Define your generation here. Generation What
مصر ليست جنة السوريين
 
 

 

في غضون قرابة الثلاثة أشهر منذ فرت نادية حمادة من دمشق التي مزقتها الحرب إلى القاهرة، رُفض قبول أطفالها في المدارس الحكومية، اعتقل زوجها من منزلهما من قِبل الشرطة ليتم استجوابه عن تصريح الإقامة، أُخذ منه التوك توك خاصته لأن الزملاء المصريين كانوا غاضبين من أن يزاحمهم سوري في مهنتهم.

“ألم يخلق الله السوريين أيضا؟ ” قالتها نادية بينما كانت تجلس القرفصاء مستندة إلى جدار أبيض في شقتها فقيرة الأثاث، الواقعة في مشروع إسكاني لذوي الدخل المنخفض على مشارف القاهرة.

نادية هي واحدة من العديد من اللاجئين السوريين الذين يشكون من المعاملة السيئة، منذ أن تمت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في الثالت من يوليو السابق و حلت محله الحكومة المدعومة من الجيش. قبل ذلك، كان اللاجئون السوريون يحصلون على تأشيرات لدى وصولهم، كانوا قادرين على التحرك بحرية في الشوارع، كانت هناك مساواة في الحصول على خدمات التعليم و الرعاية الصحية، كانوا قادرين على بدء المشروعات و قادرين على الحصول على تبرعات الجمعيات الخيرية الإسلامية. الآن، تمت محاصرتهم في التوترات السياسية في مصر، ليكونوا إحدى ضحاياها.

منذ الثامن من يوليو السابق، عندما فرضت السلطات المصرية شرط حصول السوريين على التأشيرة قبل الدخول، صارت أعداد الذين تم السماح لهم بالدخول “ضئيلة”. وفقاً للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في القاهرة، عادت طائرات محملة عن آخرها بالسوريين إلى حيث أتت لأنها كانت تفتقر إلى الأوراق.

“قالت السلطات المصرية إن هذا الإجراء من شأنه أن يكون مؤقتا لحين تحسن الظروف الأمنية” هذا ما قاله محمد الديري الممثل الإقليمي للمفوضية، في مقابلة أجريت معه في مكتبه في القاهرة. و أضاف “حتى الآن لم نشهد رفع هذا القرار”.

بين يوليو وسبتمبر الماضيين، تم إلقاء القبض على 143 من السوريين من المسجلين و من غير المسجلين، تم ترحيل 58 منهم و كان بينهم أطفال. تم الإفراج عن 32 بينما يظل 53 رهن الاحتجاز، وفقا لأرقام المفوضية.  بالإضافة إلى ذلك تم إلقاء القبض أيضا على 75 فلسطيني سوري، و تم ترحيلهم جميعا.

يقول الديري “على أي أساس يتم ترحيل السوريين، نحن لا نعرف. هذه قرارات إدارية من قبل وزارة الداخلية اتُخذت دون أي سند قانوني”.

يختار الذين يجري ترحيلهم وجهتهم و يُجبرون على شراء تذاكر الطيران الخاصة بهم.

“لا يصنف ذلك على إنه ترحيل، ولكن يتم تصنيفه على أنه مغادرة طوعية ” تقول ذلك بريانكا موتابارثي، الباحثة في قسم حقوق الطفل في منظمة هيومن رايتس ووتش في القاهرة.

بينما أكد الديري، إنه إذا تم إلقاء القبض على قُصّر، غالباً ما ينفصلون عن أسرهم، و يتم ترحيلهم و إرسالهم إلى دور الكفالة في دول أخرى.

وقد تكشفت هذه الصعوبات جنبا إلى جنب مع حملة عامة تشنها المؤسسات الإعلامية الموالية للجيش لتأجيج المشاعر المعادية لسوريا بين المصريين كجزء من الجهود الرامية إلى تهميش جماعة الإخوان المسلمين من خلال ربط الجماعة بالسوريين والفلسطينيين.

فعندما ألقي القبض على مواطن سوري في مظاهرة مؤيدة لمرسي في القاهرة يوم الخامس من يوليو ، حسبما ذكرت صحيفة اليوم السابع الخاصة، علّق الديري على ذلك قائلاً “ذلك أيّد في عيون المصريين ما كانوا يعتقدونه: أن السوريين كانوا جزءًا من الأجندة السياسية في مصر”..

في اليوم التالي، دعا المذيع التليفيزيوني ذو الشعبية الواسعة توفيق عكاشة المصريين لاعتقال أي سوري يجدونه في الشوارع و أعطى عكاشة السوريين تحذيراً لمدة 48 ساعة لوقف دعم جماعة الإخوان المسلمين، وإلا سيدمر المصريين منازلهم. و في 10 يوليو، اتهم مذيعوا التلفزيون المحلي السوريين بانحيازهم لأنصار مرسي.

مرسي، وهو سني إسلامي من جماعة الإخوان المسلمين، كان متحالفاً بقوة مع قوات المقاتلين المتمردين ضد نظام بشار الأسد، وهو من الأقلية العلوية الشيعية.

في مظاهرة بالقاهرة يوم 15 يونيو، أعلن مرسي نهاية العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري وإغلاق السفارة السورية فضلا عن قيام دعاة اسلاميين سُنّة في اجتماع حاشد نقله التلفزيون المصرين بالدعوة للجهاد في سوريا.

منذ الإطاحة بمرسي ، والآلاف من أنصاره إما قتلوا أو ألقي القبض عليهم من قبل الدولة في “الحرب على الإرهاب “. ودافع المسئولون عن تلك الأفعال بأنها لازمة لتعزيز الأمن و لدفع الحكومة قُدماً في خارطة الطريق الإنتقالية التي ستشهد تعديل الدستور المعلق و إجراء انتخابات العام المقبل.

سامر، أب لولدين يبلغ من العمر 53 عاماً من مدينة حمص السورية، استرخى على كرسي في باحة كنيسة أجّرتها المفوضية كمكاتب للتسجيل في القاهرة. كان ينتظر أن يحصل أخاه على البطاقة الصفراء، وثيقة تسجيل المفوضية التي توفر للاجئين الحماية و معاشاً شهرياً.

ثلاثة أشهر منذ وصوله، شهد سامر ارتفاع المشاعر المعادية للسوريين. يقول أنه لا يمكنه العثور على عمل، و يشعر بالقلق من أن أولاده قد يغيبون عن العام الدراسي، إذا لم يتمكنوا من الإلتحاق بالمدارس الحكومية خصوصا و أن المدارس الخاصة باهظة الثمن.

لا يزال للسوريين الحق في المساواة في الحصول على التعليم، وفقا للديري، على الرغم من ذلك لم تترجم الرسالة من البيروقراطيين على أرض الواقع، فالكثير منهم لا يزالون غير قادرين على إلحاق أطفالهم بالمدارس الحكومية.

عند سؤاله عما إذا كان السوريون يشاركون في مظاهرات مناهضة للحكومة، قال سامر ” إذا تم القبض على سوري في المظاهرات فهو إما مأجور، أو ليس لديه أسرة يشعر بالقلق عليها، أو أنه يعمل لصالح المخابرات”.

و أضاف سامر” لقد هرب معظم الناس من التفجير والقصف في سوريا بحثا عن السلام والهدوء. إنه من العار أن يتم قمع جميع السوريين، بسبب التصرفات المزعومة من بعضهم”.

و إلى جانب الوقوع في السياق السياسي بين الاعتقالات و أزمة تأشيرات الدخول، هناك أيضا الصعوبات الاقتصادية. فيوجد أكثر من 240 سوري أغلقوا ملفاتهم مع المفوضية العليا للاجئين في الأيام الخمسة الأولى من شهر سبتمبر لأسباب اقتصادية. الأغلبية منهم ينتوون الذهاب إلى تركيا حيث يعتقدون أنها ستكون أكثر ترحيباً خصوصاً و أن الحكومة ذات الميول الإسلامية في تركيا كان لديها علاقات قوية مع مرسي.

العديد من السوريين يخاطرون بحياتهم أيضا بالخروج في قوارب صغيرة قبالة شواطئ الإسكندرية إلى أوروبا وإيطاليا على وجه الخصوص، حيث ينظرون أملاً بعيد المنال في حياة أفضل.

قالت المفوضية في بيان لها يوم 13 سبتمبر أنه على مدار الأربعين يوماً الماضية ، وصل 3,300 سوري، بينهم أكثر من 230 طفل من دون ذويهم، على شواطئ إيطاليا، بالتحديد في صقلية، معظمهم كانوا قادمين من مصر.

