الحاجز الإسرائيلي: هكذا تصبح حياة الفلسطيني «جحيمًا عاديًا»

تحتل فكرة الحاجز الإسرائيلي وعبوره ركنًا أساسيًا في الواقع الفلسطيني، جرى التعبير عنه في إنتاجات إبداعية متعددة لعل أبرزها فيلم إيليا سليمان «يد إلهية»، الذي يصور لقاء حبيبين فلسطينيين على حاجز إسرائيلي. يصعب على من لم يزر فلسطين تخيل معنى الحاجز وأثره على الفلسطينيين، وحضوره شبه الكلي في تفاصيل حياتهم وتنقلاتهم إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم.

تتناثر الحواجز في شتى مناطق الضفة الغربية، وتفصل بين الطرق الرئيسية الموصلة بين المدن الفلسطينية، وأحيانًا بين قرية وأخرى. وإذا كان الحاجز في أساسه الطبيعي ظرفًا استثنائيًا قد تحتّمه شروط سياسية معينة تمر بها دولة ما، فإنه في الحالة الفلسطينية الاستثناء الذي تحوّل، بفعل ديمومته واستمراره، إلى قاعدة.

في زيارتي لفلسطين قبل أشهر، وهي الأولى منذ عشر سنوات، انتصبت الحواجز أمامي مجددًا، بعد أن ظلت لفترة طويلة مشاهد إخبارية نراها على شاشات التلفاز. الحواجز الإسرائيلية، في معناها الحرفي، مظهر بشع من مظاهر الاحتلال والعنف والازدراء التام لحقوق الإنسان الذي تمارسه إسرائيل يوميًا ضد الفلسطينيين، ووسيلة أكيدة لقهر الفلسطينيين وتعقيد شؤون حياتهم اليومية وتنقلاتهم. لكن للحواجز تأويلات أخرى تتغلغل في وعي الفلسطيني وذهنه ولا شعوره.

فيما يلي سأنظر في الحواجز التي يقيمها العدو الإسرائيلي في مختلف مناطق الضفة الغربية (وهي الجزء الوحيد الذي زرته ورأيته في فلسطين التاريخية) باعتبارها ترسيخًا لحالات ثلاث؛ اللامنطق، الصمت، والعادية.

يشكل وصول الفلسطيني إلى الحاجز نقطة البداية لما يمكن أن نراه اللامنطق في الحياة الفلسطينية. الحاجز نقطة عبثية، غير معقولة، لا يمكن فيها استخدام أشكال النقاش والجدال المنطقي بين الفلسطيني والجندي الإسرائيلي المتمركز بسلاحه على الحاجز. يغيب سؤال «لماذا» مباشرة فور وصولك إلى الحاجز. لا يمكن للفلسطيني أن يسأل: لماذا الحاجز موجود، الآن وهنا، في هذه النقطة تحديدًا؟ أو لماذا، مثلًا، يُغلق الحاجز لساعات طويلة أحيانًا، ويفتح للعبور أحيانًا أخرى؟

الحاجز موجود، بالتحديد، لإشعار الفلسطيني بقدرة الإسرائيلي على محو المنطق حين يشاء

الحاجز موجود، بالتحديد، لإشعار الفلسطيني بقدرة الإسرائيلي على محو المنطق حين يشاء. وفي الحواجز الأكثر تعقيدًا، مثل حاجز قلنديا وحوارة وزعترة، قد ينتظر الفلسطيني وقتًا طويلًا دون أن يعرف، ودون أن تكون هناك أي وسيلة ليعرف، لماذا ينتظر، ببساطة لأنه ليس ثمة سبب للانتظار سوى رغبة الجندي في أن ينتظر.

ليش، شو فيه؟ هون ما فيه ليش.

أتذكر حين ذهبت مع صديق لي من رام الله إلى بيت لحم أننا وقفنا على حاجز وقتًا طويلًا، شعرت معه بغضب شديد وسألت صديقي: «ليش؟ شو فيه؟» ليقول لي ببساطة: «شو ليش؟ هون ما في ليش.» وفي مشاهدات أخرى يسير الفلسطينيون بسياراتهم عبر طريق معينة، يعرفون مسبقًا أنها طريق مفتوحة بلا حواجز، لكنهم يفاجأون، في نقطة ما، بانتصاب حاجز أمامهم.

