Define your generation here. Generation What

صراع على التاريخ

في إحدى كتاباتها، وصفت الكاتبة ماريا غوليا القاهرة كمدينة عُقِدت مكوناتها معاً عن طريق الأربطة المطاطية، بينما كانت في حالة من الفوضى المترنحة. هذا القياس ينطبق على البلد كله. ليس فقط في مكونات البلد الماديّة الهشَّة، و إنما ينطبق أيضاً على مكونات المجتمع الحسِّية.

في يوم الأحد، السادس من أكتوبر، دُعي المصريون للنزول إلى الشوارع للاحتفال بانتصار مصر على إسرائيل في عام 1973. بينما ينتعش المصريون بجرعة مكثفة من الفخر في هذا اليوم (شماتة في إسرائيل)، فإن المواطنين في الأوقات العادية عادة ما يحتفلون بهذا اليوم على الشاطئ.

لكن هذه ليست أوقات عادية، ففي يوم الأحد حَشَد الجيش الشعب للاحتفال بحَشْد الجيش لقواته و هزيمة الكيان الصهيوني قبل 40 عاماً، كوسيلة لإلقاء التحية العسكرية إعلاناً للفوز في الحرب على الإرهاب، التي لا تزال جارية، و تصحيحاً لمسار مصر في تعلم المشي بخطى الديموقراطية، بإنقاذها من براثن جماعة الإخوان المسلمين.

كانت الاحتفالات كحالة من النشوة بعاطفة قوميّة و عشق لقائد الجيش عبد الفتاح السيسي، الذي خلع في الثالث من يوليو الرئيس السابق محمد مرسي، و وعد في ذلك الحين بأن الجيش لا يريد التدخل في الشؤون السياسية. المواطنين المصريين في ميدان التحرير، يوم الأحد، كان لديهم رأي مختلف، حيث جمعوا التوقيعات إصراراً على أن يترشح السيسي للرئاسة. قليلٌ مَن ذكر حرب أكتوبر هناك.

السيسي بنفسه كان يشاهد الحدث من ملصقات وضعت على الدبابات، و أخرى بين أيدي الناس و على قمصانهم. قرب صف من الدبابات التي اعتلت الزهور مدافعها وراء الأسلاك الشائكة، اصطف المدنيين ليبصروا المشهد. بجانب ذلك، كانت المئات من ملصقات السيسي معروضة للبيع على الأرض حيث كان في السنوات الماضية يبيع الباعة الجائلون بضائع الثورة. يحاصر ذلك جدران باتت عليها طبقات فوق طبقات من كتابات الجرافيتي الباهتة، تتنازع على الفراغات، و يتغلغل بعضها في بعض فتُبهم معانيها، كدماء الجنود المتصارعين المختلطة في ساحة المعركة.

هذه الاحتفالات، ربما لم يكن لها معنى إذا تم فحص التاريخ بطريقة خطية و منطقية، فما علاقة ما حصل في انتصار مصر في 1973 بالأحداث الجارية أو بنجم العرض، السيسي، الذي كان مراهقاً في وقت الحرب؟ و ما علاقة هزيمة الكيان الصهيوني بحرب على الإرهاب المحلي؟ تفسير ذلك يتجاوز حدود أي عذر للشوفينية أو للاحتفال الكبير في الشوارع. كل هذا كان بغرض إرساء سفينة الأحداث منذ 30 يونيو على شيء صلب، و استمراراً في عملية انتزاع شرعية لا جدال فيها، ربما لن توجد بطريقة أخرى.

هذا الخروج المحتفي بصور السيسي العديدة لا يعود فقط إلى شعبيته الحقيقية: إنما يهدف لخلق علاقة لا تُمحى بينه و بين الحرب و كل ما يعنيه ذلك، ليصير متربعاً على قمة ذلك في وضعية أشبه بالإله.

إن اختيار أنصار جماعة الإخوان المسلمين التظاهر في هذا اليوم، دوناً عن كل الأيام، ضد خلع مرسي دل على افتقار فادح للعقل. معظم الروايات تشير إلى سلمية مظاهراتهم. لكن اندلاع الاشتباكات كان أمر لا مفر منه.

