الأمر فقط أنهم لا يستطيعون أن يلتزموا بالحيادية، بل إن القرار ليس بيدهم. عندما ينطق القضاة العسكريون حكماً يجب أن تتم الموافقة عليه من السلطات الاعلي. في احيان كثيرة عندما لا يتم الموافقة علي الحكم، يتم تغييره.”

كما أن المجال للدفاع محدود في المحاكمات العسكرية.

في بعض الأحيان لا يتمكن ممثلوا الدفاع من مقابلة المتهم أو الاطلاع على الوثائق ذات الصلة بالقضية. و إذا استطاع الدفاع الاطلاع على الوثائق فلا يسمح له بنسخ الورق أو بحضور الجلسة. يقول مهدي أن الجلسة تتم في بعض الأحيان في منشأة عسكرية لا يسمح للمدنيين بدخولها.

في حالة السماح للمحامي بحضور الجلسة، يقول مهدي أن هذا لا يضمن له حق الترافع. القاضي ليس ملزَماً بالسماح للدفاع بالترافع أو أن يسمح له بإكمال مرافعته. “في المحاكمة المدنية، يكون هذا سبباً كافياً لإبطال الحكم، أما في المحاكمة العسكرية فهذا ليس مهماً على الإطلاق”.

عندما يكون هناك ضغط إعلامي، أو حملة قوية أو عندما يكون المتهم معروفاً، يتم إعطاء الدفاع مساحة أكبر، وفقاً للمهدي. “لذلك نجد أن معظم المتهمين من البسطاء و الفقراء. ليس هناك من يثير ضوضاء من أجلهم، و لا هم يعرفون لمن يلجأون.”

لم يختلف الوضع منذ حكم المجلس العسكري بعد رحيل مبارك، مروراً بحكم الإخوان و وصولاً لعودة السيطرة العسكرية في الأشهر الثلاثة الماضية. الضحايا يظلون إما نشطاء لقضايا معينة أو مواطنين عاديين.

ما حدث كان الدخول في مرحلة جديدة من نفس الظاهرة و ليس انفصالاً عن المرحلة السابقة. لقد شهد حكم مرسي تعرض أهالي جزيرة القرصاية، التي يدعي الجيش امتلاكها، لمحاكمة عسكرية حازت على كثير من الاهتمام و تم اعتبارها رمز لسيطرة الجيش على الحياة المدنية و مواردها.

 

 

هذا العام شهد أيضا قضية القاصر التي تولاها المهدي. تم القبض على القاصر في مظاهرة خارج السفارة السعودية في القاهرة و تم الحكم عليه بالسجن ٦ أشهر بعد جلسة واحدة لم تتعدي مدتها بضعة دقائق و لم يسمح لمهدي فيها بالحديث. موكل المهدي كان يحاكم بسبب رده على الضابط الذي سخر من شعره قائلاً “هذا أفضل من أن أكون أصلع مثلك”.

اعلان
 
 
نايرة أنطون