الطبيعي في هذه الحالة أن يسأل الفلسطينيون الجنود الإسرائيليين: لماذا؟ لكن هذا لا يحدث، ليس لأن الفلسطيني عاجز عن السؤال، ولكن لأنه يعرف مسبقًا ألا جواب في الأفق. سيقول له الإسرائيلي، بعنجهية من يملك إلغاء المنطق: «مسكر. روح من هون». يدور الفلسطيني بسيارته ويوجهها في اتجاه آخر، بحثًا عن شارع يملك شيئًا من المنطق يمكّنه من الوصول لغايته.

الصمت على الحواجز لا يقتصر على ما بين الفلسطيني والجندي الإسرائيلي، لكنه يصبح أساس العلاقة بين الفلسطينيين أنفسهم

لكن الحاجز لا يضع حدا لسؤال «لماذا» فحسب، وإنما يدخل الفلسطيني أيضًا إلى منطقة أعمق من الغياب اللغوي. يتحول الفلسطيني عند الحاجز إلى كائن صامت. ليس ثمة تواصل مع الجندي الإسرائيلي، رغم محاولات هذا الأخير أحيانًا استفزاز الفلسطيني بأسئلة تافهة لا جدوى من ورائها. يشعر الفلسطيني، وقد عرف أن هذا مكان اللامنطق، بلا جدوى اللغة. ماذا ستقول لعدوك وهو يحرمك من أساس العمليات العقلية الإنسانية؛ السببية.

يدرك الفلسطيني أيضًا أن التواصل اللغوي مع العدو قد يقود لنتائج لا يرجوها. الكلمات التي قد تظنها بسيطة واضحة قد تقود لمشاكل عسيرة يصعب الخروج منها، في غياب كامل لأي شكل من أشكال القانون. أمام عدو عنصري محتل، يصبح الصمت وسيلتك الوحيدة للإبقاء على مسافة ما بينك وبين التعرض لإهانة يصعب ردها. ماذا لو لم تعجب الجندي الإسرائيلي جملة ما، أو إشارة ما؟ ماذا لو شتمك أو ضربك أو حتى أطلق النار عليك؟ نحن هنا في مكان اللامنطق، فاصمت إذن!

الصمت على الحواجز لا يقتصر على الحالة بين الفلسطيني والجندي الإسرائيلي، لكنه يصبح أساس العلاقة بين الفلسطينيين أنفسهم. في اللحظة التي تصل فيها السيارات والحافلات الفلسطينية إلى الحواجز، يخيم على المشهد انكفاءٌ داخل الذات. لا يعود الفلسطيني راغبًا في الحديث مع جاره، ولا حتى مع نفسه. ثمة شعور بأن هذا المشهد، بعبثيته الصارخة، بتحولك، وأنت في وطنك التاريخي، إلى أسير لا يستطيع قطع شارع للوصول  بيسر إلى الجهة الأخرى، ما هو إلا تمثيل كامل لما يسميه علماء النفس «unspeakable»، أو ذلك الذي لا يمكن التعبير عنه.

نحن هنا في مكان اللامنطق، فاصمت إذن!

إذا كان غسان كنفاني في روايته «رجال في الشمس» قد قدم المشهد الشهير للرجال الأربعة الذي يقطعون الصحراء من العراق للكويت في سيارة النقل وهم يلتزمون صمتًا تامًا، فإن الفلسطينيين على الحواجز يصبحون جميعهم رجالًا في الشمس.

