Define your generation here. Generation What

ثورة ضد حقوق الإنسان

ما كنا نعتقد أنها ثورة ضد ديكتاتور اتضح لنا أنها على العكس من ذلك تماما.

“ثورة” الثلاثين من يونيو كانت من أكثر الأحداث خداعاً في تاريخ مصر الحديث. لقد بدأت كانتفاضة ضد حكم الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين الذين تبين عدم قدرتهم على حكم البلاد.

الملايين خرجوا إلى الشوارع مطالبين برحيل مرسي، و مؤَيدين من الأزهر والكنيسة في مشهد خادع لأي محلل سياسي وأي ثائر من ثوار الخامس والعشرين من يناير، وخادع أيضا لشخص مثل محمد البرادعي بكل تاريخه وخبرته، وخادع أيضا – إحِم – لنفسي.

الوقوع في الفخ كان سهلاً جداً. تتخيل أنك كنت تواجه ديكتاتور، لكن الأغلبية كان لهم رأياً مخالفاً تماماً لما يجب أن يكون. فما إن تدخل الجيش وقبض على الرئيس المعزول حتى ظهر الوجه الحقيقي للثلاثين من يونيو. فهي لم تكن ثورة ضد الديكتاتورية عامة، بل كانت ثورة ضد ديكتاتور بعينه، ثورة تطلب من ديكتاتور آخر أن يتدخل.

علي أن أعترف أنني احتجت إلى يومين كاملين لكي أدرك حقيقة الوضع، في حين أن زوجتي الكندية وصديقي المصري البريطاني أدركا ما يحدث على الفور، ولكنني لم استمع إليهم.

أطلقت قوات الأمن النار على مدنيين أمام الحرس الجمهوري بعد الثلاثين من يونيو بأيام قليلة، وكانت هذه هي اللحظة التي أدركت فيها طبيعة ما يحدث، واحتاج البرادعي إلى شهر ونص ومذبحة راح ضحيتها المئات كي يدرك.

هذه الانتفاضة لم يكن أبدا الهدف منها استعادة الحقوق والحريات والتخلص من ديكتاتور ظالم، ولكنها كانت تطالب بديكتاتور آخر: العسكر.

اجتاحت مصر موجة ساحقة، مهللة، إن لم تكن موجة نشوة من الشوفينية ممثلة في “الحرب على الإرهاب” التي تم إعلانها ضد الإخوان المسلمين، حيث فوجيء المصريون أن العالم كله ضدنا، غير مدركين كيف أن العالم كله كان مصدوماً من تحول الحزب الحاكم الذي صوّت له المصريون منذ عام واحد إلى منظمة إرهابية خارجة عن القانون.

في لحظة غير مسبوقة، نحن نشاهد حالياً دعماً شعبياً جارفاً لانتهاكات حقوق الإنسان. النظرة النمطية القائلة أن الحكومات فقط هي من تعادي حقوق الإنسان أثبتت خطأها، حيث يعلن غالبية المصريين رفضهم لمبادئ حقوق الإنسان. نحن رأينا أناساً مستعدين للتضحية بحقوقهم وحرياتهم من أجل التخلص من معارضيهم.

نحن الذين نعمل بمجال حقوق الإنسان اتهمنا أهلنا وأصدقاؤنا بالخيانة. أصبح الناس ينادون بالتخلي عن حقوق الإنسان كلية من أجل مكافحة “الإرهاب”.

بعد إفاقتي من الصدمة، أصبحت واعيا لبعض الحقائق.

أولاً، الكثير من الناس لا يعرفون ما هو مفهوم حقوق الإنسان، فهم يعتبرونها مصطلحاً أخلاقياً مثالياً يتبناه الحالمون، أو هؤلاء الموهومون بنزعات إنسانية. هناك نقص في المعرفة بأن حقوق الإنسان جزء من القانون الدولي، وأنها ملزمة للحكومة المصرية الموقعة والمصدقة على اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية مثل الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أو العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

البعض يرى أنه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان حينما يكون الأمن القومي مهدداً، متناسين أنه لا مجال للتخلي عن معايير حقوق الإنسان طالما أن مصر موقعة على الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وطالما استمرت عضويتها بالأمم المتحدة.