عندما علِقت الاحتجاجات في إحدى أركان ضاحية الدقي، تدفقت عيون أولئك الذين عادوا من صفوفها الأولى. وراءهم، تتابعت الأصوات المكتومة الغليظة لقنابل الغاز المسيل للدموع. سأَلْتُ امرأة عما إذا كان قيامهم بمسيرة إلى ميدان التحرير احتجاجاً على الإطاحة بمرسي وهم يهتفون ضد الحكم العسكري خطوة استفزازية و غير حكيمة، فأجابت “ميدان التحرير هو رمز الثورة”، دون قول المزيد.

في ميدان الدقى، ألقي القبض على محتجين “مناهضين للانقلاب” من قبل الشرطة و ضُربوا وسط دخان الغاز المسيل للدموع و دخان حرْق الإطارات. مجموعات من المدنيين المسلحين كانت تهاجمهم، بينما كان يشاهد ذلك رجل ارتدى قميصاً كَتب عليه “لا للإرهاب”.  على بعد 500 متر عبر الطريق، كان هناك امرأة و ابنتها المراهقة، متزينتان في أبهى صورهن، تتحركان ذهاباً و إياباً حاملتين ملصقاً كبيراً للسيسي.

كانت جماعة الإخوان المسلمين تتبنى ألاعيباً ذهنية لتبرير قرار التظاهر. في رسالة بالبريد الالكتروني، كان تحالف الشرعية ضد الانقلاب “يحيي شجاعة وتضحية شهداء مصر في 1973 و 2013”.

“احتشدت الأمة كلها، يوم الأحد، في استجابة لدعوة التحالف… للاحتفال بالذكرى السنوية لنصر أكتوبر العظيم و لاستدعاء روحها من جديد في مقاومة انقلاب القمع والظلم و الطغيان”، وفقاً للرسالة الإلكترونية.

التاريخ دائماً قابل للتشكل، و لكن القوى المتصارعة في مصر شدّوه من كل جانب فصار مشوَّهاً. سحبوه ومزقوه و تشبثوا به من كل جانب. أعلنوا الانتصارات حتى قبل أن تجف الدماء على الأرض.

اليوم هو الذكرى الثانية لمذبحة ماسبيرو، عندما قُتل 30 متظاهراً معظمهم من المسيحيين بينما كانوا يشاركون في مسيرة ضد الطائفية. جائهم الموت متعلقاً بالرصاصات الحيّة أو متسللاً أسفل مدرعات القوات المسلحة خارج مبنى التلفزيون الحكومي.

ثم بدأت إعادة تشكيل حقيقة ما حدث في نفس الليلة. البلطجية، أو المتظاهرون أنفسهم، سرقوا و قادوا ناقلات الجنود المدرعة، أو هكذا قيل لنا. في وقت لاحق، تم إلقاء اللوم على جماعة الإخوان المسلمين. قالت وسائل إعلام أن المسيحيين كانوا يقتلون الجنود. امتنعت جماعة الإخوان عن إدانة العسكر و طلبت من المسيحيين الغاضبين وقْف إشاعة الفوضى و العودة إلى ديارهم.

بعد عامين كان هناك حشد عند ماسبيرو يعرضون لائحة من الأسباب التي توضح وجوب ترشيح رئيس الجيش نفسه للرئاسة. بالضبط، في نفس المكان حيث انتزعت أرواح بشر من جثثها تحت عجلات الجيش.

و عندما كان 6 أكتوبر من عام 2013 قرب نهايته، كان التاريخ على خشبة المسرح: كان الأوبريت الذي يغنيه مطربين ارتدوا زي الجيش المموّه، كان ابتسامة السيسي المطمئنة على شفتيه، و كان وعده أن مصر ستكون “أد الدنيا”، و كان الصعداء المنبعثة رداً على ذلك.

في أماكن أخرى كان التاريخ يُحكى أن الملايين خرجوا إلى الشوارع ضد السيسي وأن 6 أكتوبر سيكون آخر يوم له في العمل، كان يجلس حبيساً في زنزانة الشرطة، أو كان يجرى تشريحه بواسطة سكين المشرحة. كان التاريخ كل شيء من هذه الأشياء، و لم يكن أي منها.

اعلان