بداية ونهاية «كرموز»: صحافة تحررت من المركز وضاق بها الهامش
 
 

تعددت مقابلات عبد الرحمن ياقوت مع الشرطة في مناسبات مختلفة. كان يعمل مصورًا صحفيًا في موقع «كرموز»، الذي انطلق في خريف 2011 كمشروع طموح لصحافة محلية تغطي اﻹسكندرية. يثير فعل التصوير في الشارع شهيّة الشرطة على الدوام. أقل ما يمكن أن يصيبك هو الاستيقاف لتُسأل عن الدافع وراء «فعلك» واحتجازك لبضع دقائق. تكرر هذا مع عبد الرحمن كثيرًا.

لكن اﻷمر قد يتجاوز ذلك في بعض اﻷحيان. في أحد أيام شهر مايو 2014، كان عبد الرحمن في إحدى الشقق التابعة لشركة الكهرباء في منطقة العجمي. كانت الشقة تواجه سوقًا واسعة قرر أنها تستحق التصوير. شاهده أحد موظفي اﻷمن، وترتب على هذا احتجازه في نقطة شرطة ثم نقله لمقر مباحث الكهرباء في حي المنشيّة بوسط المدينة. حضر أحد ضباط اﻷمن الوطني للتحقيق معه قبل أن يطلق سراحه. استغرق اﻷمر عدة ساعات.

سيتكرر الحدث في مارس 2015، لكنه سيستغرق هذه المرة عامين قضاهما عبد الرحمن في السجن قبل تصحيح الخطأ. خلالهما، ستنتهي تجربة كرموز بعد خمس سنوات على انطلاقها كما انتهت العديد من اﻷحلام.

1

أبدى الشباب الحاضرون في ورشة تدريب صحفي في اﻹسكندرية في أواخر 2010 ضيقًا جماعيًا من اضطرارهم للانتقال للعيش في القاهرة من أجل الحصول على فرصة عمل في الصحافة. رد أحد مدربي الورشة باقتراح تأسيس مشروع صحفي في اﻹسكندرية. أشار إلى أحد زملائه وقال: «فيه هنا شاب إسكندراني ممكن تساعدوا بعض وتعملوا موقع لكم هنا».

الشاب اﻹسكندراني هو ربيع فهمي، أحد مؤسسي موقع كرموز. كان وقتها في أوائل العشرينات، يدرس الصحافة والإعلام. استغرق اﻷمر منهم عامًا آخر حتى يطلقوا موقعهم. كان عام الثورة. اﻷحلام أكثر واقعية من أي وقت آخر.

اتفق ربيع مع شاب آخر، يدعى عبد الرحمن بسيوني، على تأسيس المشروع معًا وتولي مسؤوليته، وتكوين فريق عمل من أربعة متحمسين آخرين. تحملا بالتساوي تكاليف التأسيس -أقل من ألفي جنيه لتصميم الموقع واستضافته- على أن تكون الملكية مناصفة بينهما. لم يوجد وقتها (وإلى الآن) قانون لتنظيم الصحافة الرقمية أو إجراءات لتأسيس المواقع الإلكترونية، لذلك لجأ المؤسسان كما هو معتاد إلى تقنين عملهما الجديد عبر تأسيس شركة للدعاية واﻹعلان، لديها سجل تجاري وبطاقة ضريبية، واستأجرا شقة في منطقة «ستانلي» لتكون مقرًا للمشروع.

يتذكر ربيع أنه بدأ في هذا الوقت في قراءة كتب عن أساليب تكوين فرق العمل ومبادئ اﻹدارة. عقدوا عددًا من الاجتماعات التحضيرية. وضعوا الخطوط العريضة. ناقشوا أسماء مقترحة لمشروعهم، وتكلّف كل من أعضاء الفريق الستّة باستطلاع آراء عشرة من معارفهم بخصوص اسم مناسب لمشروع صحفي سكندري. في لحظة ما، طرح بسيوني اقتراح «كرموز» (الحي الشعبي الواقع في وسط المدينة والذي يُعتقد أنه أقدم أحياء الإسكندرية)، وسرعان ما استقروا عليه. كان شعار الموقع أسفل العنوان: «عينك على الحدث».

يصف ربيع هدفين واضحين لإطلاق كرموز: تأسيس مشروع صحفي محلي يكسر مركزية العاصمة ويضرب مثلًا على إمكانية العمل في المحافظات اﻷخرى؛ وإنتاج محتوى صحفي مستقل لا يخضع لما أسماه «لعبة المصالح».

شملت تغطية الموقع كل ما أمكن للفريق نقله من أخبار، دون تفرقة: في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة غطى كرموز بالتساوي حملة المرشحين السكندريين: محمد سليم العوا، ذي التوجه الإسلامي، وأبو العز الحريري، مرشح حزب التحالف الاشتراكي (لم يحصل أي منهما على الكثير من الأصوات، حتى داخل المدينة). وإلى جانب تغطية الانتخابات المختلفة، تضمن كرموز قسمًا للرياضة («فريق الزمالك يلغي معسكره التدريبي في اﻹسكندرية»)، وآخر للفن، وصفحة للنصائح الطبية بعنوان «أبو سماعة». كان هناك أيضًا قسم للمالتيميديا («صوت وصورة»)، وآخر لتفسير المصطلحات والمفاهيم السائدة تحت عنوان «يعني إيه»، من السياسة («يعني إيه سلفية؟»، «يعني إيه جمعية تأسيسية؟») وحتى تفسير «يعني إيه كلمة كرموز؟». قدم كرموز نفسه كـ«مجلة إلكترونية من قلب إسكندرية…يحررها كل شباب إسكندرية». 

