«بدر 3».. حيث يواجه السجناء الموت البطيء
 
 

في الخامس من يوليو الجاري، سلّم القيادي في جماعة الإخوان المسلمين ونائب محافظ الإسكندرية الأسبق، حسن البرنس، المحبوس منذ 12 عامًا، رسالةً خطّها على منديل ورقي بعنوان «وصيتي من عنبر الموت»، إلى أحد الأشخاص الذين صادفهم في أثناء نقله من القطاع 2 بسجن بدر 3 إلى قاعة محكمة جنايات القاهرة، داخل مجمع محاكم بدر.

لم تكن الرسالة سوى بداية لفعل احتجاجي لاختراق القضبان، حيث طلب البرنس الكلمة من رئيس الجلسة، محمد السعيد الشربيني، ليتحدث من داخل قفص الاتهام عن ما وصفه بـ«الموت البطيء» الذي يتعرض له وزملاؤه في «أسوأ سجن بالعالم»، حسب وصفه، منذ نقلهم إلى «بدر» في أغسطس 2022. ووفقًا لمدير منظمة «حقهم» للدفاع عن سجناء الرأي، مسعد البربري، فإن السجناء محرومون من أشعة الشمس والزيارة والحد الأدنى من حقوقهم.

إلى جانب البرنس، أدلى وزير القوى العاملة الأسبق خالد الأزهري، والبرلماني السابق أحمد أبو بركة، بشهاداتهما أمام المحكمة، وناشدا القاضي التدخل لإنقاذهما مما وصفاه بـ«حياة القبور». قال الأزهري: «إحنا مش بنشوف شمس ولا نور، ولا بنخرج من الزنازين.. لما أوصل وأنا في السن ده إني أقطع شراييني، ده عشان مش قادر أتحمل».

خلال الجلسة، طلب الأزهري من القاضي إثبات حالته الصحية، وقياس نسبة السكر وضغط الدم، لتوثيق إضرابه، وكذلك وجود جرح قطعي في يده نتيجة محاولة انتحار. كما طالب البرنس بالأمر ذاته، موضحًا لرئيس المحكمة أنه مضرب عن الطعام منذ أكثر من أسبوعين، وأن هناك 15 حالة انتحار داخل السجن. وكذلك طالب المعتقلون الآخرون الحاضرون في الجلسة بإثبات إضرابهم، والتدخل لوقف التنكيل بهم. 

رغم تلك النداءات، تجاهل القاضي جميع الطلبات، وجدد حبس المعتقلين، بحسب البربري. 

في تطور لاحق، شهدت الجلسة التالية، 12 يوليو الجاري، محاولة انتحار السجين رضا أبو الغيط المحتجز في السجن نفسه داخل قفص المحكمة، على مرأى من القاضي والمحامين وأهالي المعتقلين وكل من حضر الجلسة.

وفي 22 يوليو الجاري، نشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لأشخاص خارج البلاد، مناشدة للأمين العام للأمم المتحدة، نُسبت إلى سبعة من قيادات جماعة الإخوان المحتجزين في السجن نفسه، بينهم نجل الرئيس الأسبق محمد مرسي، ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية في عهده السفير رفاعة الطهطاوي، طالبوا فيها بالتدخل لرفع الظلم عنهم وتحسين ظروف احتجازهم.

ما وثق في هذه المحاكم والمناشدات والرسائل المهربة في الفترة الأخيرة ما هو إلا تكثيف لما يتعرض له السجناء في سجن بدر 3، والذي لا يعرف إلا القليل عنه بسبب عزلة السجناء فيه. 

وأوضح البربري أن مجموعة من سجناء قطاع 2 بسجن بدر 3 بدأوا إضرابًا عن الطعام في 20 يونيو الماضي، للمطالبة بحقوقهم الأساسية مثل: التريض، والزيارات، وإدخال الطعام من ذويهم، وأداء صلاة الجمعة، وسماع الراديو أو قراءة الجرائد. بدأ الإضراب بعدد محدود، وتوسع تدريجيًا، ليبلغ عدد المضربين عن الطعام كليًا 35 من أصل 58 سجينًا في القطاع بحلول 24 يوليو، فيما يخوض آخرون إضرابًا جزئيًا. 

«ليس الجميع مضربًا بنفس الدرجة، أحد السجناء، رجل مسن ومريض، مجرد امتناعه عن عنصر معين في الطعام يؤثر مباشرة على ضغطه وسكره. بينما سجين آخر، أصغر سنًا، مضرب كليًا عن الطعام لكنه يشرب الماء. وثالث مضرب لكنه يتناول من وقت إلى آخر قليلًا من الملح أو السكر تحت لسانه»، يضيف البربري. 

