Define your generation here. Generation What

قبل عامين.. عند ماسبيرو

قبل عامين من البارحة، تحديداً عقب غروب الشمس، قام الجيش المصرى بقتل 28 شخصاً فى غضون خمسة عشرة دقيقة. الكثير منهم لقي مصرعه بالرصاص الحي، و آخرين تم دهسهم ذهاباً و إياباً بامتداد طريق الكورنيش من قبل مدرعات؛ كل ذلك حدث فى غضون الخمسة عشرة دقيقة.

تم حمل جثث الضحايا لبهو مبنى سكني قريب من موقع الحادث، فى خطوة حاصرتها مخاوف منفذيها من اكتشاف الجنود الذين تغلي عروقهم من الغضب و الكراهية، في واحدة من أحداث العنف التى يصعب على المرء فهمها حتى الآن.  

غالبية الضحايا كانوا من متظاهرين أقباط؛ معظمهم ليسوا من الثوريين أو المسيسين، و لكنهم شاركوا فى تلك التظاهرة على خلفية دعوات لأصوات قبطية فى صعيد مصر خرجت محتجة على حرق كنيستهم، فى ظل عدم وجود أي اهتمام إعلامي بالواقعة.  

 تعد هذه هي من المرات الأولى التي تتعرض فيها الكنائس المصرية للحرق أو التدمير دون حماية من الأمن أو تغطية إعلامية. و بما أن مبنى ماسبيرو هو المقر الرئيسى لتليفزيون الدولة، قرر المتظاهرين أن يكون وجهتهم بهدف جذب الانتباه لقضيتهم.  لكن المفارقة فى الأمر إنه بدلا من أن تسلط الكاميرات أضوائها على صراخ الأقباط المحتجين، خرج مذيعوا التيلفزيون المصري يتهمون المتظاهرين بالهجوم على الجيش، و يطالبون ما وصفوهم بالمواطنين الشرفاء بالتدخل لحماية جيشهم.

انضممت للتظاهره برفقة اثنين من الأصدقاء بمحض الصدفة. لم تتمتع التظاهرة بحجم واسع من الدعاية المسبقة مقارنة بنظيراتها السياسية؛ فلم أرى كوادر النشطاء المعتاد رؤياهم في مثل تلك الوقائع، لدرجة أننى ظننت أنهم لا يعرفون شيئا عنها أو عن موعد إقامتها.

لكننا جئنا هناك للتضامن ضد الطائفية، ضد الإفلاس الإعلامي، ضد حكم الجيش و ضد النظام الذى يتعايش و يستمد قوته من تلك السموم. على الرغم من عدم وجود دعاية كافية لتلك التظاهرة إلا أنها كانت مكتظة بأعداد ضخمة من العائلات و الشيوخ و الأطفال. فى البداية، سادت حالة من الضحك بيننا لأن الكثير من المشاركين لم يكونوا على علم بالهتافات التى كان بعضنا يرددها على الرغم من انتشارها الواسع آنذاك؛ أي عقب تسعة أشهر من اندلاع ثورة يناير.

 بدأت أعمال القتل قبل وصول الجزء الأكبر من المشاركين فى التظاهرة إلى مبنى التليفزيون، و فى غضون دقائق وجدنا أنفسنا نختبئ تحت حائط خرساني قريب من مطلع كوبري 6 أكتوبر، كونه المكان الوحيد الآمن فى الوقت الذى كانت تصطدم فيه المدرعات بالناس.

السيارات لم تكن قادرة على الوصول إلينا لمسعادتنا.

احتدمت الاشتباكات طوال الليل، و عندما تملكت الشجاعة للعودة إلى بيتي عقب ثلاثة أيام وجدت رسم الجرافيتي أمام منزلي يحمل عنوان “الجيش الخائن”، لكن اليوم الجرافيتي يقول “الجيش” فقط. بعد الحادثة بأسابيع قليلة، وجدت حالة من تعمد الحديث على بطولة الجيش و نفي قاطع أن تلك المذبحة قد حدثت، لكن فى الواقع أصبحت مذبحة ماسبيرو -و سوف تظل- أول تجربة نشهدها عن محو حقيقة ارتكاب السلطة لأعمال قتل.

