يحيى دكروري.. سيرة قاضٍ ترويها أحكامه
 
 
المستشار يحيى دكروري - المصدر: أحمد عبد اللطيف
 

«لن تعوزكم القوة فأنتم من ينصر الضعيف.. اعلموا أن أحدًا -كائنًا من كان- لن يحكم في ملك الله إلا بمشيئة الله.. سيذهب يحيى دكروري وكل أعضاء المجلس الخاص، وستبقى فقط عليكم التبعات».

كان هذا جزءًا مما قاله المستشار يحيى دكروري،رئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، والنائب الأول لرئيس مجلس الدولة حاليًا، خلال الجمعية العمومية لمستشاري المجلس مطلع اﻷسبوع الجاري، والتي اختارت دكروري نفسه مرشحًا وحيدًا لرئاسة المجلس، رغم نص قانون الهيئات القضائية على ترشيح كل جهة قضائية ثلاثة من بين أقدم سبعة نواب لرئيسها يُعيِّن رئيس الجمهورية من بينهم رئيسًا.

غير أن كلمات دكروري في هذا الاجتماع يسبقها تاريخ طويل للرجل، إن كان أبرز ما فيه هو مخالفة رغبات السلطة التنفيذية في قضايا هامة، من جهة، فمن جهة أخرى تبرز في هذا التاريخ أيضًا مواقفه المتباينة من قضايا اهتم بها الرأي العام، وخاصة في ملف الحريات.

وفي حين يحاول «مدى مصر» هنا المرور سريعًا على أبرز المحطات التي مرت في تاريخ المستشار دكروري، يبقى حكم تيران وصنافير بمثابة نقطة بدء وانتهاء خلال التعرض لهذا التاريخ.

«نؤيد السلطة الحالية للبلاد ولكن لا نقبل بمخالفة الدستور.. ضميري مرتاح، ويعملوا اللي يعملوه»

في 21 يونيو 2016، أصدرت محكمة القضاء الإداري، برئاسة المستشار يحيى دكروري، حكمها بـ «بطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، والتي تضمنت التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة».

كان هذا الحكم هو النقطة اﻷهم التي برز عندها اسم يحيى دكروري، خاصة وأن الحكم كان إعلانًا بخسارة السلطة التنفيذية للجولة اﻷولى من معركة تيران وصنافير القضائية، المستمرة حتى اﻵن، وهي الخسارة التي كان صداها أقوى كونها أتت بعد شهرين من دفاع رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي عن موقف حكومته من توقيع الاتفاقية، وذلك خلال لقاء اﻷسرة المصرية، والذي كان مما قاله فيه: «أرجو ما حدش يتكلم في الموضوع ده تاني».

في أعقاب هذا الحكم، زار مساعد وزير الدفاع، اللواء ممدوح شاهين، مجلس الدولة، والتقى رئيسه السابق، المستشار جمال ندا، بهدف الحصول على نسخة من الحكم قبل انتهاء المحكمة من مراجعته، وتزامن ذلك مع محاولة من المستشار مجدي العجاتي، وزير الشؤون القانونية وقتها، ونائب رئيس مجلس الدولة السابق، الذي حاول بدوره الحصول على نسخة من الحكم قبل مراجعته،

رفض دكروري محاولات شاهين والعجاتي، مؤكدًا أن المحكمة لن تسلم الحكم ﻷحد قبل تسليمه لرافعي الدعوى، ليعلن العجاتي عن الطعن على الحكم حتى قبل إصدار حيثياته، فيما انتظر شاهين ست ساعات كاملة داخل مقر مجلس الدولة حتى أفرجت المحكمة عن أسباب حكمها، وسلمته أولًا للمحامين الصادر لصالحهم، وسلمت نسخة منه لهيئة قضايا الدولة.

