Define your generation here. Generation What
ماذا لو استمع جورج أورويل لنماذج من موسيقى مصر القومية؟
 
 

 

مبادئ القومية لسيت جديدة فى السياق السياسي و المجتمعي المصري، لكن ظهورها مجددا على الساحة الثقافية بعد اختفائها منذ نهاية حقبة الستينيات، كان سيدفع الكاتب الإنجليزى جورج أورويل للشعور بالقلق لو كان على قيد الحياة.

فيرى أورويل أن القومية من ألد أعداء السلام، و قد توصل لتلك النظرية فى خضم سنوات الحرب العالمية الثانية عندما برزت الأفكار القومية فى أوروبا لنازية هتلر فى ألمانيا، فاشية موسيليننى فى إيطاليا، و وحشية ستالين فى الإتحاد السوفيتي.

و لخّص أورويل تعريف القومية فى فكرة تحديد شخص واحد علاقته بأمة بأكملها و وضع قواعد الخير و الشر على أساسها، و عدم الإعتراف بأي واجبات أخرى سوى مصالح تلك العلاقة. بينما يرى أورويل أن حب الوطن و الانتماء الحقيقى إليه يتجسد فى فكرة التفاني و الانتماء لثقافة تعايشه، و تكمن طبيعته الأصلية فى الدفاع عن تراثه الثقافى و أمنه، لكن مبادئ القومية مختلفة و غير منفصلة عن الرغبة فى السلطة.

وغالباً ما كانت تستخدم أجهزة الإعلام و وسائط الإنتاج الثقافي المملوكة للدولة كوسائل لتحويل الوطنية إلى قومية شرسة، لكى تطفو على السطح و يتم استخدمها عندما تمر الدولة نفسها بأزمة سياسية. و قد نشأت و تبلورت تلك النظرية فى تاريخ الموسيقى المصرية المعاصر بشكل واضح.

و تعد أغنية “تسلم الأيادي” للشاعر و المغنى مصطفى كامل، من أقرب الأمثلة المنتشرة مؤخرا و التى ترسخ  لفكرة إدماج القومية فى الموسيقى المصرية فى إطار أغنية تهدف تأييد الجيش المصرى عقب مساهمته فى الإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسي.

 و يتردد أن الأغنية التى تطول مدتها إلى ثمانية دقائق و يشارك كامل الغناء فيها مجموعة من النجوم مثل حكيم، هشام عباس، إيهاب توفيق و غادة رجب، أنها أوبريت غنائي، لكن فى الواقع ما هى إلا مأساة موسيقية بسبب إنتاجها الضعيف و الباهت.

فتسببت الطريقة غير الحرفية فى إنتاج الأغنية فضلا عن كلماتها الهشة و لحنها المقتبس فى إثارة انتباه الوسط الموسيقي فى مصر، خصوصا و أن كامل هو نقيب الموسيقيين، و دفعت الكثيرين للتساؤل ما إذا كان مفهوم القومية الصارخ الموجود بمضمون الأغنية سيكون بمثابة مؤشراً على توجه ضمنى جديد للنقابة بسبب وجود كامل على رأسها.

و يرى الملحن و قائد الأوركسترا أحمد الحناوى، أن الأغنية ما هى إلا إنتاج فنى ركيك.

و قال الحناوى “أولاً، من الخطأ أن يقوم الناس بتصنيف تسلم الأيادى على إنها أوبريت لأنها تحديدا ليست كذلك، و هذا يعكس حالة من الغياب الكامل للوعي الثقافي”.

و أضاف “عادةً يتكون الأوبريت من فكرة مشهد مسرحي رومانسي يتضمن غناء و رقص من بدايته إلى نهايته و يحتوى على قصة و شخصيات. فيمكننا أن نصف بعض أعمال سيد درويش مثل العشرة الطيبة و البروكة على إنها أوبريت”.

إلى ذلك، يستنتج الحناوى أن “تسلم الأيادي” ليست أي شئ من هذا القبيل، مشيرا إلى أن الأغنية مقتبسة من لحن أغنية المطربة شريفة فاضل “و الله لسه بدرى يا شهر الصيام”.

و يؤكد محمد قنديل، رسام الكاريكاتور السياسى لدى موقع مدى مصر، على قيام كامل بصورة واضحة بإستبدال الجزء الرئيسي فى أغنية شريفة فاضل و هو “تم البدر بدري و الأيام بتجري” بـ”تسلم الأيادى تسلم يا جيش بلادى”.

لكن يرى محمد أشرف، سائق تاكسى فى القاهرة، أن أهمية الأغنية نفسها تكمن فى أنها تذكر الناس بدور الجيش فى المشهد المصري الذى يمر بحالة من الاستقطاب.

و قال أشرف ” تلك الأغنية تظهر أن مصر مازالت هي أم الدنيا، و أن الشعب يحب و يؤيِّد جيشه. فمن المهم أن يتم إنتاج مثل هذا النوع من الأغانى لتوحيد الناس و تحقيق الأمن و إدخال الخوف فى قلوب أعدائنا”.

هنا، لا يمكننا القول أن الأغانى القومية غير شائعة فى تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة.

فمنذ ثورة الجيش عام 1952 على الحكم الملكي، قامت الدولة بإستخدام الأفلام و الموسيقى و غيرها من أشكال التعبير الفني بصورة مستمرة بغرض دفع الأيدولوجيّات القومية بصورة صارخة مصحوبة بسرد احتفالي كبير عن الجيش المصرى.

 و فى أعقاب نكسة عام 1967، وقف الإنتاج الموسيقى مهتزاً على خط ضبابى ما بين تقديم عمل فنى قوى يهدف لنشر الوعي السياسي و بين عمل آخر يأخذ الطابع الجاذب و الملهب للأحاسيس فى شكله و لكن دعائي فى مضمونه.