بعد فترة من بدء العمل، ناقش الفريق سياسة كرموز التحريرية: «نقدم كل ما يحدث في المجتمع للقارئ في قالب صحفي، بلياقة، ولا نستثني مواضيع أو أفكارًا لا نكتب عنها؛ احترامًا لحق المواطن المطلق في المعرفة». هناك مجموعة من شروط النشر: «لا ننشر صورًا أو أخبارًا شخصية لمشاهير أو شخصيات عامة أو مواطنين عاديين»، و«لا نعلق على أحكام القضاء، ونلتزم بما أقره المُشرِّع لتحديد العلاقة بين الصحفي والقضاة»، وبالطبع «حق الرد مكفول للجميع -بنفس المساحة- سواء على الموضوعات الصحفية أو مقالات الرأي». كان هناك أيضًا شرط أصعب، خاصة في سنوات ما بعد ثورة يناير: «لا نعلق على الأحداث السياسية حتى على المستوى الشخصي، ونكتفي فقط برصد الواقع وتوثيقه والتحقيق فيه».

شغلهم اختيار الكلمات. حين يعتدي بعض اﻷشخاص على مظاهرة في الشارع، فهؤلاء إما «مواطنون» إذا كانوا من سكان المنطقة، أو «مجهولون» إذا كانوا من خارجها. «لكن لن نستخدم كلمة بلطجية ﻷن هذا الوصف يتطلب حكمًا قضائيًا». 

فريق كرموز في عيد الأضحى. المنتزه، الإسكندرية. أكتوبر 2014

نشروا السياسة التحريرية على موقعهم، وهو أمر يفتخر به ربيع، ﻷنهم سبقوا في ذلك مؤسسات صحفية كبيرة. «كان عندنا سياسة صارمة»، يقول ربيع، «لو [الصحفي] باعت خبر من غير صورة مش هيتنشر، كنا نرفض تمامًا الصور اﻷرشيفية عشان ممكن تضخم الحدث أو تهول منه».

يحرص ربيع على صوتٍ هادئ. لكن كل من تحدثت إليهم من زملائه يتذكر نشاطه الذي لا يتوقف. تكرر الحدث نفسه مع كل منهم: يرسل تقريرًا صحفيًا مصورًا أو مكتوبًا، ينشره ربيع ثم يطلب مقابلته. يدعوه للانضمام إلى فريق كرموز، ثم ينظم له ورشًا تدريبية سريعة كي يصبح جاهزًا للعمل.

جميعهم في أوائل العشرينيات. يعملون تطوعًا: لا مرتبات أو مكافآت مادية منتظمة؛ فقط بعض المكافآت العينية كمجموعة من الكتب. أحد المصورين الصحفيين في كرموز ظل يفتخر أن أول أموال تقاضاها عن عمل صحفي كانت عشرين جنيهًا وكتاب.

كان وعدُ ربيع لهم واضحًا: المشاركة في بناء مشروع صحفي محلي يرسم لونًا جديدًا من الصحافة ويملك إمكانيات التطور وربما جني أرباح تمكنهم من الاستمرار مستقبلاً؛ أو -على أقل تقدير- إعداد كل منهم كصحفي مؤهل بشكل جيد لسوق العمل في مؤسسات صحفية أكبر. لم يتحقق الوعد اﻷول، لكن عددًا لا بأس به منهم عمل في صحف كبرى فيما بعد.

بالنسبة له، لم يتحقق وعد اﻷرباح بسبب تقصير فريق التسويق في المشروع. الخطة كانت التوجه إلى أصحاب اﻷعمال الصغيرة للإعلان على موقعهم، بعدما فشلوا في إنهاء صفقات إعلان مع كبار المعلنين، ووضعوا سياسة إعلانية لضمان عدم تأثر المحتوى التحريري بها.

كانت حسبته بسيطة: «إسكندرية فيها 6-8 مليون، إحنا عايزين منهم 500 واحد بس يدفعوا 200 جنيه كل شهر». كان هذا سيعني عائدًا يبلغ مائة ألف جنيه كل شهر؛ مبلغ كافٍ لاستمرار المشروع ودفع الرواتب وتحقيق الربح. لهذا مازال ربيع يعتقد أن «الصحافة مهنة مربحة بشكل يرضي الضمير والقناعات».

لكن هذه القناعة لم تجد طريقها للتحقق في واقع «كرموز». استمرت المشكلات المادية في مواجهتهم. «كنا بنمشّي الدنيا بأقل التكاليف، كنا بنستلف ونسدد ونقسّط»، يتذكر ربيع.