ففى يوليو الماضىي لقي أكثر من خمسين شخصاً مصرعهم، من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي و جماعة الإخوان المسلمين، أمام مقر الحرس الجمهوري. ذهبت هناك لتصوير شهادات الناس عمّا حدث، و صدمت من تأكيد الكثرين على أن تلك هى المرة الأولى التي يقوم فيها الجيش بقتل متظاهرين سلميين.  سألت اثنان من مروِّجي تلك الفكرة عن تذكرهم لأحداث ماسبيرو، و مجلس الوزراء و محمد محمود، و أتت ردودهم  إما بالتهرب من الإجابة على السؤال أو الصمت.

ربما هذا الإغفال لم يكن بغريب على اعتصام كان يروج لأفكار طائفية تجاه الأقباط لأسابيع و أسابيع. فتذكرهم لواقعة ماسبيرو لن يكون منطقياً مع هذا الكم من التحريض و الكراهية، على الرغم من أن المفارقة تكمن فى أن بعد أسبوعين من تلك الواقعة لقى 100 آخرين مصرعهم أمام المنصة، و الذى لحق بهم 600 أخرين فى عملية فض اعتصام  رابعة.

أرى أنه على المرء ألا يرسم مقارنات بين حادثتي رابعة و ماسبيرو، و ألا ينفي ذلك. فبشكل قاطع، رأينا الجيش و الشرطة يرتكبون مجازر و الإعلام كان يتجاهلها و يبرر القتل فى ظل أجواء احتفالية و أغاني وطنية. لكن فى الوقت نفسه، أسبابهم كانت مختلفة، و مواقفهم كانت أيضاً مختلفة.

ففي اعتصام رابعة، كان هناك ادعاءات و اتهامات متبادلة بين الطرفين المتصارعين، فضلاً عن وجود ذريعة للحكومة بوصف الطرف الآخر كعدو للدولة، و بناءاً عليه تم التعامل معهم على هذا الأساس، و هو ما برز فى ذكر الشرطة لأعداد القتلى بشكل دقيق دون أكاذيب.

لكن في ماسبيرو، المذبحة كانت نتيجة نزاع بين قوى متفاوتة القدرة بشكل صارخ، أتت كصدمة و ومضة من القتل و العنف. في ماسبيرو، المتظاهرين لم يكونوا أعداء للدولة بل كانوا من الأقلية، و الجيش و الدولة، التى ارتكبت تلك المجزرة، كانت هي الأطراف التي من المفترض أن تستمد شرعيتها من حمايتها للأقليات.

لكن بالنسبة لي، ما يعطي ماسبيرو خصوصية هو عدم وجود إمكانية لصياغتها على إنها صراع أو صدام. لأنها ما هي إلا مذبحة أظهرت بوضوح النفاق و العنف لدى النظام. و مع ذلك، مجئ ذكرى ماسبيرو عقب أحداث فض اعتصام رابعة بجانب حالة الهوس و التأييد المجتمعي للجيش و الشرطة لاستخدامهم القوة فى تلك العملية؛ كلها عوامل تعطى حادثة ماسبيرو حيثية و أهمية دائمة التجدد.

أولئك الذين ينسون التاريخ قد تتم إدانتهم بإعادته، لكن فى الوقت نفسه، فكرة أن نتذكر فقط لا تعفينا من احتمالية إعادة التاريخ مجدداً، لأن التذكرة وحدها لا يمكنها أن تصنع التغيير، و تحدث بعد حالة من الصراع. لكن أهمية وجود ذاكرة دائمة تكمن في أنها تعطي العون ودائماً تؤثر فى ردود أفعالنا و مواقفنا.

 فى هذا الصدد، كتب الكاتب الألماني، والتر بينجامين، الآتى: “من يكتب التاريخ، و يأخذ فى اعتباره إلقاء الضوء على ما قد تحمله تجارب الماضي من آمال، هو من يعبر على قناعة بهذا الأمر: أن الموت لا يعني أنك ستكون بمنأى عن العدو عندما يكون هو الفائز، و أن طموحه لن يقف عن تلك الخطوة”.

ماسبيرو هي الحادثة التى تذكرنا بقوة بتلك النظرية. تم التستسر عليها ليست مرة واحدة بل مرتين، و لكنها ستبقى ساحة للقتال التي نبصر بها الكثير من الأمور عن هذا العدو.

ماسبيرو لم تكن هى المذبحة الأخيرة، و لكن تبقى منفردة في كونها المحور الذى تتأرجح عليه الكثير من الذكريات السياسية. 

و لكي نبقى محافظين على حجم الألم و الغضب المرتبطين بهذا اليوم، و لكي نقوم بتسمية الخصوم بالأعداء دون تردد، علينا أن نعمل جاهدين للحفاظ على بقائها أو على الأقل ألا نتركها لتموت.  

اعلان