Define your generation here. Generation What
..ثم قال لك رقابة
 
 

يؤمن الكثيرون من أنصار الفكر المحافظ في العالم أن الطبيعة الإنسانية خطّائة بالفطرة، وأنّه لولا الأطر المنظّمة لأخلاقيات البشر لغرق العالم في آبار الدنس. يري الكثيرون من هؤلاء في القوانين والأنظمة المعنيّة بالتحكّم المباشر في تصرّفات البشر ضامناً لمستويات أخلاقية آمنة تحمي الناس من شرور أنفسهم و سيئات أعمالهم.

بغض النظر عمّا وجه لهذه الفكرة من نقد متهماً إياها بفرض الوصاية، و الاستثمار في خوف الناس من العقاب بدلاً من رغبتهم الأصيلة في الترقي الإنساني، دعنا نناقش أحد الآليات التي أفرزتها هذه الطريقة في التفكير للتحكم في “أخلاق” البشر. إنّها الرقابة.الرقابة في اللغة هي المتابعة الدقيقة لتصرفات شخص ما، و التي تحدث غالباً دون علمه. وهي أيضاً الانتظار. لا أظن أن الشخص الذي قرر تسمية “هيئة الرقابة علي المصنّفات الفنّية” كان ينتوي للهيئة أن تتفرغ لمراقبة المبدعين دون علمهم، أرجّح أنّ اختيار الاسم كان لأن الهيئة ستشاهد الأعمال الفنّية “مترقبة” ما تراه خادشاً لحياء المجتمع فيها بلهفة، حتي تجتثّه من شريط الفيلم السينمائي محافظة على طهره، ومعيدة له عفّته المهدرة.

قرأت في سنوات مراهقتي كتاب “مذكرات رقيبة سينما” للرقيبة السابقة “اعتدال ممتاز”. نعم، هذا اسم حقيقي. كانت أول مرّة في حياتي أقرأ لفظ “كلوت” مكتوباً في إحدي الأجزاء التي تصف فيها بالتفصيل مشهداً من أحد الأفلام المصرية القديمة. في الحقيقة معظم متن هذا الكتاب كان وصفاً تفصيليّاً لمشاهد ساخنة حذفت من ذاكرة السينما المصرية للأبد، إلّا أن قلب الرقيبة الرحيم أبى إلا أن يوثّقها للتاريخ.

 كان هذا الكتاب هو المفضل لدي في هذه المرحلة العمرية لأسباب هورمونية يسهل توقّعها. لن أرمي المؤلفة بالباطل، ولكّني متأكد أنه حقق نجاحاً مميزاً عند إصداره، خاصة مع الصور اللطيفة في القسم الأخير منه.

مارست “الهيئة العامة للرقابة علي المصنفات الفنّية” بمصر عملها منذ سنين طويلة في تفسيخ أوصال أعمال فنّية مصرية و غير مصرية، و لم يغفل مقصّها -بعون من الله- عن ما يحتمل أن يلوّث عين مجتمعنا المحترم بطبعه. إلّا أنني أرى غير ذلك.

لو حملت على عاتقي رصد كل الرسائل المسمومة التي مرّت من تحت أنوف رقبائنا الأفاضل لما كفتني هذه المساحة، لذا إسمحي لي قارئتي العزيزة، و اسمح لي قارئي العزيز، أن أختزل عرضي في أعمال نجمنا المحبوب عادل إمام فقط لا غير.

قبل أن أبدأ أحب أن أذكّرك بأن الفنّان عادل إمام، وقبل أن ينال من نجوميّته ما نال، لعب في فيلم “نص ساعة جواز” دور (دوبلير) يوسع ضرباً بدلاً من يوسف شعبان الذي ينتهي دوره عند تقبيل البطلة فقط. نذكر كلّنا كيف يخرج عادل إمام عن النص في المشهد ويهرب من تصوير المعركة منقضّاً علي الممثلة مردداً في هيستيريا “عاوز أبوس.. عاوز أبوس”