بعد الحكم، قال أحد المستشارين المقربين من دكروري إنه سأله: «مش خايف رئيس الجمهورية يرفض تعيينك رئيسًا لمجلس الدولة؟، فـ قالّي: ضميري مرتاح، ويعملوا اللي يعملوه».

أما دكروري نفسه، فقال في تصريح صحفي مقتضب: «طبقنا الدستور والقانون بما يرضي الله ويرضي ضميرنا، نؤيد السلطة الحالية للبلاد ولكن لا نقبل بمخالفة الدستور».

لم يكن حكم تيران وصنافير أول قرارات دكروري المتعارضة مع إرادة رئيس الجمهورية، ففي مارس 2015 قضت الدائرة اﻷولى في محكمة القضاء الإداري، برئاسته، بوقف قرار اللجنة العليا للانتخابات بدعوة الناخبين للانتخابات البرلمانية، لعدم دستورية إحدى مواد قرار رئيس الجمهورية بتقسيم الدوائر، وهو الحكم الذي تضمن وقف إجراء الانتخابات، والتي عقدت لاحقًا في أكتوبر من العام نفسه.

«كل مساحة تخلو في وسائل الإعلام من المعلومات والحقائق تمتلئ بالأكاذيب والأضاليل، وكل خصم من العلم الصحيح بالحقائق يؤدي إلى زيادة الجهل والانتقاص من الوعي العام، ويؤدي إلى عدم مصداقية وسائل الإعلام ويصرف الناس عن متابعة الشأن العام»

وكانت هذه هي المرة الثانية التي يوقف فيها دكروري الانتخابات البرلمانية، إذ سبق له في أبريل 2013 رفض طعن هيئة قضايا الدولة أمام دائرة الانتخابات التي كان يرأسها، على قرار محكمة القضاء الإداري بوقف قرار رئيس الجمهورية، محمد مرسي، بالدعوة للانتخابات البرلمانية.

في ذلك الوقت، قضت القضاء الإداري بوقف قرار رئيس الجمهورية بالدعوة للانتخابات البرلمانية، وهو الحكم الذي طعنت عليه هيئة قضايا الدولة أمام دائرة الانتخابات التي كان دكروري يرأسها، وفي أولى جلسات نظر الطعن فاجأ دكروري الجميع بمخاطبته رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى ووزير العدل، للرد على المحكمة رسميًا بشأن موافقتهم على الطعن، وهي الخطوة التي اعتبر عدد من القضاة أنها سابقة فيها تزيد من المحكمة، وانحياز لصالح الطرف اﻷقوى -رئيس الجمهورية- في مواجهة مقيمي الدعوى من المواطنين.

في حين أغضب هذا الطلب هيئة قضايا الدولة، برره دكروري بأن «الفترة التي تلت إصدار حكم القضاء الإداري، والسابقة على تداول الطعن أمامه، تردد خلالها أن رئاسة الجمهورية لم ولن تطعن على الحكم محل الطعن، وهو ما قدرت معه المحكمة وجوب حسم هذا الأمر على وجهة اليقين». غير أن هذا الجدل انتهى مع قرار المحكمة، برئاسة دكروري، برفض الطعن، وتأييد حكم وقف قرار الدعوة للانتخابات.

قبل هذا الحكم، خرج دكروري، هو وعائلته، إلى ميدان التحرير معترضين على الإعلان الدستوري الذي أصدره محمد مرسي في نوفمبر 2012، والذي وصفه دكروري نفسه بأنه يحمل «تدخلًا سافرًا في السلطة القضائية ويمثل تدخلًا سافرًا في عمل القضاء، وضرب عرض الحائط بمبدأ الفصل بين السلطات، وجعل رئيس الجمهورية فوق القانون ونصب نفسه خصمًا وحكما».