في إحدى المرات، قرر الفريق اقتراض 20 ألف جنيه لتغطية إيجار مقرهم لمدة عام من أجل تحقيق قدر من الاستقرار، على أن يتم السداد بعد تحقيق اﻷهداف اﻹعلانية. تمكنوا من تأمين عدد من اﻹعلانات، لكن شهورًا مرت دون تحقيق النجاح المنشود.

توسّعت أنشطتهم التحريرية رغم قلة الإمكانيات. إلى جانب التغطية الصحفية اليومية عبر الأقسام المختلفة بدأوا في استكتاب شباب  لمقالات رأي تعبر عن تيارات سياسية متباينة. نشطوا في إنتاج تقارير الفيديو، وأنتجوا أغنية اسمها «عبد الرزاق» ﻷحد الشعراء الشباب، وأطلقوا برنامجًا ساخرًا على يوتيوب بعنوان «أحّيه»، لفظ التعجب السكندري الأشهر. بلغ متوسط القراءات التي حققها الموقع حوالي عشرة آلاف كل شهر.

يقول ربيع إنه تعلم الكثير خلال هذه الفترة. في أحد اﻷيام، اتفقت مجموعة من شباب المدينة على موعد لاقتحام عمارة في منطقة رشدي تحكي اﻷساطير السكندرية أن «العفاريت» تسكنها. بالتزامن مع الحدث، كانت هناك إحدى المظاهرات السياسية الهامة. يتذكر قراره توجيه كل الصحفيين المتاحين لتغطية المظاهرة، لكن إحدى مراسلات الموقع -كانت في الثانوية العامة وقتها- قررت مصاحبة المشاركين في عملية اقتحام العمارة.

حقق تقرير «عمارة العفاريت» عدد القراءات اﻷكبر في تاريخ كرموز: 14 ألف قراءة في ليلة واحدة. «اتعلمت ساعتها إن مفيش حاجة تقيس بيها إيه اﻷكثر أهمية»، يقول ربيع، «مفيش مازورة نقيس بيها اﻷكثر أهمية إلا القارئ نفسه».

#اليكس #اسكندرية #alex #karmoz

قامت مجموعة شباب بالإسكندرية منذ قليل، بالصعود داخل عمارة رشدي، أو كما يُطلق عليها “عمار…

Posted by ‎كــرموز – Karmoz‎ on Friday, August 31, 2012

بحلول منتصف 2013، كان ربيع قد أنهى دراسته الجامعية وأصبح عليه الاستعداد ﻷداء الخدمة العسكرية الإلزامية وإنهاء اﻷوراق المتعلقة بها. وبدأت مصر في مواجهة استقطاب سياسي شديد سيمتد أثره طويلًا فيما بعد. تسبب المناخ السياسي العام من ناحية، والصعوبات المادية التي يواجهها المشروع من ناحية أخرى في شعوره باﻹحباط. بدأ ربيع أداء خدمته العسكرية بعد اﻹطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في يوليو 2013 وانتهاء حكم الإخوان المسلمين. انسحب تدريجيًا من كرموز، حتى انقطعت علاقته بالمشروع بشكل رسمي في منتصف 2014. حين قابلته هذا العام كان قد ترك الإسكندرية إلى القاهرة، حيث يعمل الآن كمنتج فيديو في مكتب مؤسسة إعلامية إماراتية.  

2

قبل ابتعاده ﻷداء الخدمة العسكرية، تعرف ربيع على عبد الرحمن ياقوت، طالب بكلية التجارة يبلغ اﻵن من العمر 23 عامًا.

حين اندلعت ثورة يناير كان عبد الرحمن في الثانوية العامة. في تلك السن أنشأ مع صديق له شركة صغيرة لتصميم مواقع الوِب وتقديم خدمات التسويق اﻹلكتروني. إلى جانب هذا، احتفظ بشغف شخصي بالتصوير الفوتوغرافي.

«كنت بصور المظاهرات في إسكندرية فقط لرفعها على الوِب، بس مفكرتش في تسويقها أو نشرها في أي مكان»، يتذكر عبد الرحمن.

كان يسكن منطقة العجمي، غربي الإسكندرية، والتي كانت قد تحولت وقتها من ضاحية يقصدها السكندريون وغيرهم كمصيف هادئ خارج المدينة، إلى حي مزدحم وغير منظم يقطنه سكان الإسكندرية العاجزون عن العثور على سكن في وسط المدينة أو العاملون في المصانع الكثيرة المحيطة بالعجمي.   

قبل مقابلته مع ربيع، كان عبد الرحمن يشعر أن العجمي منطقة كبيرة وتمتلئ بمشكلات تستحق النشر لكنها لا تحظى بتغطية صحفية ملائمة. في أوائل 2013 اشترى كاميرا تصوير احترافية، وأنشأ صفحة «مباشر من العجمي» على فيسبوك. بدأ في النزول إلى الشارع وإجراء مقابلات مصورة ورفعها على صفحته.

حين سمع عن موقع كرموز، قرر مراسلتهم عبر قسم خصصوه لاستقبال المساهمات الخبرية من القراء. أرسل لهم خبرًا، تواصل ربيع معه، ونشر كرموز الخبر.