 ماذا سيقول الفلسطيني للفلسطيني على الحواجز؟ قد يكون الصمت هروبًا كذلك، هروبًا من الاعتراف بفجيعة ما يحدث، هروبًا من الإقرار بالعجز على تغييره، هروبًا من أية محاولة لتصويره وتصوير أثره في النفوس. يتحول الحاجز، من مجرد شيء مادي ملموس أمام الفلسطيني، إلى حاجز نفسي أيضًا، حاجز يقوم حتى بينه وبين شريكه الفلسطيني. مئات من الفلسطينيين على حاجز يقف عليه بضعة أفراد متشحين بالسلاح وبتاريخ من الكراهية، ينتظرون لحظة أن يشير لهم الإسرائيلي بيده إيذانًا بالقدرة على المرور. أية لغة تستطيع وصف عبث كهذا؟

تدخل الحواجز في لغة الفلسطينيين، ومفرداتهم، وتصوراتهم، وقصص حبهم وأشواقهم. يتعاملون معها كما يتعاملون مع الخبز والهواء والسيارة والبيت

ثمة شيء آخر هنا. ذروة مأساة الحواجز الفلسطينية أنها، رغم لا منطقها والصمت الذي تفرضه، تحولت إلى مشهد عادي متداخل في تفاصيل حياة الفلسطينيين كلها. العادية هنا هي أن يجبرك عدوك على القبول، مرغمًا، باللاعادي، على التفاعل معه واستدخاله ركنًا أساسيًا في وقتك وتفاصيلك وحياتك.

تدخل الحواجز في لغة الفلسطينيين، ومفرداتهم، وتصوراتهم، وقصص حبهم وأشواقهم. يتعاملون معها كما يتعاملون مع الخبز والهواء والسيارة والبيت. يرتبون جدولهم على أساس وجودها، وينظمون مواعيدهم بناء على توقعات التأخير والتبكير التي يفرضها وجود الحواجز أو غيابها، بل حتى يطلقون النكات والضحكات حولها.

استدخل الفلسطينيون وجود الحواجز كحقيقة لا ندري متى ستنتهي، كإسرائيل ذاتها، كلعنة يتوجب عليك، كي تعيش، أن تتعامل معها كقرين لك ولذاتك. كثيرًا ما سألت أصدقائي عن قدرتهم على التحمل: كيف يمكن أن تقضي أكثر من ساعة في طريق يُفترض أن يأخذ منك خمس دقائق فقط؟ ضحكوا من سؤالي. قالوا فقط إنك ستتعود. ستجنّ إن لم تتعود. هذا هو الحل الوحيد أمام الفلسطيني الآن؛ أن يصدّق، رغم كل اللا منطق هذا، أن هذه هي الحياة التي عليه أن يعيشها، إلى أن تتغير ظروف وتجيء ظروف.

كثيرًا ما سألت أصدقائي عن قدرتهم على التحمل. قالوا ستتعود. ستجنّ إن لم تتعود

ربما تكون هذه العادية ذاتها وسيلة الفلسطيني الخاصة للمقاومة. ففي غياب مؤسف لمشروع مقاومة حقيقي، لا يبقى أمام الفلسطيني، إذا أراد البقاء في أرضه والحفاظ على ذاته من الوقوع في غياهب اليأس التام، سوى التعامل مع الحواجز باعتبارها شيئًا عاديًا معتادًا، وهو ما قد يحرمها أحيانا من التأثير السلبي الهائل الذي يفترض العدو الإسرائيلي أن تحدثه في ذات الفلسطيني.

الحواجز اختراق لزمان ومكان الفلسطيني، ليثبت الإسرائيلي عبرها أنه سيد الوقت، فلا يملك الفلسطيني تنظيم وقته وشؤونه اليومية كما يشاء، وسيد المكان، فلا يقدر الفلسطيني على التحرك من نقطة إلى أخرى على أرضه إلا بإذن الإسرائيلي. ماذا يفعل الفلسطيني أمام عنف حقيقي ورمزي كهذا؟

هنا تتحول العادية إلى فعل مقاومة من نوع خاص، مقاومة لرغبة الإسرائيلي في أن تتحول الحواجز إلى جحيم خانق للفلسطينيين. لا تزال الحواجز جحيمًا بالطبع، والشباب الفلسطيني كثيرًا ما يتواجهون أمام الجنود بما يقدرون عليه من وسائل مادية، لكن الجموع الفلسطينية، في رغبتها في استمرار حياتها رغم كل شيء، تحوّل الحواجز إلى فصل آخرعاديّ تمامًا، يمكن مجاورته وتجاوزه تمامًا، مثل كل الأشياء العادية الأخرى في قصتهم غير العادية.

اعلان