عندما زار مساعد وزير الداخلية لشؤون السجون، السجن في أواخر يونيو، لمطالبة السجناء بإنهاء الإضراب، طالبوه بحقهم في الزيارة، لكنه رد عليهم قائلًا: «أنا والوزير معايا آخرنا ندخّلكم طلبية أدوية وشوية أكل، لكن أكتر من كده مقدرش أعملكم حاجة»، بحسب البربري.

«ومن ضمن محاولات إدارة سجن بدر 3 لعزل معتقلي قطاع 2 عن باقي نزلاء السجن ومنع تسريب أي أخبار عن الإضراب، نقلوا خلال النصف الثاني من شهر يوليو عددًا من المستلزمات الطبية مثل: الأسرّة، وأجهزة قياس الضغط والسكر، والمحاليل، من مستشفى السجن إلى داخل القطاع نفسه. الهدف إنهم يتعاملوا مع حالات الإغماء داخليًا، وما يحتاجوش ينقلوا المعتقلين للمستشفى، عشان محدش من القطاعات التانية يشوفهم»، يضيف البربري. «الداخلية عارفة كويس إن لو سجين اتنقل للمستشفى، هيقابل ناس من قطاعات تانية، ممكن يكونوا بيزوروا أو محبوسين مؤقتًا، فهيسلمهم رسالة».

ويواصل البربري: «لما الإضراب استمر، الإدارة ردت بإجراءات عقابية جماعية: قفلت مجاري الصرف الصحي جوه القطاع، فانتشرت الروائح الكريهة، والبعوض، والصراصير. قطعت المياه إلا ساعة واحدة في عزّ الشمس، والمياه وقتها بتكون سخنة جدًا. وفضلوا يجردوا الزنازين، ياخدوا كل حاجة، حتى المصاحف. كمان هددوا المعتقلين في باقي القطاعات: اللي يتضامن مع قطاع 2، هيتنقل معاهم».

في المقابل، نفت وزارة الداخلية بشكل متكرر وجود أي انتهاكات أو إضرابات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل ومنهم بدر 3، ووصفت التقارير الحقوقية التي رصدت إضرابات عن الطعام من السجناء ومحاولات انتحار محتجزين في السجن نفسه بـ«ادعاءات زائفة» تصدر عن «الأبواق الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية»، مؤكدة التزامها بـ«أعلى المعايير الدولية» في رعاية السجناء.

من جانبه، يقول المحامي خالد علي إن الإضراب داخل السجون عادة ما يُقابَل بالتفاوض، مشيرًا إلى أن زيادة عدد المضربين تدفع إدارة السجن إلى التواصل معهم والاستماع إلى شكواهم والعمل على إيجاد حلول، وهو أمر متعارف عليه في مختلف السجون عبر العصور.

«في نقطة لازم تبقي واضحة: النظام مش عايز يوصّل الأمور لحد الموت»، يقول البربري، مضيفًا: «أنا اتسجنت في عهد مبارك، وكان فيه فهم مختلف. كان في سقف للتصعيد. في نقطة معينة بيتدخل فيها علشان يهدّي الأمور. ما كانش بيحب يوصل الأمور للانفجار. يعني، في الآخر، كان حريص يسيب مساحة للتنفس، يعرف إمتى يتراجع خطوة. إنما الوضع دلوقتي غريب.. كأن في ناس عندها تفويض بالتنكيل المفتوح، من غير حسيب ولا رقيب، ودي حاجة مقلقة جدًا. لكن رغم كده، أظن لسه في شعرة معاوية موجودة. لسه في ناس عاقلة داخل المنظومة -حتى لو قِلّة- ممكن تحاول توازن الأمور. غالبًا هنشوف نوع من الترضية، حل وسط.. مش انفراجة كاملة، بس حاجة تهدّي الموقف». 

يُذكر أن مركز الإصلاح والتأهيل المعروف بـ«سجن بدر» أنشئ بقرار من وزير الداخلية في 15 ديسمبر 2021، وافتتح في نهاية الشهر نفسه، وقسم إلى ثلاثة سجون: الأول «بدر1» وخُصص للسجناء السياسيين والجنائيين، و«بدر 2» للسيدات، و«بدر 3» للسياسيين الإسلاميين.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن