Define your generation here. Generation What
الأقباط بين الكنيسة و الدولة
 
 

عقب اختيار ممثليها في لجنة الخمسين، تظاهر مجموعة من الشباب القبطي داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، ضد قيادات كنسية و ممثلي الكنيسة بلجنة الخمسين التي تعكف على كتابة دستوراً جديداً للبلاد.

ربما لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتظاهر فيها مجموعة من الأقباط ضد قيادات كنسية، فقد تظاهر من قبل نشطاء من حركة “أقباط 36” ضد قوانين الزواج الكنسية الصارمة التي لا تسمح بالطلاق إلا في حالة الخيانة الزوجية، إلا أن هذه المرة تظاهر الشباب القبطي مطالبين قيادات كنسية بالعودة إلى أديرتهم.

تظاهر الشباب تحديداً ضد ممثلي الكنيسة الأرثوذكسية في لجنة الخمسين؛ الأنبا بولا والأنبا أرميا، بعد موفقهما المعادي لصياغة المادة الثالثة من مشروع الدستور المصري، لإعطاء غير المسلمين الحق في تطبيق شرائعهم في أمورهم الدينية والروحية، بعد أن كان هذا الحق مقيداً لأصحاب “الديانات السماوية” من المسلمين والمسيحيين واليهود في الدستور السابق، الذي سيطرت على صياغته جماعة الإخوان المسلمين المعزولة من الحكم.

يرى الكثير من النقاد أن الطريقة التي تمت بها صياغة المادة الثالثة في دستور الإخوان تعكس رغبة جماعة الإخوان المسلمين في تبني شكلاً معيناً للعلاقة بين الأقباط و الدولة، تكون فيه الكنيسة هي الممثل الشرعي و الوحيد لهم، والمتحكم الأوحد في شئونهم الدينية، و هو موقف مشابه للموقف الذي اتخذه نظام مبارك من الأقباط أيضا.

لكن مع عزل الرئيس الإسلامي المنتمي للإخوان المسلمين في الثالث من يوليو، و مع عمل لجنة الخمسين لصياغة الدستور، بدا و أن مسألة حرية العقيدة قد طفت على السطح مرة أخرى، حيث ارتفعت بعض الأصوات المنادية بفتح مجال أوسع للحريات الدينية، و إلزام الدولة بحماية حرية المواطنين في الإيمان بأي معتقد.

ويؤكد الكثيرون من داخل المجتمع القبطي أن الثورة فتحت الباب واسعاً أمام الأقباط للعلاقة بين الكنيسة و الدولة، مما جعلهم أكثر وعياً و أكثر معارضة لطبيعة العلاقة القديمة بينهما.

يؤكد الناشط القبطي مينا فايق، أن تغيراً جذرياً كبيراً قد طال العقلية القبطية بعد الثورة، مما جعل الكثير من الأقباط يرفضون تدخل الكنيسة في الشئون السياسية.

فبولا وأرميا، يمثلان للشاب القبطي مدرسة قديمة داخل الكنيسة الأرثوذكسية، تؤيد الحفاظ على العلاقة القديمة بين الكنسية و الدولة، حيث تلعب فيها الكنسية دوراً أكبر من دورها الديني و الروحي.

و يشير الكثير من النقاد إلى أن الكنيسة لعبت دوراً كبيراً أثناء الانتخابات البرلمانية، بحث رعاياها على انتخاب مرشحين منتمين لتيارات سياسية مدنية معارضة لجماعة الإخوان المسلمين من خلال ما عرف بلجان المواطنة، و هي لجان تديرها الكنيسة و تهدف في الأساس إلى التوعية السياسية و المجتمعية. و لقد تم إيقاف عمل هذه اللجان إبان الانتخابات الرئاسية الماضية حينما تصاعدت الانتقادات ضد بعض القيادات الكنسية، التي استغلت هذه اللجان للتأثير على المجتمع القبطي للتصويت للمرشح المحسوب على النظام السابق أحمد شفيق، في مواجهة مرشح جماعة الإخوان المسلمين حينذاك محمد مرسي.

يقول فايق “بعض القيادات الكنسية تود أن تلعب أدواراً سياسية، ولكن عقارب الساعة لا يمكن إعادتها للوراء، فالعلاقة بين الكنيسة و الدولة يجب أن تتغير. الأقباط يمكنهم تمثيل أنفسهم”.

يؤيد الباحث في الحريات الدينية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية إسحاق إبراهيم آراء فايق، مؤكداً أن الثورة أزالت الحواجز بين الأقباط و انتقادهم للقيادات الدينية، و يضيف “مجرد تظاهر الشباب داخل الكاتدرائية ضد القيادات الكنسية يشير إلى تغير جذري في طريقة تفكير الشباب القبطي”.

يفسر إبراهيم هذا التغير بأن الآفاق الجديدة التي فتحتها ثورة الخامس و العشرين من يناير، سواء في الفضاء الإليكتروني أو في مساحة الحراك الشعبي في الشارع، أعطت الأقباط الفرصة الكافية لفرض واقع جديد على الكنيسة. و يؤكد “الكنيسة لا يمكنها مقاومة هذه الموجة من التغيير”.

و على الرغم من أن الموقف الرسمي للكنيسة يميل إلى تأييد إعطاء حريات دينية أوسع لتشمل غير المسلمين بشكل عام، إلا أن تصريحات أرميا وبولا أثارت العديد من التساؤلات.