بعدها أرسل عبد الرحمن رابط صفحته إلى ربيع، الذي طلب مقابلته واتفقا على انضمامه إلى كرموز واعتبار صفحته إحدى منتجات كرموز، على أن تختص فقط بتغطية أخبار العجمي. سيحتفظ عبد الرحمن بمسؤولية إدارة الصفحة. التفصيلة الوحيدة التي تغيرت هي اسم الصفحة: «أخبار العجمي» بدلًا من «مباشر من العجمي».

استمر عبد الرحمن في العمل في صفحته، إلى جانب تغطيات أخرى لموقع كرموز نفسه. أصبحت أخبار وتحديثات العجمي تمر عبر غرفة أخبار كرموز من أجل تدقيقها وتصحيحها قبل نشرها.

اتسع نطاق عمل الصفحة ونالت عددًا كبيرًا من اﻹعجابات. تولت تغطية كل ما يتعلق بمنطقة العجمي: من تحذيرات انقطاع المياه، وتغطية إزالة العقارات المخالفة، والازدحامات المرورية، إلى نتائج الامتحانات وأخبار عمليات العنف.

وصل عدد المعجبين 60 ألفًا؛ ليتجاوز عدد معجبي صفحة كرموز نفسها. تطلب العمل فريقًا أكبر. دعا عبد الرحمن لاجتماع للمتحمسين للمشاركة في تحرير صفحته ونشر اﻷخبار عليها في مايو 2014. شارك عشرة أشخاص، استمر سبعة منهم فيي العمل. كان هذا قبل يوم واحد من احتجازه القصير بسبب تصويره منطقة السوق أمام شركة الكهرباء.

بعدها، أجرى فريق أخبار العجمي تعديلًا على دورة اﻷخبار التي تُنشر على صفحتهم. خُصص فريق للمراجعة والتصحيح ﻷخبار العجمي بدلًا من انتظار غرفة أخبار كرموز. «أصبح هناك فريق كامل للصفحة داخل كرموز».

يضيف عبد الرحمن أن الصفحة بدأت في تحقيق عائدات من إعلانات تُنشر عليها. «كانت مبالغ رمزية لكنها كانت محفّزة»، يقول، «ساعدت على استمرار التغطية، وتكلفة الانتقال بالمواصلات».

كانت تجربة استضافة منصة صحفية محلية تغطي أخبار الإسكندرية لصفحة شديدة المحلية مخصصة ﻷخبار حي العجمي ممكنة بسبب اﻹمكانات الهائلة التي سمح بها الوِب. مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، اكتسب كل فرد نافذة تمكنه من إتاحة تفاصيل تعاني في العادة من التجاهل. في المقابل، تظل وجبة الصحف ووسائل اﻹعلام محدودة بحدود المساحة المطبوعة ودقائق البث، واحتكار الدولة للموجات اﻹذاعية والتليفزيونية.

دفعت اﻹمكانيات التي يطرحها مجال الصحافة المحلية مؤسسة صحفية كبيرة بحجم «المصري اليوم» لخوض التجربة. في أوائل 2010، قررت الصحيفة طبع ملحق سكندري يومي من صفحتين بعنوان «الإسكندرية اليوم» يُوزّع مع عدد المصري اليوم القادم من القاهرة. دينا سمير -مديرة التسويق في مؤسسة المصري اليوم- تقول إن التجربة جاءت من إدراك المؤسسة وقتها أن تركيز التناول الصحفي على العاصمة يتسبب في غياب أحداث تهم المواطنين في محافظاتهم، مشيرة إلى أن الصحافة المحلية -على العكس من هذا- «صحافة تخص القارئ نفسه، وتوفر له معلومات عن المكان الذي يعيش فيه».

استمرت تجربة ملحق الإسكندرية في المصري اليوم قرابة عام، ثم تحولت من ملحق مطبوع يومي إلى أسبوعي قبل أن تتوقف التجربة ﻷسباب على رأسها عدم تحقيق العائد المادي المنشود.

في غضون الفترة ذاتها أقدمت صحيفة «الشروق» على تجربة مشابهة لم تكن أسعد حظًا من تجربة «المصري». بدلاً من ملحق إضافي أقدمت الشروق على إصدار «طبعة الإسكندرية» التي تتشابه في أغلب محتواها مع طبعة القاهرة مع تخصيص أغلب عناوين الصفحة الأولى لموضوعات سكندرية. لكن ما تسميه دينا «قاهرية الصحافة» المصرية انتصرت مجددًا لتتوقف تجربة الشروق بعد أقل من عامين.

لكن تجارب أخرى من الصحافة المحلية ما زالت تحاول البحث عن نموذج للنجاح يضمن البقاء والاستمرارية. جريدة «منطقتي»، التي بدأت في وسط البلد والزمالك بالقاهرة وتُطبع بشكل غير دوري، إحدى تلك التجارب التي ترى الحل في الصحافة «شديدة المحلية hyperlocal» . يرى يحيى وجدي، رئيس تحرير «منطقتي»، أن الصحافة المحلية تمثل طريق نجاة الصحافة الورقية المأزومة. «الشكل التقليدي للصحف الورقية هو ما انتهى»، يخبرني وجدي، وليست الصحافة الورقية، «ﻷن القارئ لا يرى نفسه فيها». بالنسبة إليه، فإن المستقبل -بيقين- هو لصحافة محلية «لا تنشغل بالقضايا الكبيرة»، وإنما بخصوصيات واحتياجات قارئها.

تُوزّع منطقتي مجانًا، وتسعى استراتيجيتها التجارية إلى الحصول على ما يكفي من إعلانات تغطي وارداتها التكاليف. يقر وجدي أن التجربة نجحت في منطقتي وسط البلد والزمالك بسبب مركزيتهما داخل القاهرة ووجود شركات وأعمال كثيرة ترغب في اﻹعلان عن أنشطتها.

بعد الثورة، بدأت آلاف المبادرات المجتمعية في تغطية أخبار مناطقها الجغرافية عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الوِب. هناك موقع بورسعيد اليوم (أكثر من مائتي ألف معجب على فيسبوك)، والمنصورة اليوم (ما يقرب من نصف مليون)، وهناك داخل القاهرة جريدة المعادي اليوم (أكثر من 150 ألف). أخبرني أحد أصدقائي الصحفيين أن مراسلي الصحف في محافظة كفر الشيخ يشعرون بتهديد من صفحة لأخبار المحافظة على فيسبوك ﻷنها كثيرا ما تسبقهم في نشر اﻷحداث قبل أن ينتهوا هم من إرسال موضوعاتهم إلى القاهرة لمراجعتها ونشرها.

لكن الدور الذي تستطيع مبادرات كهذه أداءه لا يقتصر على تعريف السكان بأخبار مناطقهم. في سيناء مثلًا، تحولت صفحات محلية إلى مصدر يكاد يكون وحيدًا ﻷخبار «الحرب على اﻹرهاب» هناك، في ظل تعتيم إعلامي كبير ورقابة مؤسسية وأمنية على الصحف والمواقع الكبرى. بعض هذه الصفحات تمكّن من تحقيق خبطات صحفية هامة نقلتها عنهم الصحف ووكالات اﻷنباء.

إلى جانب مشكلات التمويل، يفتقد العاملون في هذه المنصات الحماية القانونية الضرورية لتأمين عملهم. فنقابة الصحفيين مازالت ترفض قبول عضوية ممارسي المهنة من الصحف الرقمية والمواقع الإخبارية، والدستور والقانون يمنعان إنشاء نقابة بديلة أو مستقلة لمهنة الصحافة.

قد يزداد تعقيد اﻷمر قريبًا مع صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد، الذي تنص مسودته المنشورة على وجوب حصول الموقع الصحفي على تصريح من مجلس تنظيم الإعلام، بشرط أن يتولى رئاسة تحرير الموقع عضو في نقابة الصحفيين له خبرة لا تقل عن عشر سنوات، على ألا يقل رأس مال الموقع عند التأسيس عن نصف مليون جنيه. شروط كهذه تجعل محاولة إنشاء تجربة تماثل كرموز بإمكانيات محدودة وغطاء قانوني يوفر الحماية للصحفيين أثناء أداء عملهم وهمًا غير قابل للتحقق.

بحسب تقدير لجنة حماية الصحفيين الدولية في ديسمبر الماضي، تأتي مصر في المرتبة الثالثة -بعد الصين وتركيا- من حيث عدد الصحفيين المحبوسين في عامي 2014 و 2015.

لذلك فإن فاطمة فرج، مؤسسة ومديرة شركة ولاد البلد المتخصصة في إصدار الصحف المحلية، لا تشعر بالكثير من التفاؤل بشأن مستقبل الصحافة المحلية. ترى أن صعوبة الحصول على عضوية نقابة الصحفيين وغياب الحماية القانونية والمؤسسية لعمل صحفييها تغرس بذور عدم الاستمرارية في كل مشروعات الصحافة المحلية.

لكن التحدي الأكبر من وجهة نظرها يبقى في العثور على نموذج تجاري ناجح وتنفيذه. تقول إن معظم هذه المشروعات تبدأ بمبادرات من صحفيين لا تمتد خبرتهم إلى النماذج التجارية وكيفية تطويرها.

تعتمد معظم المبادرات المماثلة على اﻹعلانات كمصدر مباشر لجلب الموارد. جريدة المعادي اليوم تنشر محتوى إعلانيًا يماثل في حجمه المحتوى الصحفي. لكن فاطمة ترى أن تنويع مصادر الدخل إلى جانب اﻹعلانات أمر ضروري للاستمرار. «إحنا في بيئة معادية»، تقول، «حيث يستحوذ جوجل وفيسبوك على اﻹنترنت من ناحية الفلوس».

تضيف أن مبادرات الصحافة المحلية تعتمد على بناء مجتمع متفاعل حولها، يمثل حاضنة لمثل هذه المبادرات ويخلق فرصة لجني موارد تمكنها من البقاء، حتى لو لم تربح على المدى القصير. تقول فاطمة إنهم يواجهون التحدي نفسه في ولاد البلد، بعد حوالي ست سنوات من العمل مع صحفيين محليين لإصدار عدد من الصحف والمواقع في عدة محافظات بمناطق الدلتا والصعيد والقنال.  

«كل صباح يُطرَح علينا السؤال: هل نتمكن من البقاء ليوم آخر؟»

#أخبار_العجمي اا إزالة عقار مخالف على البحر العجمي

أزال حي العجمي، صباح الأمس، عقار مخالف على البحر بشارع الزهراء بأب…

Posted by ‎أخبار العجمي‎ on Wednesday, January 13, 2016

3

بدأ أحمد فؤاد العمل في كرموز في منتصف عام 2012، حين كان عمره 17 عامًا. راسل الموقع طلبًا للعمل، وتواصل ربيع معه للتنسيق. في يونيو 2012 توجه فؤاد لتغطية الذكرى الثانية لمقتل خالد سعيد على يد الشرطة في العام السابق للثورة . قام بالتصوير، وأرسل تقريره إلى ربيع. قام ربيع بنشره وطلب من فؤاد الانضمام لفريق العمل. وافق لكنه طلب مهلة حتى ينتهي من أداء امتحانات الثانوية العامة. بعدها أصبح عضوًا أساسيًا في الفريق.

في الصيف التالي، صيف 2013، قرر ربيع أن يتولى فؤاد مسؤولية تحرير الموقع أثناء غيابه لتأدية لخدمة العسكرية. كان فؤاد وقتها على أعتاب دخول الجامعة.

استمر في أداء مهامه حتى الذكرى الثالثة للثورة في 25 يناير 2014، الذكرى اﻷولى للثورة بعد اﻹطاحة بمرسي. توجه يومها لتغطية مظاهرة في منطقة سيدي بشر شرقيّ المدينة. يحكي أن وابلًا من طلقات الرصاص انهال على المشاركين في المظاهرة بعد دقائق من بدايتها. شاهد طفلًا مصابًا في بطنه فقام بتصويره قبل أن يحاول الهروب إلى شارع جانبي.

في هذا الشارع، واجَه عددًا من المجهولين -وليس البلطجية- يحملون أسلحة بيضاء. حاول التراجع لكن الشرطة وصلت على الناحية اﻷخرى، وألقت القبض عليه.

اصطحبته الشرطة إلى نقطة تجمع أمني قبل أن ينتقل إلى مديرية أمن المدينة. صادروا كاميرته، وسجلوا في محضر الضبط أنه طالب ومصور صحفي. حقق معه أحد ضباط اﻷمن الوطني، لكنه لم يتعرض ﻷي اعتداء خلال التحقيق. فقط حين أخبره أنه في عامه الجامعي اﻷول، رد الضابط بأنه لن يرى اﻷسفلت مرة أخرى قبل أن تتخرج دفعته. كان صادقًا.

عُرض فؤاد على النيابة في اليوم التالي. فوجئ بعدم وجود كاميرته ضمن اﻷحراز، فقط قنبلة مولوتوف نفى علاقته بها.

وجهت النيابة له ولآخرين تهم خرق قانون التظاهر (الذي كان قد صدر في نهاية 2013)، والانضمام لجماعة محظورة، وقطع الطريق، وتخريب منشآت عامة وخاصة. إلى جانب هذا، اتهمته النيابة بالشروع في قتل الطفل الذي صوّره مُصابًا. قضى فؤاد 19 يومًا في مديرية اﻷمن قبل ترحيله إلى سجن برج العرب غربيّ الإسكندرية.

تجدد حبسه احتياطيًا على ذمة التحقيقات حتى أُحيلت القضية إلى محكمة جنايات اﻹسكندرية في 25 أغسطس 2014. تحددت جلسات لعرضه على المحكمة لكن الشرطة كانت تتأخر أو تمتنع عن نقل المتهمين للمحكمة، ما تسبب في تأخيرٍ استمر حتى أكتوبر 2015 دون بدء المحاكمة.

يشير تقرير صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مايو من العام الماضي إلى أن السلطات المصرية أصبحت تستخدم الحبس الاحتياطي كآلية لعقاب المعارضين السياسيين.

استغرق اﻷمر ثلاث جلسات محاكمة أخرى، وفي يونيو 2016 صدر الحكم. برّأه القاضي من كل التهم الموجهة باستثناء تهمة التظاهر، وتلقى حكمًا عليها بالسجن ثلاث سنوات، وغرامة 100 ألف جنيه. يوم صدور الحكم، كان فؤاد قد قضى عامين وخمس شهور وتسعة عشر يومًا في الحبس.

انتهى من أداء عقوبته في 27 يناير الماضي، لكن إجراءات اﻹفراج عنه استغرقت عدة أيام أخرى ليخرج في 2 فبراير. حين التقيته بعدها بشهرين في مقهى بمحطة الرمل في قلب المدينة التجاري سألته إن كان يفكر في العودة للعمل الصحفي، فأجاب بالنفي.

تسبب حادث القبض على فؤاد في بدء نقاش داخلي في كرموز حول جدوى استمرار الموقع. عبد الرحمن ياقوت كان أحد مؤيدي الاستمرار.