المستشار يحيى دكروري - المصدر: أحمد عبد اللطيف

وإن كانت أحكامه الخاصة بوقف الانتخابات البرلمانية قد أحدثت أثرًا ملموسًا على الواقع السياسي في البلاد، إلا أن الرجل أصدر أحكامًا أخرى لم يكن لها هذا اﻷثر، على أهميتها، إذ لم تتحول إلى واقع أو يتم الالتزام بتنفيذها من قبل من خاطبتهم، والتي كان معظمها متعلقًا بحرية تداول المعلومات.

أبرز تلك اﻷحكام كان في 17 نوفمبر 2015، حينما أصدر حكمًا قضائيًا يلزم مجلس الوزراء بأن يكشف للرأي العام عن تفاصيل التسويات المالية التي تبرمها لجان تسوية المنازعات التابعة له، مع المستثمرين الذين ثبت استيلاؤهم على أراضي الدولة أو شركات القطاع العام.

في حيثيات هذا الحكم، حث دكروري الحكومة على إصدار قانون حرية تداول المعلومات، استجابة للمادة 68 من الدستور، وألزمها، إلى حين صدوره، بإصدار قرار بتنظيم حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والبيانات المتعلقة بالتسويات المالية مع المعتدين على المال العام. وهو ما لم يحدث.

وفي يونيو الماضي، وخلال الجلسة نفسها التي شهدت حكم تيران وصنافير، أصدر دكروري حكمًا بإلزام نيابة أمن الدولة العليا بالسماح للمحامين والمتقاضين بدخول مقرها بالتجمع الخامس، والالتقاء مباشرة بوكلاء وموظفي النيابة أثناء مباشرتهم لمهام عملهم، وذلك استجابة لدعوى تقدم بها المحامي مالك عدلي، غير أن هذا الحكم تم الطعن عليه، ولم يتم الحكم في الطعن حتى اﻵن.

كما أصدر في 19 يناير 2016 حكمًا ألغى به قرار النائب العام الصادر في 14 أكتوبر 2014 بحظر النشر في قضية تزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2012، وهو الحكم الذي أرسى بواسطته مبدأ قضائيًا مفاده عدم اختصاص النائب العام بإصدار قرارات بحظر النشر في القضية التي يحقق فيها قاضي تحقيق منتدب، معتبرًا أن تدخل النائب العام لحظر النشر في القضايا التي لا تباشر النيابة العامة التحقيق فيها هو «أولا: اغتصاب لاختصاص قاضي التحقيق. وثانيًا: مخالفة صريحة لأحكام الدستور الخاصة بحرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات وحق الشعب في الحصول على المعلومات من مصادرها فضلا عن حرية الصحافة والنشر».

رغم أهمية هذا الحكم، إلا أن معلقين رأوا وقتها أنه قد يكون «مبنيًا على افتراض غير صحيح»، إذ سبق التحقيق مع صحفيين بعد تقديم بلاغات فيهم لخرقهم قرار حظر نشر أصدره قاضي التحقيق في القضية نفسها. كما أن النائب العام لم يلتفت إلى هذا الحكم، لا في هذه القضية ولا في غيرها من القضايا التي أصدر فيها قرارات حظر نشر مماثلة خلال الأعوام الماضية.

اللافت للنظر أن حيثيات الحكم المذكور قالت نصًا: «الأخبار والمعلومات التي تخص الشأن العام تعتبر من أدوات تشكيل الرأي العام، وأن للمواطنين ولوسائل الإعلام الحق في اللجوء لمصادر المعلومات الصحيحة للحصول عليها وتداولها ونقلها». وأضافت: «محتوى الإعلام يؤثر في الرأي العام، فإذا كانت مادة الإعلام صحيحة وصادقة في أخبارها ومعلوماتها أدرك الرأي العام حقيقة ما يجري إدراكًا سليمًا، أما إذا حُرمت وسائل الإعلام من المعلومات والأخبار الصحيحة فإن ذلك ينعكس سلباً على الرأي العام.. كل مساحة تخلو في وسائل الإعلام من المعلومات والحقائق تمتلئ بالأكاذيب والأضاليل، وكل خصم من العلم الصحيح بالحقائق يؤدي إلى زيادة الجهل والانتقاص من الوعي العام، ويؤدي إلى عدم مصداقية وسائل الإعلام ويصرف الناس عن متابعة الشأن العام، كما يجرد وسائل الإعلام من تأثيرها الإيجابي في الدفاع عن حقوق وحريات المواطنين وتبني قضاياهم».

غير أن دكروري نفسه، وفي أكتوبر 2011، رأى أن قرارت حظر النشر وحظر بث محاكمات رموز نظام مبارك هي «حق للمحكمة، ولا يتعارض مع دور الإعلام»، وقال بوضوح خلال حوار صحفي: «أؤيد حظر بث المحاكمات لأنه أصبح هناك محاكمات موزاية على الفضائيات. القاضي أولًا وأخيرًا بشر يمكن تجريده من رأيه، ولكن لا يمكن تجريده من مشاعره. حظر البث والنشر ضمانة لنزاهة التقاضي»، مضيفًا أن «التعليق على الأحكام لا بد أن يقوم على قواعد وأسس، أهمها عدم المساس بالهيئة المصدرة للحكم وشخص القاضي».

يبلغ دكروري من العمر 69 عامًا، قضى 41 منها داخل مجلس الدولة، الذي التحق بالعمل به في 1976، وهو حاليًا رئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع، أعلى جهة للافتاء القانوني لمؤسسات الدولة، وهو المنصب الذي تولاه من مطلع أكتوبر 2015، على أن يتركه في 30 يونيو 2017. وكانت جلسة تيران وصنافير هي اﻷخيرة له كرئيس لمحكمة القضاء الإداري بدوائرها السبعين، ولمنصة الدائرة اﻷولى بها، والمختصة بقضايا الحقوق والحريات، والتي أصدر عبرها عددًا من اﻷحكام الخلافية.

«حرية الفرد في اختيار ملبسه تندرج ضمن الحرية الشخصية التي كفلها الدستور، ولا يتقيد الفرد العادي بأي قيود تفرضها عليه جهة الإدارة… إلى أن هذه الحرية ليست مطلقة من قيد، وإنما عليه أن يمارسها في حدود احترام الآداب العامة»

في 25 نوفمبر 2014 ألغى دكروري قرار مجلس الوزراء بمصادرة فيلم «حلاوة روح» ومنع عرضه في السينما، واصفًا تدخل الحكومة لمنع عرضه بـ «المصادرة علي رأي وذوق المواطن في الاختيار بين رؤية العمل من عدمه»، قبل أن يحيل المادة الخاصة بالرقابة على الأفلام السينمائية إلى المحكمة الدستورية.

بعدها، وفي 14 أبريل 2015، أصدرت المحكمة برئاسته حكمًا بتأييد قرار وزير الداخلية بمنع مواطن ليبي من دخول البلاد بسبب ميوله المثلية، بما في ذلك من تأكيد على حق وزارة الداخلية في طرد الأجانب المثليين جنسيًا. قبل أن تصدر في مايو من العام نفسه حكمًا بإلزام الحكومة بحجب المواقع الإباحية.

هذان الحكمان بررهما دكروري بأن الحريات والحقوق العامة التي كفلها الدستور ليست حريات وحقوق مطلقة، وإنما مقيدة بالحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة.

وظهرت الخلفية المحافظة لدكروري قبل توليه هذه الدائرة بوقت طويل، إذ كان له موقف معروف برفض عمل المرأة في القضاء، وهو الرأي الذي أعلنه في 2010، وقت توليه رئاسة نادي قضاة مستشاري مجلس الدولة، بقوله إن «عمل المرأة قاضية يتطلب أن يغلق عليها باب المداولة مع قاضيين أو أكثر من الرجال، وهو ما يعد خلوة شرعية نهت عنها الشريعة الإسلامية التي ألزم الدستور في مادته الثانية بأنها المصدر الرئيسي للتشريع».