لقد تفاجئت بجهل معظم المصريين التام بماهية القانون الدولي، على الرغم من وروده في كل الدساتير المصرية، وعلى الرغم من أن القانون الدولي جزء من القوانين المحلية. أيضاً، هناك قلة من المصريين على وعي بمعايير حقوق الإنسان، ولكن قرروا أن يعادوها، بل وطالبوا الحكومة المصرية بسحب التصديق على الاتفاقيات الدولية.

نسي الناس أن اتفاقيات حقوق الإنسان هذه يتم توقيعها لجعل حياة المواطنين أفضل، ولكي تتم محاسبة الحكومة على أساسها. على الرغم من ذلك، فإن الغالبية في مصر تؤيد انتهاكات النخبة العسكرية الحاكمة طالما أنها تُرتكب ضد خصومهم. لقد تناسوا أنه عند سقوط حقوق الإنسان، لن يكون هناك أمان لأحد.

الحقيقة الثانية التي توصلت إليها لها علاقة بأحوال الحركة الحقوقية في مصر، ففي حين كان من المفترض أن يكون للمنظمات الحقوقية موقفاً محايداً محترماً من كل الأطراف، تم مهاجمتها واعتبارها عدواً للناس جميعا. بدلاً من إدراك أن التقارير التي تصدرها هذه المنظمات تعتمد في الأساس على مرجعيات واضحة وثابتة منبثقة من القانون الدولي، تخيل المجتمع أن هذه المنظمات تخدم أجندة أجنبية هدفها إسقاط النظام وجلب الفوضى إلى مصر.

قبل أن نهاجم الشعب ونتهمه بالجهل، علينا أن نعترف نحن أيضا أننا أخطأنا. قبل الخامس والعشرين من يناير، كانت المنظمات الحقوقية تعمل بحيادية محاولة فضح انتهاكات النظام السابق وجهازه التنفيذي. أما بعد الثورة، فإن معظم النشطاء الحقوقيين اتخذوا مواقفاً مسيّسة متجاهلين تماما المرجعيات الأساسية للقانون الدولي.

لقد كان من المفهوم اتخاذ مثل هذه المواقف إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير نظراً لتشابه أهداف الثورة حينها مع المواقف الحقوقية مثل المساواة والحرية، لكن هذا التحول سبّب الكثير من الضرر للجانبين. فقدت الحركة الحقوقية حيادها ومصداقيتها في حين تم مهاجمة الثورة من البعض الذين قالوا أنها مؤامرة خارجية فقط لأنها طالبت بتطبيق معايير حقوق الإنسان.

التحدي الآن أكبر بكثير مما كان الوضع عليه إبان حكم الرئيس السابق حسني مبارك. الآن، هؤلاء الذين من المفترض بهم الدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان أصبحوا يرفضونها. التحدي الحقيقي الآن أن تستعيد الحركة الحقوقية حيادها ومصداقيتها المفقودين. يجب أن يحدث ذلك عن طريق توعية الناس بماهية حقوق الإنسان، وأن تطبيق المعايير الحقوقية طوال الوقت هو واجب تحت ظل المواثيق الدولية الملزمة التي وقعتها مصر.

من المهم أيضا أن نتذكر أنه سيتم مراجعة موقف مصر، في مطلع العام القادم، في المجلس الدولي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، كجزء من منظومة التقييم الدوري العالمي. الفشل في تسجيل مركز متقدم في حقوق الإنسان، قد يعني تطبيق عقوبات دولية على مصر، كوضعها على القائمة السوداء للدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

على جانب آخر، يجب على المدافعين عن حقوق الإنسان مراجعة مواقفهم، حيث يجب عليهم الالتزام بمعايير القانون الدولي كمرجعية أساسية في كل المواقف. كما عليهم أن يتجنبوا اتخاذ أي مواقف من الممكن أن تُعتبر متحيزة سياسياً. استعادة مصداقية وحيادية الحركة الحقوقية يجب أن تكون أولوية لنا، وعلى الشعب أن يثق في الحركة الحقوقية وأننا لسنا مع طرف ضد طرف آخر وأننا سنستمر في فضح الانتهاكات تحت الحكم العسكري مثلما فضحناها تحت حكم الإخوان.

في الحقيقة، الحركة الحقوقية ستظل دوما ضد الأنظمة، لأنه طبقا للقانون الدولي فإن الأنظمة هي وحدها القادرة على ارتكاب الجرائم والانتهاكات الحقوقية.

لا يجب أن يرفض الشعب حقوق الإنسان، لأنها خلقت من أجلهم من البداية.

اعلان