Define your generation here. Generation What
عن عودة الماضي وارتباك المستقبل
 
 

في صباح يوم الثاني و العشرين من نوفمبر الماضى، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس، التي تسيطر على قطاع غزة، وإسرائيل، عن توصلهما لصيغة تفاهمية على خلفية نزاعهم المسلح الذي دام لأكثر من أربع سنوات، في إطار هدنة لوقف إطلاق النار بوساطة ورعاية حكومة الإخوان المسلمين في مصر.

وعلى الرغم من تبني حماس نظرية الجهاد المسلح لحين تحرير بلادهم من “الكيان الصهيوني”، جاء أول رد فعل للحركة على لسان متحدثها إيهاب حسين متناقضا مع ما تتبناه من أفكار، حينما وصف تلك الخطوة بالنصر، وقال “ستقوم إسرائيل بفتح الحدود ولن تقتل مواطنينا مرة أخرى. سنعيش في وضع آمن وسالم”.

تم توقيع تلك الهدنة عقب خمسة أشهر من تولي الرئيس محمد مرسى زمام الأمور في مصر، لتعد دليلاً على فشل سلفه حسني مبارك في تحقيقها نظرًا لفتور علاقته بحركة حماس إلى حد كبير.

وأدت تلك الهدنة إلى ظهور بوادر حقيقية لقبول دولي واسع تجاه نظام الرئيس مرسي، وترك انطباعاً عميقاً لدى قوى الغرب حول قدرة مصر على الحفاظ على الاستقرار الإقليمى. ولكن في السياق نفسه، تسببت الاتفاقية ذاتها في إحداث قلاقل وتوترات في العلاقة مع حلفاء نظام مبارك التقليديين وفي مقدمتهم دول الخليج.

فيعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترغب في وجود كتلة من الحكومات السنية في منطقة شمال أفريقيا والهلال الخصيب عقب ثورات الربيع العربى لسببين، أولهم هو إقامة تكتل سني يواجه المد الشيعي الإيراني في المنطقة العربية، والثاني هو تحقيق المزيد من الضمانات الأمنية لحليفتها إسرائيل.

ولم تجد واشنطن سوى دعم جماعة الإخوان المسلمين والحركات التي خرجت من رحمها، بغرض مساعدتها على القيام بتلك المهمة كونها القوى السياسية الجاهزة على الأرض وقت اندلاع الثورات وخصوصاً في مصر، مع عدم النظر لبدائل أخرى سواها.

إلى ذلك، ترى إيمان حمدي، أستاذة السياسة فى الجامعة الأمريكية والخبير فى العلاقات المصرية الإسرائيلية، أن توسط مرسي للوصول لتلك الهدنة ما هو إلا بمثابة خطوة أولى نحو حل طال انتظاره من الجانب الإسرائيلى وتم التفاوض بشأنه مع الأمريكيين والمصريين.

وقالت حمدي “منذ عام 2007، ورئيس الوزراء الإسرائيلى الحالي، بنيامين نتنياهو، يتحدث عن ما يسمى بمشروع غزة الكبرى، تتضمن اقتطاع جزء من شمال سيناء، ليتم توسيع القطاع عن طريق إعادة رسم الحدود المصرية وحصول حماس على جزء من سيناء، وبالطبع اتفاق مثل هذا كان لابد له من طرف بداخل مصر يمهد لحدوثه وهو الإخوان المسلمين، وبالتالى يتم حل مشكلة إقامة الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية”.

و أضافت حمدى: “الهدنة التي تم توقيعها في نوفمبر الماضي كانت الخطوة الأولى تجاه هذا الترتيب، فخرج مسؤول إسرائيلي يقول إن بلاده أصبح لديها شريك يدعى محمد مرسي، لكن في النهاية القوات المسلحة كانت هى طرف المعضلة الخفي التى لم تلتفت له الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي كانت على الجانب الآخر تقوم بهدم الأنفاق بين مصر وغزة، وتحظر تملك الأجانب للأراضي في سيناء”.

لكن يبدو أن الرغبات الأمريكية اصطدمت بعوامل رئيسية في المنطقة، يرى المحللون أن الولايات المتحدة لم تضعها في حسبنها بالقدر الكافي، وكانت سببا رئيسيا في بداية التغيير الحالي لملامح السياسة الخارجية للمنطقة في الفترة المقبلة، أهمها أن دول الخليج، على رأسها السعودية والإمارات، لن تكون مرحبة بصعود جماعة الإخوان المسلمين للسلطة وهو ما اتضح في خضم السنة التي شهدت توترًا في العلاقات المشتركة وتحديداً بشكل مباشر بين مصر والإمارات، بعدما قامت السلطات الإماراتية باعتقال خلية إخوانية مصرية بتهم تتعلق بزعزة الإستقرار الداخلى وتكدير السلم العام.

وقال عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات والباحث في الشؤون الأمنية الخليجية ” دول الخليج وتحديدا السعودية والإمارات أنظمتها مستقرة وتمتلك الكثير من الإمكانيات الاقتصادية تجعلها بمنأى عن مواجهة أي احتجاجات شعبية، لكنها في الوقت نفسه رأت أن نظام الإخوان لن يحقق الاستقرار فى مصر فقررت تأييد أصوات المعارضة بشكل ضمني”.

وبصورة غير مفاجئة، لاقت تظاهرات 30 يونيو والتي أدت إلى الإطاحة بمرسي ونظامه من جانب الجيش، ترحيبًا واسعًا من قبل دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات اللتان تعارضا تغول النفوذ القطرى في المنطقة، خاصة بعد تأييده الواضح لنظام مرسي، و ما يأتى متزامننا مع عودة بروز الدور السعودي في المنطقة حينما قامت بدعم أحمد عاصي الجربا رئيسا للائتلاف الوطني السوري المعارض خلفا لمعاذ الخطيب صاحب الانتماءات الإخوانية.

ونشرت صحيفة “أرجومنتي أي فاكتي” الروسية تفاصيل عن لقاء جمع بين بندر بن سلطان، مدير جهاز المخابرات السعودية، والرئيس الروسي فلاديمر بوتين، مطلع أغسطس الماضي، وطلب فيه الأول من الثاني بصورة قاطعة دعم الجيش المصرى وحكومته الإنتقالية، فى مقابل اعتراف السعودية بفشل المليشيات المسلحة المناهضة لنظام بشار الأسد المدعوم من روسيا. وذكرت الصحيفة أن الدعوة لمساعدة مصر أصبح حافزا لكل من السعودية وروسيا، بغرض التصدى لقطر، كونها داعم آخر للمعارضة السورية.

وبينما كان الأمريكيون والقطريون يساندون جماعة الإخوان أثناء أزمة 30 يونيو، تداولت تقارير إعلامية أنباء عن تهديدات سعودية وإماراتية بسحب استثمارتهم من أمريكا وبريطانيا إذا لم يطالبا قطر بوقف دعمها لنظام الإخوان.

يضيف عبد الله “هذه هي مشكلة الولايات المتحدة فهي تنظر لمصالحها فقط دون أن تراعي التضاريس السياسة للمنطقة بأكملها، فصعود الإخوان له تكلفة خصوصاً بعدما ظنوا أنهم قادرين على إحداث تغيير ثوري في دول الخليج، لكن هذا أمر غاية فى الصعوبة لأن حكام الخليج ينتمون لأسر قديمة في المنطقة وقد عاصروا وقاوموا القومية العربية التي كان يحاول الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر فرضها في جميع الدول العربية وعارضوه وقتها ولم ينجح، ثم جاء الزحف الإيرانى على الخليج في الثمنينيات وهو لم ينجح أيضا في اختراق الخليج بأكمله إلى حد كبير”.

وفي الوقت نفسه، يرى طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن حركة حماس هي الخاسر الأكبر في هذا الصراع.

وقال فهمي “حماس تأثرت كثيرًا برحيل نظام الإخوان المسلمين عن القاهرة، فقد قررت تخفيف علاقتها مع إيران، حليفتها الأصلية، والتى كانت تدعمها بملايين الدولارات شهرياً، بغرض ضمان رضاء الولايات المتحدة، وهو ما تدفع ثمنه الآن بعد أن خسرت الطرفين، علاوة على أنها ستحاول الآن إبعاد شبهة علاقتها بجماعة الإخوان، خشية من تعرض الإدارة المصرية الحالية لضغوط دولية للاعتراف بالحركة كمنظمة إرهابية”.

ويشير فهمي إلى أن الحركة في مأزق آخر، يتمثل في العلاقة التنظيمية بين مصر و إسرائيل بخصوص فتح المعابر الحدودية التي تربط مصر بقطاع غزة خاصة بعد قيام الجيش المصرى بتدمير أكثر من 80% من الأنفاق، كونها البديل الثاني لتهريب السلع التجارية والغذائية من مصر لغزة.

و أضاف “تكلفة قيام حماس بتفادي قبضة السلطات المصرية على المعابر والأنفاق، قد تدفعهم إلى التوقف عن دعم الإخوان المباشر، وإذا لم يحدث هذا وظلت حماس تساند الجماعة، ستضغط مصر على الحركة، قد يشمل ذلك غلق كل المعابر من ناحية الحدود المصرية، وهو ما قد يسبب إحراجًا لإسرائيل ويدخلها في جدل حول فتح المعابر من ناحية حدودها مع غزة أم لا، وهو ما قد يؤثر على استمرار الهدنة بين الطرفين”.

ويبدو أن رحيل نظام مرسي أسهم بصورة كبيرة فى عودة تحالفات قديمة ارتبطت بنظام مبارك.

ظلت مصر تحت حكم مبارك حليفا إقليمياً هاما للسعودية والإمارات في تحالف سمي بـ”دول الاعتدال”، وكانوا داعمين للسلطة الفلسطينية في رام الله، فى مواجهة حركة حماس، ومن ورائها إيران وقطر في السنوات الأخيرة، وهو الوضع الذي انعكس تماما بعد صعود الإخوان للسلطة.

لكن بوادر عودة هذا التحالف مجدداً بدأت تظهر في أكثر من مبادرة خليجية تهدف لدعم قرار الجيش المصري بعزل مرسي. حيث أرسلت كل من السعودية والإمارات والكويت حزم مساعدات اقتصادية لمصر الشهر الماضي بقيمة 12 مليار دولار، نصفها منح والنصف الآخر قروض ميسرة دون فوائد بالإضافة إلى منتجات بترولية، علاوة على أن الملك عبد الله بن عبد العزيز كان أول المهنئين للرئيس المؤقت عدلي منصور، قبل حلفه اليمين القانونية.

ويرى فهمي أن تلك المبادرات ما هى إلا إشارات لعودة هذا التحالف مجددًا، لكن بغرض التصدي لملفات محددة.

يضيف فهمي “أتوقع إنشاء تحالف مصري سعودي إماراتي أردني هذه المرة، لأن تلك الدول يبدو و أن صدى سياسيتهم الداخلية ومواقفهم مع دول الجوار تبدو متطابقة، وبرز هذا من تغير شكل العلاقة المصرية الخليجية عقب رحيل مرسي، علاوة على أن الملك عبد الله، العاهل الأردنى، كان أول حاكم يزور مصر عقب ثورة 30 يونيو”.

و يؤكد فهمي أن هناك أربعة ملفات رئيسة ستجتمع عليها تلك الدول، ألا وهى الأمن القومى للخليج، منع صعود الإخوان المسلمين للسلطة مجددا ومساندة معارضيهم في الدول التي يحكموها، و احتواء الدور الإيراني، وتقويض الدور التركى الذي برز تأييده الواضح لنظام مرسي بسبب انتماء القيادة السياسية في كلا البلدين إلى التيار الإسلامي.

و أضاف فهمي “هذا سيحدث فى الشهور القليلة المقبلة، لأن مصر لم تبنِ تحالفات قوية مع من حولها في فترة حكم مرسي، فلا يمكن اعتبار أن مصر أعادت العلاقات الديبلوماسية مع إيران بصورة عميقة على الرغم من زيارة مرسي لطهران وزيارة أحمدي نجاد، الرئيس الإيرانى السابق، إلى القاهرة، ولا يمكننا أيضاً أن نقول بأن العلاقات المصرية التركية تخطت مستوى التعاطف المنهجي وخوف القيادة التركية من تكرر سيناريو رحيل النظام مثلما حدث في مصر، لذلك ستعود الدبلوماسية مثلما كان الحال عليه قبل ثورة 25 يناير”.

ومع عودة مصر لتحالفات دولة مبارك مع دول الخليج، فيبقى أن نرى إلى أي مدى سيتسبب هذا الأمر في إرباك التطلعات الأمريكية والقطرية في المنطقة بعد سقوط الإخوان المسلمين في مصر، خاصة وأن هذه القوى المتنازعة لديها تأثير في الملفين السوري و الفلسطيني.

اعلان