غير أنه حكم في يناير 2016 بتأييد قرار رئيس جامعة القاهرة بحظر ارتداء النقاب أثناء العمل بالجامعة، وقال في حيثيات الحكم إن «حرية الفرد في اختيار ملبسه تندرج ضمن الحرية الشخصية التي كفلها الدستور، ولا يتقيد الفرد العادي بأي قيود تفرضها عليه جهة الإدارة، وله أن يرتدي ما يروق له من زي إلى أنه مع التسليم باتساع مساحة حرية الفرد في اختيار ملابسه، إلى أن هذه الحرية ليست مطلقة من قيد، وإنما عليه أن يمارسها في حدود احترام الآداب العامة»، ولفتت المحكمة إلى أن «الزي الذي يحق لعضو هيئة التدريس أن يرتديه يجب أن يتحقق في احترام التقاليد الجامعية، وألا يكون من شأنه حجبه عن الطلاب، ومنعهم من رؤيته بشكل مباشر».

خلال مشواره القضائي، عمل يحيى دكروري مستشارًا قانونيًا لعدد من الجهات التنفيذية، مثل مجلس الوزراء، ومجلس الشعب -في بداية ولاية فتحي سرور، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة الإسكان. وبدءًا من 2001، عمل مستشارًا قانونيًا لمحافظ البنك المركزي، وفي منتصف نوفمبر الماضي أصدر رئيس الجمهورية قرارًا جمهوريًا بتعيينه عضوًا بمجلس إدارة البنك المركزي، كخبير قانوني، وهو المقعد الذي لا يزال يشغله حتى اﻵن.

وخلال العام الماضي، ألغت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري عدة قرارات أصدرتها لجنة التحفظ على أموال الإخوان المسلمين، كان من أبرزها إلغاء حكم التحفظ على أموال لاعب الكرة محمد أبو تريكة، وباكينام الشرقاوي، المستشارة السابقة للرئيس محمد مرسي، وعدد من الكيانات. وهي القضايا التي قبلت المحكمة فيها دعاوى اختصمت عددًا من الجهات والشخصيات، بصفتها، من بينهم محافظ البنك المركزي، فيما يظهر أرشيف محكمة القضاء الإداري أن إحدى تلك الدعاوى صدر فيها الحكم برئاسة برئاسة المستشار عبد المجيد حسن المقنن، نائب رئيس مجلس الدولة، وعضو اليمين في الدائرة التي يرأسها دكروري، وهو ما يرجح أن الأخير كان يتنحى عن نظر الدعاوى المتعلقة بالبنك المركزي بسبب عضويته في مجلس إدارته.

كما قبلت المحكمة برئاسته عددًا من الدعاوى المطالبة بإلغاء قرار رئيس الوزراء بتطبيق الحد اﻷقصى للأجور عليهم، مصدرة أحكامًا باستثنائهم من تنفيذ هذا القرار، وهي اﻷحكام التي رأى البعض فيها شبهة تضارب مصالح، كون دكروري مستشارًا قانونيًا للبنك المركزي، في وقت إصدار تلك اﻷحكام، ثم عضوًا في مجلس إدارة البنك لاحقًا، وكان محافظ البنك المركزي أحد المختصمين في تلك الدعاوى، وإن كانت اﻷحكام القضائية المتاحة على موقع مجلس الدولة، والخاصة ببعض هذه الدعاوى، توضح أيضًا أن ما اختصم منها محافظ البنك المركزي، صدر الحكم فيه برئاسة المستشار المقنن.