بحلول منتصف العام ذاته، تسببت اﻷزمات المالية في إغلاق المقر، مع الاكتفاء بالنشر على المنصة بانتظام. كل شئ بقي على حاله، باستثناء قرار جماعي من الفريق بالامتناع عن تغطية اﻷحداث السياسية في الشارع.

خالف عبد الرحمن هذه القاعدة في 21 مارس 2015. سمع أن قنبلة انفجرت في سوق العجمي أمام نفس شركة الكهرباء التي احتُجز عندها أول مرة. اصطحب كاميرته وتوجه للتغطية.

عبد الرحمن ياقوت في مقر كرموز - المصدر: صفحة اخبار العجمي

وصل بحلول الحادية عشرة صباحًا ليرى زحامًا أمام نقطة الشرطة. عرف أن سبب تجمهر المواطنين ليس انفجارًا وإنما فتاة شابة جلست في منتصف الطريق لتمنع مرور السيارات. أراد أن يعرف سبب احتجاجها أو مطلبها. حاول التصوير باستخدام الموبايل لدقائق قبل أن يسأله أحد أفراد الشرطة عما يفعل. رد بأنه صحفي يقوم بعمله. تسبب هذا في احتجازه واصطحابه إلى عربة الشرطة. يتذكر أنه تطلع من نافذة العربة، شاهد أُمًّا تمسك بيد ابنها الصغير وتهمس له بينما تشير إلى عبد الرحمن. لسبب ما أحس أنها تحذر طفلها من أن يكبر ليصبح مثله. كان هذا أشد ما أثر فيه.

بعد عدة انتقالات وتحقيقات -توسطها اصطحابه إلى منزله لتفتيشه- استغرقت اليوم كله، سمع عبد الرحمن التهم الموجهة إليه في محضر الضبط: التظاهر بصحبة ثلاثة آخرين في مكان ما في السابعة مساءً، والاعتداء على قوات الشرطة باستخدام قنابل مولوتوف حين وصلوا إليهم.

في اليوم التالي، عُرض عبد الرحمن على النيابة والتي طلبت عرضًا آخر بعد يوم وطلبت تحريات اﻷمن الوطني. حين وصلت مذكرة التحريات جاءت فيها واقعة احتجازه قبلها بعام عند سوق العجمي والتحقيق معه، واتهمته بالعمل لقنوات تابعة لجماعة اﻹخوان المسلمين.

عرف يومها أيضًا أنه مطلوب على ذمة قضية أخرى، وهي قضية قطع الطريق مع الفتاة التي حاول تصويرها. بحسب رواية الشرطة، فإن عبد الرحمن قطع الطريق ظهرًا بصحبة هذه الفتاة وحاول حرق نقطة الشرطة، ثم توجه إلى مظاهرة مسائية بصحبة آخرين حيث أُلقي القبض عليه.

تجدد حبسه احتياطيًا حتى إحالة القضية للمحكمة في مايو 2015، ونُقل بعدها إلى سجن برج العرب. تكرر معه ما حدث مع فؤاد: تحددت جلسات في سبتمبر 2015 ويناير وأبريل 2016 لم يحضر أيًا منها بسبب امتناع الداخلية عن إحضاره أو التأخر فيه. مَثُل عبد الرحمن أمام قاضيه للمرة اﻷولى في سبتمبر 2016، وحصل في هذه الجلسة على البراءة في قضيته اﻷولى.

أحيلت القضية الثانية في فبراير 2016، تحددت جلسة له في أبريل حضرها، وغاب عن الجلسات التالية للأسباب ذاتها. مَثُل مرة أخرى في مارس 2017 وحصل على البراءة في القضية الثانية. احتاج عبد الرحمن إلى عامين في السجن كي يحصل على براءته. لم يعرف أبدًا لماذا قطعت الفتاة الطريق.

4

كتبوا على كل حوائط مقر كرموز: «نحن لا نملك الحقيقة، ولكن نبحث عنها، وننسبها إلى مصدرها». تذكرت هبة شعبان، رئيس التحرير اﻷخير للموقع، تلك التفصيلة وهي تحكي عن أهداف مشروعهم.

تتحدث بحماس رغم مرور عام على نهاية المشروع. في أوائل العشرينيات على وعي كبير بالدور المهم الذي لعبه كرموز: «لما تعمل صحافة محلية وتكسر المركزية تقدر تعمل مجتمع ديمقراطي قائم على المحاسبة والمسؤولية»، تقول لي حين قابلتها في الإسكندرية مع عبد الرحمن. تعمل الآن ضمن فريق «ولاد البلد»

بدأت هبة العمل في كرموز في أواخر عام 2012. قابلت إعلانًا على فيسبوك يطلب الموقع فيه محررين جدد. ذهبت إلى مقابلة طُلب فيها منها أن تكتب موضوعًا سريعًا إلى جانب اﻹجابة عن عدد من اﻷسئلة. وتكفلت ورش تدريبية إضافية على مدار يومين بإتمام استعدادها.