و تعانى الجمعيات الخيرية في مصر أيضا لأن التبرعات التي تلقوها سابقاً قد جفّت. يقول أبو زكريا أبو الخير أنه جمعيته “رابطة اللاجئين السوريين” كانت تتلقى 70,000 جنيهاً مصرياً شهرياً في عهد مرسي و الآن، تتلقى 20,000 ألفاً فقط.

“الشعب المصري يتهمنا بالإنتماء لجماعة الإخوان المسلمين”،  قال ذلك عبر الهاتف و أضاف نافياً ” نحن لا ننتمي للإخوان”.

تزوّد جمعيته 170 عائلة سورية بمعاش شهري قدره 500 جنيه، و 600 عائلة بأكياس الطعام و27,000 أسرة بالخدمات الطبية، وفقاً لما قاله أبو الخير.

لكن المصاعب التي تواجه السوريين في مصر تقع في سياق أوسع من بيئة غير راغبة في اللاجئين بشكل عام. السوريون ، الذين يشكلون الآن أكبر عدد من السكان اللاجئين في مصر بحجم 117,000 نسمه على الأقل، ليسو سوى أحدث ضحايا مناخ معادٍ للاجئين عموماً.

في عام 2011 ، السنة الأولى من الانتفاضة ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، سجلت المنظمة المصرية لحقوق اللاجئين أعلى ازدحاماً لها وفقا لمارتين جونز، نائب رئيسها. حيث ارتفع عدد اللاجئين الذين يشكون من الاعتقال والاحتجاز التعسفي، وأعمال العنف والتمييز إلى أكثر من 20% مما كانت عليه من قبل.

وتشمل مجتمعات اللاجئين الأخرى في مصر سودانيين و صوماليين و إثيوبيين و اريتريين و عراقيين و فلسطينيين.

“كلما كان هناك صراع سياسي على مستوى الحكومة، تدفع مجتمعات اللاجئين الثمن على مستوى المجتمع”، قال ذلك مصطفى، تحت اسم مستعار، و هو ناشط في مجال حقوق الإنسان الذين يعملون مع اللاجئين في القاهرة.

في مطلع يونيو، خلال التداعيات بين مصر و اثيوبيا حول مشروع سد النهضة، أصدرت مفوضية اللاجئين بيانا صحفياً تتوسل إلى المصريين احترام اللاجئين الإثيوبيين. جاء ذلك بعد أن سجلت أكثر من 40 شكوى من قبل اللاجئين الإثيوبيين بسبب فصلهم من وظائفهم أو إجبارهم على ترك منازلهم.

و يبدو أن اللاجئات أيضا دفعن الثمن، فحالات إغتصاب جماعي في القاهرة تحدث على أسس “متكررة” وفقاً لمصطفى في الأشهر الثلاثة أبريل ومايو ويونيو. و سجلت المنظمة التي يعمل لديها مصطفى 11 حالة للاجئين من النساء يتعرضن للعنف الجنسي والعنف على أساس الجنس، و غالبا الاغتصاب.

في عام 2005، توفي 23 سودانياً عندما تحركت شرطة مكافحة الشغب لفض اعتصام اللاجئين الذين كانوا يحتجون خارج مكاتب المفوضية العليا للاجئين.

وفي خضم هذه الصعوبات التي تعكس عدم وجود الضيافة تجاه التجمعات السكنية الجديدة في مصر، ينتظر الكثيرون في هذه المجتمعات اليوم الذي يمكنهم العودة فيه إلى ديارهم. بالنسبة لهم، مصر هو سكن مؤقت.

في مقهى و منطقة التسوق، التي أصبحت تعرف باسم  دمشق الصغرى على مشارف القاهرة، يجلس محمد، العامل البالغ من العمر 22 سنة و الذي يعمل في متجر للملابس والأحذية، و هو واحد من بين العديد من السوريين الذين لم يسجلوا أسماءهم لدى مفوضية اللاجئين. و يقدر مسئولوا الحكومة أن العدد الحقيقي من السوريين في مصر بما يتراوح 250,000 و 300,000.

“أخشى أنني إذا قمت بالتسجيل، ألا أكون قادراً على العودة إلى وطني يوماً”، يقول ذلك محمد، الذي اعتقل لفترة وجيزة في أواخر يوليو بينما كان في طريقه إلى العمل.

و يُنصح السوريين المسجلين بعدم مغادرة البلاد، بحجة أن عودتهم إلى مصر مرة أخرى ليست مضمونة.

يضيف محمد “أتمنى دائماً العودة إلى سوريا”.

اعلان
 
 
نادين ماروشي