«مبارك لم يتدخل من نفسه وإنما صوتنا كان بيوصله لأننا كنا نلجأ إليه، ليس بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية وإنما بصفته رئيسا للدولة، لأنه حسب الدستور السابق رئيس الجمهورية مختص، بجانب كونه المسئول عن السلطة التنفيذية، بأن يرعى الحدود بين السلطات»

في 2007، وأثناء رئاسته لنادي قضاة مجلس الدولة، أصيب أحد قضاة المجلس، محمد المنزلاوي، بمرض نادر استلزم علاجه السفر للخارج، ورفضت وزارة العدل تحمل نفقاته، ووصف وزير العدل وقتها، ممدوح مرعي، دكروري بـ «الممثلة أمينة رزق»، بعدما دمعت عينا رئيس النادي خلال أحد المؤتمرات الصحفية الخاصة بعلاج المستشار المنزلاوي، وهو ما رد عليه دكروري بتقديم بلاغ ضد مرعي أمام النائب العام بصفته وشخصه -تنازل عنه لاحقًا بعد رحيل مرعي عن منصبه، وشن معركة قضائية استنجد فيها بالرئيس السابق حسني مبارك، الذي أمر بعلاج المنزلاوي على نفقة الدولة، كما أمر لاحقًا بتخصيص ميزانية لمجلس الدولة مستقلة عن ميزانية وزارة العدل.

وعن تدخل مبارك لصالح القضاة وقتها، قال دكروري إن «مبارك لم يتدخل من نفسه وإنما صوتنا كان بيوصله لأننا كنا نلجأ إليه، ليس بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية وإنما بصفته رئيسا للدولة، لأنه حسب الدستور السابق (دستور 1971) رئيس الجمهورية مختص، بجانب كونه المسئول عن السلطة التنفيذية، بأن يرعى الحدود بين السلطات، وكنا نطالب مبارك بمنع مرعي من التغول على السلطة القضائية، مبارك كان يستجيب لطلباتنا لأنها مشروعة فكنا ندافع عن استقلالنا».

كان دكروري قد فاز برئاسة النادي ثلاث مرات، كانت آخرها بالتزكية، قبل أن يستقيل ﻷسباب شخصية.

على جانب آخر ، أشارت تقارير صحفية إلى أن يوسف، نجل المستشار يحيى دكروري، قد تم تعيينه في مجلس الدولة بعد قبول المحكمة الإدارية العليا طعنًا لتعيينه بالمجلس، رغم تخرجه في كلية الحقوق جامعة عين شمس عام 2004 بتقدير مقبول، وفي الدور الثاني. تلك المزاعم رد عليها مصدر في مجلس الدولة، طلب من«مدى مصر» عدم ذكر اسمه، مؤكدًا أن يوسف دكروري التحق بالفعل بمجلس الدولة في 2005، كمندوب مساعد، بعد حصوله على تقدير مقبول، ولكن المصدر قال إن شروط التعيين في ذلك الوقت لم تكن تشترط الحصول على تقدير جيد، كما هي الحال حاليًا، موضحًا أن المستشار دكروري الابن عمل في هيئة مفوضي الدولة، قبل أن ينتقل منها إلى إدارة فتوى وزارة التربية والتعليم، والتي ما زال يعمل بها حتى اﻵن.

المستشار يحيى دكروري خلال إحدى الجمعيات العمومية لمستشاري مجلس الدولة – أبريل 2017 - المصدر: أحمد عبد الجواد

برئاسة دكروري، أصدرت محكمة القضاء الإداري قرارات تنتصر لحرية المواطنين وتمنع الاعتداء على حقوقهم وحرياتهم العامة.

ففي مايو من العام الماضي أمرت المحكمة بإلغاء دعوى منع الصحفي عبد الحليم قنديل من السفر، ورأت أن «منع المدعي من السفر ينال من حقوقه الدستورية المكفولة ومنها حريته في التنقل ومغادرة إقليم الدولة ويتعين الحكم بوقف تنفيذ قرار وزارة الداخلية بالامتناع عن رفع  اسم المدعي من قوائم الممنوعين من السفر».