الأنبا أرميا أكد في تصريحات له، خلال لقاء بالمركز الثقافي القبطي، أن فتح الباب أمام الحريات الدينية المطلقة قد يؤدي إلى صراع مجتمعي، مضيفاً “أنا أتكلم بصفتي الشخصية كمواطن مصري أحترم الأديان المسيحية و الإسلام و اليهودية، وهؤلاء ما نطلق عليهم كمصريين الأديان السماوية. فحينما ]أضمن حقوق[ لغير المسلمين ستؤدي للكثير من المشاكل، وسيعاني منها المسلم و المسيحي.”

و أضاف ” فلنفترض أن مواطناً شيعياً أو بهائياً أراد تطبيق شريعته و نحن نعطي له الحرية في الدستور، سيحدث خلاف و مشاكل كثيرة.” ثم استدرك متسائلاً “و ماذا عن عبدة الشيطان؟ ماذا لو أرادوا تطبيق شرائعهم؟ ماذا سنفعل؟”

و عقب عاصفة من الانتقادات و التظاهرات الشبابية ضد تصريحاته، أكد أرميا في تصريحات لجريدة المصري اليوم أن تصريحاته لا تعكس أي مواقف رسمية للكنيسة بل هو موقف شخصي.

و في حوار أجرته أيضاً نفس الجريدة مع الأنبا بولا في العام 2012، حينما كان ممثلا للكنيسة الأرثوذكسية في الجمعية التأسيسية التي سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين لكتابة الدستور الذي تم إيقاف العمل به بعد عزل مرسي، أكد القيادي الكنسي أنه وراء صياغة المادة الثالثة بشكلها القديم الذي يعطي الحرية الدينية فقط لمعتنقي ما يسمى بـ”الديانات السماوية”.

وأكد “لا نريد أن نفتح هذا الباب، لأنه سيفتح على مصر أبواباً لا يستطيع أحد غلقها. مثلاً، هناك مصانع كثيرة في مصر بها عمالة أسيوية، لهم انتماءات دينية غير سماوية، فهل نطالب الدولة بتوفير دور عبادة لهم؟ و نفس الحال مع البهائيين، لذلك اتفقنا على المسيحية و اليهودية، و أنا صاحب هذا الاقتراح، لا الإخوة السلفيون، ووجدت تأييداً من عدد كبير بالجمعية”.

و في حوار آخر له بجريدة الوطن اليومية، بعد موجة الانتقادات و التظاهرات ضد وجود قيادات كنسية ممثلة للأقباط، أكد بولا أن العلمانيين الأقباط ممثلين في لجنة الخمسين، مشيراً لجراح القلب الشهير دكتور مجدي يعقوب. وأضاف ” العلماني المسيحي يمثل نفسه وهو موجود بالفعل مثل الدكتور مجدي يعقوب و الدكتور السيسي و آخرين، إنما المطلب هو وجود ممثلي الأزهر وممثلي الكنيسة، فممثلو الأزهر مثلاً ليسوا من خارج الأزهر، وكذلك الأمر بالنسبة للكنيسة”.

و على الرغم من ذلك، فإن فايق يرى أن آراؤه و آراء زملائه من المناهضين لتصريحات هذه القيادات الكنسية ما زالت لا تمثل القطاع الأكبر من الأقباط، مضيفاً “نعم، هناك غالبية من الأقباط من الذين يؤيدون تصريحات الأنبا بولا و الأنبا أرميا، فقد تؤدي الحريات الدينية المطلقة لإعطاء الحريات لطوائف قبطية أخرى، إنها نفس الطريقة التي يفكر بها بعض المسلمين الذين لا يريدون حريات دينية للشيعة و البهائيين”.

و يؤكد فايق أن هؤلاء المعارضين للمواقف السياسية لبعض القيادات الكنسية ليسوا بالضرورة غير متدينين، حيث أن “كثير منا هم من المؤمنين الملتزمين بتعاليم الكنسية الأرثوذكسية، فلقد وجدت الكثير من الأقباط المؤيدون لأفكاري في نفس الكنسية التي أذهب إليها كل أسبوع”. أضاف فايق أن الأقباط في حاجة ماسة للتفرقة بين الدور الديني و الروحي للقيادات الكنسية، و بين أفكارهم السياسية.

و يرى فايق أن بعض التغيرات قد طالت سياسات الكنيسة مع تولي الأنبا تواضروس كرسي البابوية، حيث رأت الكنسية أنه “لا يمكن فرض وصاية على الأقباط في شئونهم السياسية و الاجتماعية” على حد قوله.

ولكن فايق يرى أن التغير الحادث غير كافي. ففي حوار له مع قناة سي بي سي، أعلن البابا تواضروس تأييده لوزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، حيث أكد البابا أن “مصر تحتاج رجلاً مثله”، حيث يرى فايق أن مثل هذه التصريحات لا يجب أن تخرج من قيادي كنسي رفيع في حجم البابا تواضروس. ويرى أن “هناك تغير مبدئي داخل الكنيسة الأرثوذكسية في حاجة لأن يتطور، و هناك أيضا تغيراً في وعي الأقباط، و يجب أن نعمل على تطوير هذا أيضاً”.

و يرى إبراهيم أن تصريحات أرميا وبولا ما زالت تصريحات شخصية و ليست مواقف كنسية رسمية و هو ما يعكس تطوراً إيجابياً، حيث يرى أن القيادات الدينية محافظة بطبعها مما يدفع الكثير منهم لقول مثل هذه التصريحات، فهم “لا يشجعون الحريات الدينية المطلقة، هذه المبادئ تربكهم” على حد قوله.

و أضاف ” تصريحات الأساقفة كالأنبا بولا و الأنبا أرميا هي جزء من الصراع للحفاظ على الشكل القديم للعلاقة بين الحكام و الكنيسة، و هو شكل تجاوزته التطورات”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين