عبّاس بيضون في القاهرة: شاعر وروائي وبينهما كاتب صحفي
 
 

«ليس الشعر وحده الذي يُبنى داخل اللغة، تفعل الرواية ذلك وإن لم تخلص له ولا تقوم بكليتها عليه.»

هذا ما قاله الشاعر اللبناني عباس بيضون في الأمسية التي أقامتها  له «ورشة النظرية والتطبيق» بالتعاون مع «البرنامج الثقافي العربي» بقسم «الحضارات العربية والإسلامية»، يوم الثلاثاء الماضي بمقر الجامعة الأمريكية في وسط البلد، تحت عنوان «الشاعر روائيًا».

قبل انعقاد هذه الأمسية بأيام قليلة، كان بيضون قد حاز على جائزة الشيخ زايد عن روايته الأخيرة «خريف البراءة»، والصادرة عام 2016. بعد أن عُرف بيضون مطولًا كشاعر، أصدر روايته الأولى، ثم الثانية، وحتى الخامسة، التي فاز بجائزة الشيخ زايد عنها. وقد يكون هذا ما رفع توقعات الحضور، من قراء ومهتمين وأصدقاء له، بخصوص ما سيقوله الروائيّ فيه، أكثر من الشاعر.

اللغة شيء كاللحم والعظم والجلد، شيء بيولوجي وغير بيولوجي. إنها كيان عضويّ لا يحتاج فقط إلى نطق ولسان، بل إلى جسد وإلى حياة

في سياق عنوان «الشاعر روائيًا»، فتجربة عبّاس بيضون هي إحدى التجارب المميزة عربيًا، خاصة لأنه من القلة القليلة التي لا تزال تحاول، وبعد الدخول بتجربة الكتابة الروائية، عدم التخلي نهائيًا عن الشعر، وفي نفس الوقت تجتهد كي لا تؤطر سردها الروائي بمنطق الشعر أو استعاراته أو مجازاته.

الميلاد

صحيح أن الشعر والرواية كانا هما ركيزتي كلمته، إلا أن الكلمة توسعت لتصبح عن تجربته ككل، مع ملامح من سيرته الحياتية والشعرية والسياسية. بدأ الشاعر الكلام من مولده: «يقول البعض إنهم ولدوا شعراء. لست من هؤلاء فأنا لا أدري فيم ولدت، وفيم كانت لي هذه الهيئة وذلك الطبع وهذه الصفات. لم أولد شاعرًا، فليس في أسرتي أي شاعر ليورثني الشعر. أحسب أنني صادفت الشعر وأنه عُرض لي. »

قد تربك هذه الافتتاحية المستمع، وقد تطرح سؤالًا بديهيًا، وهو: «هل يُورَّث الشعر؟» إلا أن بيضون سرعان ما يوسّع مفهومه هذا بقوله: «لو صحّت الحكاية لولد الناس جميعهم شعراء، فلهم جميعًا قلوب وأمزجة وشغف وأخيلة. لو صحّت لفُطر الناس على الشعر ولكان التوقيع والترجيع والنظم من أعراض الطفولة أو الشباب».

بعدها يظهر واضحًا وجليًا من كلام عبّاس، أن الرابط الجذري التي تدور حوله تجربته في الشعر والرواية، هو اللغة وأثرها عليه. يقول: «اللغة شيء كاللحم والعظم والجلد، شيء بيولوجي وغير بيولوجي. إنها كيان عضويّ لا يحتاج فقط إلى نطق ولسان، بل يحتاج إلى جسد وإلى حياة. »

الطفولة

يعود بيضون باللغة إلى طفولته، التي قضاها في بيت تقال اللغة فيه بالفصحى كما بالعامية، ببلاغة وبدون بلاغة. قضى طفولته يسبح فوق الكلام ويسرح فيه، بحد تعبيره، ويزاوج بين لهجة عراقية وأخرى بلدية، وبين فصاحة لا لكنة فيها ولا لهجة، وإنما شيء فوق الكلام، وكأنه ليس من الكلام.

لا يستكين بيضون لجمود اللغة، ولا لأنماط من الكلام قد يقيدها أو يضيّق أُفقها. بمعنى أدق، فإن شكوكه حول اللغة وعدم يقينه فيما يستقبله منها، قد يكون هو ما يُفسّر مرونة تعامله معها، هذه المرونة التي تجعله لا يتوقف عن التنقل بين أكثر من جنس أدبي.

قال حسن داوود: «فيه صديق مشترك لإلنا كان يقلّي دايمًا إنه ‘أنا ما بعرف واحد بيعرف يحكي متل عباس’.»