هبة شعبان

تتذكر تقريرها اﻷول في كرموز، «التشوه المعماري في اﻹسكندرية». ضاع التقرير مع ضياع أرشيف الموقع كله. تعرض أرشيف كرموز للضياع مرتين: اﻷولى كانت بعد عام واحد من البداية، لأن الفريق نسي موعد تجديد اشتراك الاستضافة. الثانية كانت مع قرار إنهاء التجربة بسبب غياب أموال كافية تسمح بالاحتفاظ به. (يمكن مطالعة نسخة مشوهة وغير مكتملة من الموقع على أرشيف اﻹنترنت هنا).

لكن هبة ما زالت تحتفظ بمقدمة الموضوع. تقول إنها تشعر بالخجل من كتابتها التي اختلفت كثيرًا مع الخبرة. لكنها ما زالت تحب قصتها اﻷولى.

«الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط.. عمرها يزيد عن 3200 عام.. تمتاز بمبانيها وتراثها المعماري الشاهد على التاريخ السكندري.. إلا أن هذه المباني تعرضت لهجمة شرسة.. كانت النتيجة أن تم هدم أكثر من 40 قصر وفيلا أثرية واستبدالهم بأبراج سكنية عالية. وتعرض 100 موقع أثري للتدمير والتخريب، حسبما ورد على موقع الجزيرة الإلكتروني، نقلا عن مصادر بالمجلس الأعلى للآثار بتاريخ 24- 9- 2012. كانت رحلتنا الأولى لموقع فيلا بمنطقة سيدي بشر على البحر، …».

عملت بعدها في قسم الفن والثقافة في كرموز: تغطية فعاليات ثقافية وإجراء حوارات مع فنانين وشعراء وموهوبين في مختلف المجالات.

تفتخر بتجربة كرموز في الكشف عن مواهب سكندرية شابّة. «كان عندنا تبويب كامل كل شغله الشاغل إنه يظهر المواهب الشابة المحلية»، تقول هبة. «أغلب الناس اللي طلعوا من الإسكندرية سواء شعراء أو حركات ثقافية بداية الكتابة عنهم كانت عندنا في كرموز وبعد كده الصحفيين كانوا بينقلوا عننا».

بعد قليل، أصبحت هبة مسؤولة عن قسم الفن والثقافة، وقاموا بتشكيل فريق عمل كامل له. تقول إنها تعلمت كثيرًا من طريقة ربيع ومديري التحرير اﻵخرين في تصحيح أخطائهم الكتابية واللغوية. «كانوا بيخلونا نشوف أخطاءنا ونصححها بنفسنا، كانت طريقة في التعليم عظيمة جدًا». بعد فترة من اكتساب الخبرة، بدأت في تصحيح اﻷخبار ونشرها بنفسها.

بعد مغادرة ربيع، أصبحت هبة مديرة تحرير الموقع. انضم إلى كرموز صحفيون جدد. بحسب الخطة النظرية، يقدم كل صحفي خمسة أخبار كل يوم، باﻹضافة إلى تقريرين وحوار صحفي كل أسبوع.

يجتمع فريق التحرير مرة كل أسبوع لمناقشة خطة اﻷسبوع التالي، والتحقيقات الصحفية التي يعملون عليها. تتذكر بشكل خاص تحقيقًا نشروه بالمستندات عن فساد في مستشفى سموحة الجامعي. نقلت المواقع الصحفية اﻷخرى عنهم، وظهر رئيس التحرير في حلقة تليفزيونية خصصتها قناة اﻹسكندرية لمناقشة التحقيق.

في يوليو 2015، تولت هبة رئاسة تحرير كرموز. عبد الرحمن ياقوت وأحمد فؤاد في السجن بسبب عملهما، ووجد اﻹحباط طريقه إلى أرواح الفريق. «الناس اللي اتقبض عليهم أثروا علينا نفسيًا»، تقول هبة، «بعض الناس توقفوا عن العمل». كانوا متطوعين لا يدفعهم للعمل سوى الشعور بالتحقق.

باﻹضافة إلى هذا، استمرت المشكلات المادية في مواجهتهم. كرموز بلا مقر منذ فترة طويلة، وتفاصيل بسيطة كالقدرة على إبقاء اﻷرشيف على قيد الحياة أصبحت محل شك.

#مكتبة_الإسكندرية تبدأ في تحويل أنظمة الإضاءة الخاصة بها إلي تكنولوجيا LED الموفرة للطاقة
و قد تحولت المكتبة إلى اللون الأخصر للاحتفال بهذه المناسبة .

كرموز: حسن الصعيدي

#كرموز #الإسكندرية #karmoz #alex

Posted by ‎كــرموز – Karmoz‎ on Friday, January 29, 2016

بعد ستة أشهر، وفي يناير 2016، اتخذ الفريق قرارًا بإنهاء التجربة. كانت خمس سنوات قد مرت على انطلاق كرموز واندلاع الثورة. آخر ما نشره كرموز كان خبرًا عن تحويل مكتبة اﻹسكندرية أنظمة إضاءتها إلى تكنولوجيا LED الموفرة للطاقة. بهذه البساطة، دون خطابات وداع.

اعلان