قبلها، وفي أكتوبر 2015، أمرت المحكمة بوقف تنفيذ قرار وزارة الداخلية بمنع المقرئ محمد جبريل من السفر، مشيرة إلى أن القرار «تم تنفيذه من خلال الشطب على تأشيرة الموافقة، وتم دون أمر قضائي بما يمثل الاعتداء على أحد الحقوق والحريات العامة الأساسية لذلك يتعين دوماً المبادرة لرفع أي مساس بها أو الاعتداء عليها، حيث إن استمرار المنع له نتائج يتعذر تداركها».

غير أن المحكمة كان لها كذلك مواقف أثارت استهجان كثيرين.

في جلسة 25 نوفمبر 2014 أصدرت المحكمة حكمين، اﻷول برفض الدعوى المقامة من هاجر محمود جلال، والدة عبد الله نادر الشرقاوي، المحبوس احتياطيًا في سجن طره شديد الحراسة «العقرب»، والمطالبة بوقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن السجن، أو أي سجن آخر يمكن أن ينقل إليه نجلها، وإلغاء هذا القرار مع ما يترتب على ذلك من آثار، من أهمها، حق المدعية في زيارة ابنها في السجن وأي سجن آخر يمكن أن ينتقل إليه. واستند رفض المحكمة للدعوى، التي أقيمت قبل الحكم فيها بأربعة أشهر، إلى عدم صدور قرار إداري بمنع الزيارة من اﻷصل.

وفي الجلسة نفسها، أمرت المحكمة برفض دعوى تمكين أسر قيادات الإخوان المودعين بسجن العقرب من زيارتهم في السجن، وهي الدعوى التي أقامها كل من: إلهام بخيت وديع، زوجة أيمن هدهد، وإياد علي سيد، شقيق أيمن علي، ومنى محمد ربيع، زوجة أحمد محمد عبدالعاطي، وزينب السيد محمد، زوجة أسعد شيخة، ومنى محمد علي، زوجة عصام الحداد، مطالبين بإلغاء قرار منع زيارة ذويهم المحبوسين احتياطيًا في السجن. ورفضت المحكمة الدعوى لرفعها من غير ذي صفة، ووجوب إقامتها من وكيل المتهمين أنفسهم.

وخلال ترؤس دكروري للمحكمة أيضًا، أقام المحامي سيد البحيري دعوى قضائية اتهمه فيها بتجاهل طلبات المتقاضين في الدعاوى المستعجلة، وانفراده بقرار إحالتها لهيئة المفوضين، دون عرض الشق المستعجل على جميع أعضاء المحكمة، وقال البحيري في دعواه إن رئيس محكمة القضاء الإداري قد دأب على إحالة العديد من القضايا التي تطالب بوقف تنفيذ وإلغاء القرارات الإدارية إلى هيئة مفوضي الدولة مباشرة دون عرض الشق المستعجل على المحكمة بهيئتها الكاملة، مضيفًا أن هذا القرار يعد بمثابة رفض ضمني للطلب المستعجل بإيقاف التنفيذ، الأمر الذي من شأنه إصابة جموع المتقاضين بأضرار يتعذر تداركها.

جاءت دعوى البحيري بعد أشهر من عدم قبول محكمة القضاء الإداري، برئاسة دكروري، دعوى وقف تنفيذ حكم إعدام متهمي خلية عرب شركس، وهو الحكم الذي صدر بعد تنفيذ حكم إعدام المتهمين بالفعل، وبعد شهرين من رفع الدعوى المستعجلة التي استمرت المحكمة في تأجيل جلساتها إلى أن أصدرت قرارها المتقدم.

أما دعوى البحيري، فقد تنحت دائرة دكروري عن نظرها في مارس من العام الماضي، لاستشعارها الحرج، وتنظرها حاليًا الدائرة الثانية بمحكمة القضاء الإداري، والتي لم تفصل فيها بعد.

اعلان