خلال كلامه عن اللغة، لم يتوقف بيضون عن الإشارة لـ«الكلام»، وكأن الكلام، بارتباطه بالصوت وبالمنطوق، يشكل خيطًا أساسيًا يربط اللغة بالكتابة. يقول: «لم أنتبه إلى أن الكلام ينمو فيَّ نمو خلاياي وشراييني ومسامي. أنه يقوم مقامَ جلدي ولحمي وعظامي. لم أنتبه لذلك إلا حين أدرك من حولي أنني أملك لغة كاملة. وأنني أعرف كيف أصرّفها، وأن تحيا على يديّ وتتخلق وأنا ألعب بها بمهارة. »

أدرك ذلك الكبار لا الصغار من حول عباس، يضيف، فصار رفيقًا للكبار يتكلم مثلهم ويحدثهم بلغتهم، وكانت العاقبة أنه خسر طفولته واستعاض عنها بكلام جعله كبيرًا قبل أن يكون له عمر الكبار، وجعل له سنًّا هو سنّ كلامه لا سنّه الحقيقي: «فكأن الكلام صار هكذا جلدي وسحنتي وكأنني صرت أملك جسدًا من كلام. »

في لقاء تليفزيوني أجري مع عباس بيضون، كانت هناك مداخلة من صديقه الكاتب الروائي حسن داوود، وكشف فيه جانبًا دالًا في هذا السياق، وهو كيف يحكي عباس.

قال داوود: «فيه صديق مشترك لإلنا كان يقلّي دايمًا إنه ‘أنا ما بعرف واحد بيعرف يحكي متل عباس’؛ هيك قدرة على تدوير الافكار وقدرة على إيضاحها وإيصالها، وقدرة على تناول المسألة من أكتر من جانب واحد.»

الكتابة وتحولاتها

في بدايات ممارسة بيضون للكتابة، لم يكتف بكتابة الشعر، وإنما كتب أيضًا القصص والمقالات، بالإضافة للمسرحيات القصيرة، إلا أن القراءات التي اعتبرها مرجعية بالنسبة له، كانت الترجمات، بما في ذلك الشعر المترجم، وفكرته الأولى عن اللغة جاءت من الترجمات، لا من التراث، كما يقول، حيث اللغة المترجمة بحد وصفه هي «لغة فوق اللغة وزواج لغوي لا يسعنا أمام اتساعه وانتشاره أن ننكره أو أن ننفيه.»

يصل بيضون هنا إلى الاستنتاج بأن الأدب، أي أدب، هو اعتداء على اللغة بقصد تجديدها، فالكتابة صراع مع اللغة، وهذا الصراع وحده الكفيل بإعادة بنائها، مستشهدًا في هذا السياق بمقولة الفرنسي مارسيل بروست التي يضعها نصب عينيه دائمًا: «الكتب الجيدة تكتب بنوع من لغة أجنبية».

في مرحلة مبكرة من الشباب، انقطع عبّاس عن الشعر لسبع سنوات، انشغل فيها بالعمل السياسي والحزبي، بانضمامه لمنظمة العمل الشيوعي، ليعود في أواخر العشرينيات من عمره لكتابة الشعر، حيث كتب نشيدًا ملحميًا عن مدينته الجنوبية، صور، سماه «قصيدة صور». تضمنت القصيدة، بحد وصفه، «سيرة للماء والحجر والأحياء والأقنية».

لم ينشر قصيدة «صور» بوقتها، وتلاها فترة انقطاع أخرى عن الشعر، وكان السبب هذه المرة نشوب الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما زاد من تردده في نشر القصيدة، بطبيعة لغتها الإنشادية والملحمية، وتفاصيلها التي ابتعدت عن واقع غيّرت الحرب مفرداته.

كان على عبّاس إذن أن يبحث مجددًا عن لغة جديدة، وشكّل ذلك انقلابًا في الإيقاع وفي اللغة وفي الرؤية، حسب تعبيره. يصوغ تساؤلاته تلك في كلمته: «كيف يمكن للاجئين في مواقعهم، وقد تشظّت حياتهم وتفتتت وتشظّت أيامهم وتجزأت، كيف يمكن لهؤلاء أن ينشدوا وأن يعلوا القصيد وأن يسرحوا فوق الملاحم والأهواء؟ لقد صار الزمن لحظات، وصار العيش تفاصيل وحبيبات متعينة بالدقيقة والثانية، فكيف يتّسع هذا للنشيد؟»

يختلف بيضون مع جيل دولوز الذي يعتبر «أقلوية الفن معيار حقيقيته»، فيعلق عليه قائلًا «إن الأقلوية المتفاقمة قد تكون بالدرجة نفسها مرضًا. إذ لا حظوة لفن يفقد قارئه، فهو هكذا يفتقد ركنًا وشريكًا في تأسيسه وبنائه. »

