Define your generation here. Generation What
صراع المساجد
 
 

 

مرة أخرى، تعود المساجد لتكون ساحة للصراع السياسي بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، ولكن هذه المرة بعد خَلْع الرئيس السابق محمد مرسي بقرار من القوات المسلحة في الثالث من يوليو الماضي.

اتخذ محمد مختار، وزير الأوقاف، قراراً وصفه بـ”غير التقليدي في تاريخ الوزارة” بإنهاء التعاقد مع 55 ألفا من الأئمة العاملين بنظام المكافأة من غير الأزهريين. كما قرر مختار منع إقامة شعائر صلاة الجمعة في الزوايا التي تصل مساحتها لأقل من 80 متراً.

هؤلاء الأئمة -طبقا لما أكده مختار في مؤتمر صحفي في وقت سابق- لهم انحيازات سياسية داعية للعنف والطائفية وتستخدم المساجد، وخاصة أثناء إقامة شعائر صلاة الجمعة، لِبثِّ الفتنة الطائفية والتشدد الديني لصالح جماعات الإسلام السياسي.

وأضاف مختار أن هؤلاء الأئمة “لا يمثلون التيار الوسطي الجامع الذي يمثل الأزهر”.

ويؤكد الكثيرون من معارضي تلك القرارات أن المساجد ستكون حلبة الصراع القادمة بين جماعة الإخوان المسلمين المغدورة وبين النظام الحاكم الذي يعمل على تقييد كل أدوات التأثير والانتشار التي تملكها الجماعة.

كانت السيطرة على وزارة الأوقاف وخطابها الديني لصالح جماعة الإخوان المسلمين أحد أهم الانتقادات الموجهة للرئيس المعزول، حيث سيطرت قيادات دينية إخوانية على كل المناصب الهامة داخل الوزارة، وعملت على تطويع بنية تشريعية ودعوية خادمة لتوجهات الإخوان داخل المساجد والزوايا. كما تم اتهام الجماعة أيضا باستخدام خطاب ديني تحريضي ضد خصومها السياسيين واستخدام المساجد لدعوة المصلين لانتخاب مرشحيها في الإنتخابات.

في الشهور الأخيرة قبيل عزل مرسي كانت المصادمات بين المصلين والأئمة المؤيدين لنظام الإخوان هي العنوان الرئيسي داخل المساجد في أنحاء البلاد، حيث دائما ما يتصدى مصلون معارضون لحكم الإخوان لاتهامات من الأئمة لمعارضي الرئيس المخلوع بالكفر وعداء الإسلام.

و أكد أحمد البهي، المنسق العام لائتلاف أئمة بلا قيود، لمدى مصر أن قرارات وزارة الأوقاف خطوة جيدة على الطريق الصحيح، مضيفاً أن المشهد داخل الجوامع والزوايا كان “مُزريا وفوضويا”.

وصرح البهي ،المؤسس للائتلاف إبان حكم مرسي  للدعوة لاستقلال الأئمة ومواجهة محاولات الإخوان لأخونة الخطاب الديني والسيطرة على وزارة الأوقاف، أنه هناك “حاجة ماسة لتطهير الخطاب الديني في مصر، حيث رأى الجميع كيف من الممكن أن يقود خطاب ديني وسياسي طائفي البلاد إلى حافة الحرب الأهلية”.

ودعا البهي وزارة الأوقاف لوضع أسس واضحة لاختيار الأئمة الجدد الذين سيتم تعيينهم بدلا من الأئمة المفصولين، مؤكداً على ضرورة عدم التعسف في فصل الأئمة.

و فى المقابل، أدان تحالف “دعاة ضد الانقلاب” المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، قرارات وزارة الأوقاف واصفا إياها بـ”بداية الحرب الممنهجة على الإسلام ورموزه وشعائره من العلماء والمساجد وصلاة الجمعة، فهذه الممارسات لم تحدث في تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي”.

ووصف الدعاة في بيانهم الأئمة المفصولين بـ “المتطوعين الحافظين للقرآن المبلِّغين عن الله”.

لكن قرارات مختار أيضا أثارت مخاوف عدة من سيطرة الدولة مرة أخرى على الخطاب الديني، مما قد يهدد حرية الاعتقاد. ويؤكد مراقبين أن الخطاب الديني في مصر قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير كان محل سيطرة الدولة من خلال الأجهزة الأمنية وخاصة جهاز أمن الدولة العتيد الذي كان مسيطراً على عملية اختيار الأئمة بنظام المكافأة، حيث كان يجري اختيارهم بما يتناسب مع الخطاب الرسمي للدولة المتجنِّب لأي انتقادات لنظام مبارك آنذاك.

إلا أن البهي أكد أنه لا عودة للوراء فيما يخص الخطاب الديني بعد الثورة، و قال”الأئمة، والمصريون أنفسهم لن يسمحوا بفرض أي خطاب مؤيد للدولة أو للنظام الحاكم بعد ذلك. الشعب الآن أكثر وعياً لهؤلاء الأئمة المؤيدين للدولة ولن يسمح لهم بتلك الممارسات”.