فعلى سبيل المثال، قدم عبد الحليم حافظ مجموعة أغاني عقب هزيمة 1967 مثل ” ولا يهمك ياريس” و “أحلف”، و التى هدفت إلى تعزيز شعور إدراج خليط من القومية و الوطنية جنبا إلى جنب. و فى خلال مشواره الفنى قام عبد الحليم بتقديم قرابة 56 أغنية وطنية؛ الكثير منهم مازالوا منتشرين على الساحة حتى الآن.

و كان من المعروف تأييد أم كلثوم العلنى لنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حيث قامت بعد هزيمة 1967 بجولة غنائية لمدة أربع سنوات في جميع أنحاء العالم العربي لجمع الأموال لإعادة بناء الجيش المصري.

و كان الرئيس عبد الناصر قد أمر كل من عبد الحليم و الموسيقار محمد عبد الوهاب و المطربة وردة الجزائرية و كوكبة من نجوم المنطقة العربية بالتعاون و العمل على إنتاج عمل غنائى مطول يجمعهم جميعاً إلى أن خرجوا بأغنية “الوطن الأكبر”، و الى تُعد من أشهر أغاني القومية العربية و التى كانت تهدف  في غرس الوحدة والحفاظ على الروح المعنوية لدى الشعوب العربية.

 و بعد بضعة عقود، ظهرت أغنية “اخترناه” و التى تحمل ذكرى مؤلمة لكثير من المصريين وقتها عقب محاولة اغتيال فاشلة للرئيس الأسبق فى إثيويبا، أوائل التسعينيات.

 من ألحان الموسيقار الراحل عمار الشريعى، و غناء كل من محمد العزبى، هدى عمار، نادية مصطفى، لطيفة و آخرين، جاء عرض الأغنية على خشبة المسرح فى شكل غلب عليه الارتباك و الحركة غير المنظمة.

و تأتى الأغنية فى خضم بداية انتشار موسيقى البوب فى مصر بنهاية الثمنينيات و إنطلاقتها القوية فى أوائل التسعينيات، و كانت تتسخدم أحيانا كشكل من أشكال الدعاية كلما اقترب مبارك من استفتاء على إعادة إنتخابه رئيسا للبلاد.

لكن نغمة “اخترناه” تعتبر أقل عسكرية مقارنةً بما سبقوها. فهي تعتمد بشكل أكبر على اللحن الجاذب للأذن و المذهب الثابت فى ذاكرة المستمع. و على الرغم من أن كل من “تسلم الأيادى” و “الوطن الأكبر” يوجد بهم قدر كبير من التكرار لكنهم أكثر تأثراً بعرض تاريخ المؤسسة العسكرية و هو ما يتضح فى الصورة و الرنين الموسيقى الخاص بهما.

فـتبدأ “الوطن الأكبر” بصف لمجموعة من الشباب يضربون على الدرامز كأنهم يدقون طبول الحرب، بينما تظهر مجموعة أخرى من الرجال فى صورة فرقة كورال تغني فى شكل الهتاف ثم يظهر عبد الحليم فى الخلفية بصوت رحيق ووجه ملائكى.

وعلى الرغم من وجود نفس الروح البطولية بـ”تسلم الأيادى”، إلا أن خصاصئها الفنية أقل من “الوطن الأكبر”. فبدلاً من عرضها و تنفيذها على مسرح، جاء الفيديو كليب الخاص بها مكون من لقطات ممنتجة خاصة بالقوات المسلحة فى صورة مشاهد مقطعة. وتدور لقطات الكليب بين تدريبات عسكرية للجنود و لإمكانيات الجيش و بين لقطات خاصة بكل مطرب شارك فى غناء تلك الأغنية و هو يغنى الجزء الخاص به.

 و يرى الموسيقى عمر فودة أن كل من الكليب و موسيقى الأغنية مبتذلُيْن للغاية. و قال “يمكننا الجزم بأنه لم يتم بذل أي مجهود فى إنتاج أو تأليف الأغنية، فالفكرة هنا اعتمدت على المجئ بمجموعة من الموسيقيين المشهورين يغنون عن عظمة الجيش و قدراته، فإن لم تكن هذة بروباجاندا و دعاية، فلا أعرف مسمى آخر لها”. 

و تعد أغنية “رسالة من أطفال مصر إلى العالم كله” مثال آخر للأغاني الداعية للأفكار القومية بعد أن تم عرضها العام الماضى. فالكليب المكون مدته من ثلاثة دقائق للأغنية لملحنها عمرو مصطفى و مؤلفها تامر حسين، يظهر فيها مجموعة من أطفال المدرسة فى زى عسكرى، يحيون علم مصر و مشهرين بندقية آلية. و على الرغم  من أن الأغنية جاذبة إلى حد كبير، إلا أن مشاهد الأطفال بالسلاح مزعجة للغاية.

و يرى فودة أن تلك الأعمال تثير القلق من وجهة نظره. و قال ” إنتشار القومية يسبب الخوف و الكراهية بين الناس، فهى تخلق عدواً من الممكن أن تتحد الناس ضده و نتائجها دائما تكون سلبية”.

و بالعودة للنظر فى تاريخ النازية، التروتسكية، الصهيونية و الشيوعية، فالقومية تبدو و أنها تمهيد محتمل لحفر جذور أبدية للفاشية الدينية أو العسكرية. و لو نظرنا مجدداً لتعريف أورويل للقومية ضد الوطنية فالأخيرة قد تكون أنسب لعمل فنى غئائى و راقص على صعيد الإنتاج الموسيقى و القبول المجتمعي معاً.  

اعلان