المهم

في فيلم “الإرهاب و الكباب” و هو فيلم جيد على كثير من الأصعدة، يبحث عادل إمام عن الموظف المسئول عن تخليص ورقه في إحدى الفنادق الفخمة القريبة من مجمّع التحرير، يقابل هناك فتاة أجنبية مع رجل أجنبي، فيبدأ معهم حواراً ينتهي بأن يقبّل الفتاة دون أي داعي، الفتاة ترد بإبتسامة ساذجة يقبّلها ثانية وينتهي المشهد. هذه القصة تتكرر في العديد من أفلام عادل إمام، أذكر منها الآن “هاللو أمريكا” و “بخيت وعديلة” ومسرحية “الزعيم”. يمتد الأمر أحياناً لضرب النساء على مؤخراتهن أو أنواع أخرى من التحرّش تقابل بإعجاب شديد طوال الوقت من طرف النساء في هذه الأعمال. لم تنتقد هذه الأعمال هذه السلوكيات أبداً ولم تضعها في إطار لا أخلاقي بل العكس هو الصحيح. مرّت هذه المشاهد من أمام أعين الرقابة و لم ترى فيها ما يخدش الحياء العام أو يضر المجتمع. ٥٠ ٪ من نساء مصر اليوم يعترفن بتعرّضهم للتحرش بشكل شبه يومي (دول اللي يعترفن) وأغلبية الرجال لا يحبّون الكلام في هذا الموضوع.

 في معظم أعماله أو على الأقل نسبة كبيرة منها صفع عادل أمام ممثلين صغار الشهرة على وجوههم بشكل فيه إحتقار، أو يفترض أن يكون مضحكاً. غالباً ما يكون الشخص المصفوع في الفيلم أو المسرحية شخص ذو مرتبة اجتماعية أدنى من عادل إمام (مساعد – سائق – أو مهنة قليلة الحظ). بالرغم مما يحمله هذا السلوك من انتهاك لآدمية البشر، وطبقية منحطّة، و بالرغم من كونه وسيلة شديدة الوضاعة للإضحاك، لم ترى الرقابة في هذه المشاهد ما يستوجب أي نوع من أنواع التدّخل، و شاهدناها جميعاً كباراً و صغاراً و ضحكنا عليها جميعاً في خضم ما نضحك عليه. النتيجة: قم بعد الأقلام المصفوعة علي وجه الممثلين في أي عمل من إنتاج السبكي، و امزج الرقم بنظرة سريعة على صفحة الحوادث قسم العنف المنزلي.

لم أعرف أن العدو الأكبر لنظام مبارك و الشوكة التي كانت تؤرّقه في التسعينات هي الإرهاب إلّا عندما نضجت بالقدر الكافي للقراءة عن هذه المرحلة، إلّا أنّني – وقبل حتي أن أعرف القراءة – كنت قادراً على كراهية أي شخص ملتحي في أي فيلم من أفلام عادل إمام. حرب عادل إمام على “الإرهاب” أيّا كان معنى هذه الكلمة كانت أوسع و أشمل و أقل سطحيّة من حرب مبارك، لم تقلق الرقابة من التعميم المخل الذي كان التدّين يهاجم به في أفلامه، و لم تدرك أن هذا الهجوم كان فقط يأتي بنتائج عكسية. والنتيجة لا أظنها تحتاج لتوضيح. 

لن أدع مشاعري الغاضبة تسيطر علي و أذهب للادعاء بأن ترويج عادل إمام كنجم أكشن كان جزءً من مؤامرة تهدف إلي تحطيم المنطق في عقول المصريين، ولكن إصراره علي تدخين سجائر “مارلبورو” في معظم أعماله مهما كان مستواه الاجتماعي كان له بكل تأكيد علاقة بتحوّل النظام الاقتصادي المصري من الاشتراكية لنظام السوق المفتوح.

نفس هذه الرقابة، هي التي منعت مشهد النهاية من فيلم البرئ، و أجبرت صُنّاعه علي تغييره، و هي التي منعت و مازالت تمنع أعمالاً تناقش المثلية الجنسية أو الأديان، أو أي مواضيع يصعب علي الرقباء استيعابها. نفس الرقابة التي لا تزعجها السخرية من الأقزام أو أصحاب البشرة السمراء أو المرضى العقليين، تخشي للغاية تصوير الأنبياء أو الصحابة (لكنها لا تقوي على فعل شئ عند عرض مسلسلات عنهم في الفضائيات).

إنها الرقابة التي يحبّها الطواغيت، و يكرهها الأحرار. إنّها الرقابة التي يثق فيها من يخافون على بناتهن من مشاهدة قبلة، و لكنهم لا يلاحظون أن أجساد بناتهم تنتهك يومياً ضد رغباتهن. إنها الرقابة التي لولاها لكنّا مثل أوروبا. 

الحمد لله أنّنا لسنا مثل أوروبا.

اعلان