في تلك المرحلة، أسعفته قراءته للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، الذي قد يكون نموذجًا لهذه النقلة من «الملحمية» لـ«التفاصيل الصغيرة»، وبالعكس: «يحسن ريتسوس أن يبني على البعثرة. يحسن أن يلملم الأشياء ويكلمها مع بقائها على حيادها وبرودها. يحسن أن يؤلف من النوافل والصغائر ملحمة، يحسن أن يعلي السرد ويعلي اليوميات ويعلي الحركات ويتخذ منها أفكارًا وقيمًا ودلالات. هكذا وقعت على معلّم حقيقي».

تحت ذلك التأثير، كتب ديوان «الوقت بجرعات كبيرة»، ولم يتأخر في نشره هذه المرة، فقد رأى فيه ابن وقته ولحظته.

مع تساؤلاته بخصوص الشعر، ظلّت أسئلة اللغة أيضًا تشغله، لكن هذه المرة تسّرب إلى تلك الأسئلة، سؤال الفن وجدواه. وقد يكون إلحاح أسئلة اللغة عليه، هو ما دفعه للبحث عن إجابات خارج إطار الشعر، وللانفتاح أكثر على التجريب. أو بحد تعبيره: «الشعر، الذي هو لغة إشارية خالصة، لا يرضي القراء الذين يستعصي عليهم أن يجدوا مقابلًا واقعيًا أو واضحًا للإشارات»،

فيما رأى في الكتابة النثرية، والرواية المعاصرة على وجه الخصوص، فنًا معنيًا أكثر بكشف خبايا المجتمع ونفاقه، عكس الشعر الذي يتغنى بالحياة والجمال. في هذا السياق يختلف بيضون مع جيل دولوز الذي يعتبر «أقلوية الفن معيار حقيقيته»، فيعلق عليه قائلًا «إن الأقلوية المتفاقمة قد تكون بالدرجة نفسها مرضًا. إذ لا حظوة لفن يفقد قارئه، فهو هكذا يفتقد ركنًا وشريكًا في تأسيسه وبنائه. »

الكتابة الصحفية

صحيح أن عنوان  الأمسية كان «الشاعر روائيًا»، إلا أن شهادة بيضون لم تقتصر على الكلام عن الشعر والرواية فحسب، بل امتدت إلى فن آخر، وهو الكتابة الصحفية، حيث أعلن في شهادته: «أنا صحافي بقدر ما أنا شاعر وروائي».

كانت الصحافة بشكل أو بآخر، عاملًا أساسيًا ومساعدًا، على السواء، للانفتاح على الكتابة السّردية. لا يقارن عبّاس بالطبع بين الكتابة الصحافية والروائية، فهو يتبنى مفهوم الرواية عند باختين بقوله «إنها التعدد في كل أشكاله؛ تعدد الأشخاص وتعدد الساحات وتعدد الأفكار والمواقف، وبالطبع تعدد الأحداث. أي أن الرواية لا تنتمي إلى متكلم واحد أو إلى متكلم غائب. إنها ذات نسق بوليفوني من تعدد الأصوات والإيقاعات. »

في رواياتي جميعها، المنشورة وغير المنشورة، جانب سياسي. أبطالي جميعهم، مثلي، لهم حياتهم السياسية

في المقابل، فالصحافة ليست بوليفونية، ولا متعددة الأصوات، لكنها أيضًا سجلّ لحظات وأحداث: «الصحافي لا يكتب إلا وفي ذهنه القارئ، وهذا ما يتدخّل في كتابته ويتحكم فيها، يملي علي طرائق في القول وأساليب يصح وصفها بأنها تراعي الجمهور كما تراعي الظرف والوقت والحدث.»

من هنا، بحد وصفه، تكون النقلة من الصحافة للرواية ممكنة، فالرواية هي أيضًا «متوالية أحداث»، وهي كذلك: «لا تحتمل التنميق ولا تحتمل القاموسيّة وتحسب للقارئ حسابًا بقدر لا يفعله الشعر المغرق في نخبويته ولا يساوم عليها.»

لعل هذا التشابه بين الرواية والكتابة الصحفية هو ما يفسر الجملة الأخيرة لبيضون في كلمته: «في رواياتي جميعها، المنشورة وغير المنشورة، جانب سياسي. أبطالي جميعهم، مثلي، لهم حياتهم السياسية، ثم هناك جانب فانتازي أحرص على أن يكون له ما يقابله في الواقع.»

اعلان