إلا أن عمرو عزت، الباحث بقسم الحريات الدينية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يؤكد لمدى مصر أن موقف الدولة تجاه تعيين الأئمة تغير تغييراً جذريا بعد الثورة. و قال” تم فتح الباب واسعا أمام الأئمة المنتمين للإخوان والتيار السلفي لإقامة شعائر صلاة الجمعة والسيطرة على المساجد، وبذلك تم تمكينهم من أداة قوية للسيطرة على الخطاب الديني في مصر بشكل موسع”.

ولا يتوقع عزت أن يتم تطبيق القرارات الجديدة بشكل جدي، بل سيتم استخدام هذه القرارات كوسيلة لإسكات أي أصوات دعوية مناهضة للنظام الحاكم، حيث سيتم استخدامها فى “لعبة الصراع على السلطة بين النظام الحاكم والإخوان حيث يعلم النظام جيدا مدى قوة التأثير التي تمتع بها الإخوان داخل المساجد وسيعمل جيدا على تقييدها من خلال هذه القرارات”.

لكن يرى بهي في المقابل أن هذه القرارات هي الحل الأمثل والوحيد لتجنب انتشار خطاب ديني تحريضي وطائفي قد يدفع البلاد لمنزلق خطير.

 و تعد مأساة مقتل أربعة من الشيعة في قرية زاوية أبو مسلم في مايو الماضى مثالاً حياً لكيفية استخدام الخطاب التحريضي داخل المساجد ضد الأقليات الدينية بما يؤدي لإشعال فتن طائفية.

اتهم الكثيرون الخطاب الديني المتشدد ضد الشيعة داخل المساجد كسبباً رئيسياً للمذبحة، حيث تزامن هذا الخطاب مع خطاب تحريضي، قادته الدولة نفسها إبان حكم مرسي، ضد الشيعة حينما نظمت جماعة الإخوان المسلمين احتفالية كبرى لنصرة الثورة السورية حضرها الرئيس المعزول وتحدث فيها كبار مشايخ السلفية والإخوان عن خطر “المد الشيعي”.

ويشير البهي إلى الحادثة المؤسفة مؤكدا أن البلاد لا يمكن أن تشهد مثل هذه الأحداث المروعة مرة أخرى.

إلا أن عزت يؤكد أن هذه الحادثة بالذات تمثل تحديا صارخا للخطاب السائد الذي يروج لوسطية الأزهر. و قال “المسجد الذي تم التحريض منه ضد الشيعة هو مسجد تابع لوزارة الأوقاف، والإمام المحرض هو إمام معين من وزارة الأوقاف وخريج جامعة الأزهر ولا يتبع الإخوان أو السلفيين”.

و أضاف عزت “المشكلة تتخطى الخطاب المتشدد للإخوان والسلفيين إلى الخطاب الديني الذي يتبناه الأزهر نفسه فالدولة غير معنِيَّة بمكافحة التشدد الديني لأن خطاب الإخوان لا يختلف كثيرا عن خطاب الأزهر في هذا المجال. الأهم هو سيطرة الدولة على الخطاب الديني لخدمة أغراضها السياسية”.

ويؤكد عزت أن استمرار الدولة في السيطرة على الخطاب الديني بدلاً من المجتمع بشكل عام سيؤجج الصراع اللامتناهي بين الدولة والمؤسسات الدينية.

وبعيداً عن السياسة، فإن قدرة الدولة على تنفيذ مثل هذه القرارات هي أيضاً محل شكوك، حيث يرى عزت صعوبة تطبيق مثل هذه القرارات في ظل وجود مئات الآلاف من المساجد والزوايا المنتشرة بالجمهورية.

 و قال عزت “لدينا أكثر من 110 ألف مسجد على مستوى الجمهورية والكثير منها غير مسجل لدى وزارة الأوقاف، ومن الصعب جدا منع الناس من الصلاة في الزوايا والأصعب هو منع الأئمة من العمل في هذه المساجد”.

ويؤكد البهي أن المهمة صعبة، إلا أنه هناك حاجة ملحة لتعاون المصلين مع الدولة لتنفيذ القرارات.

هناك مشاكل أخرى متعلقة باحتمالية النقص الشديد في أعداد الأئمة داخل المساجد بعد فصل هذا العدد الكبير من الأئمة.

لكن مختار أكد أنه سيتم التعامل مع هذا النقص لأنه من منطلق الشريعة الإسلامية، فإنه لا يجوز أن ينتشر المصلون في عدة زوايا في الشارع الواحد ويتركون المسجد الجامع، وبالتالي فعند امتلاء المساجد الجامعة بالمصلين فلن تكون هناك حاجة إلى هؤلاء الأئمة، كما أن الوزارة ستعوض هذا النقص بتعيين شباب الخريجين من جامعة الأزهر بدلاً من الأئمة المفصولين.

ويؤكد مختار أن هذه الإجراءات ستفتح الباب واسعاً أمام 53 ألفا من الأئمة الأزهريين الذين يستحقون قيادة الخطاب الديني في مصر عن جدارة.

 

اعلان
 
 
مي شمس الدين