مأساة 2010، مهزلة 2017: مأزق السلطوية والسياسات الاجتماعية في مصر

حضر يوسف بطرس غالي متأخرًا. مر وسط الصحفيين الساخطين حتى وصل لمنصة القاعة الكبرى. كان الصحفيون يهددون قبل وصوله بالانسحاب من المؤتمر بسبب تأخره، لكنه سرعان ما هيمن على الأجواء وسارت الأقلام تتتبع كلماته في ترقب لمانشيت صحفي جديد.

 لم يكشف سيد الأبراج البيضاء المطلة على ميدان العباسية في هذا اليوم عن قرارات مالية جديدة تهز الرأي العام، وإنما استعرض القوانين التي طبقها خلال سنوات توليه للوزارة، والقوانين التي أراد تمريرها وقابلتها معارضة شعبية واسعة، فيما بدا وكأنه يقدم تلك التشريعات كفلسفة متكاملة يدافع بها عن رؤيته. لم أكن أعلم وقتها أن هذا المؤتمر سيكون الأخير لغالي قبل الثورة.

 تذكرت هذا وأنا أستمع هذا الأسبوع لرموز من المعارضة المصرية في مؤتمر صحفي  بدار الخدمات النقابية عن مشروع قانون التأمين الصحي. والرابط بين الحدثين هو أن احتجاجات المعارضة على القانون، وهي وجيهة للغاية، تنبئ بأننا مقبلون على أزمة مشابهة لأزمة 2010، والتي تتلخص في أن السياسات الاجتماعية للبلاد لا يمكن أن تستديم بدون عقد اجتماعي جديد، وفي الوقت نفسه لا تمكن صناعة هذا العقد الجديد تحت حكم ديكتاتوري.

كانت حزمة سياسات غالي تشتمل على تخفيض قوي للرسوم الجمركية وتطبيق نسبة موحدة لضرائب الدخل، كما حاول تطبيق قانونين جديدين للتأمينات الاجتماعية والضرائب العقارية، لكنهما لقيا مقاومة شعبية، وكانت «القيمة المضافة» آخر العنقود في هذه السلسلة.

***

«ياه! القيمة المضافة مطروحة من أيام غالي؟»

فاجئتني صديقة صحفية (23 سنة) بهذا السؤال، وأنا أروي لها قصة المؤتمرين. يجب أن أعي أنني كبرت قليلًا، وأن هناك أجيالًا جديدة تفتح وعيها في 2011، بل و2013 أو 2015، ويتطلب هذا منا أن نحكي بعض التفاصيل التي تبدو معروفة لجيلنا.

 كانت الأيقونة المميزة في تلك التشريعات هي قانون الضرائب على الدخل في عام 2005، والذي رسخ للوزير السابق مكانته وسط مجتمع الأعمال.

قامت الدعاية المناصرة للضريبة الموحدة آنذاك على مبدأ يبدو لنا الآن، ونحن نطل عليه من شرفة التاريخ، غير منطقي، وهو كون الضرائب التصاعدية عبئًا كبيرًا على البيزنس

 فبعد تخفيض الجمارك، خفض غالي نسب ضرائب الدخل وغيّر فلسفة القانون من النظام التصاعدي، بمعنى زيادة نسبة الضريبة مع ارتفاع الدخل، إلى النسبة الموحدة.

قامت الدعاية المناصرة للضريبة الموحدة آنذاك على مبدأ يبدو لنا الآن، ونحن نطل عليه من شرفة التاريخ، غير منطقي بالمرة، وهو كون الضرائب التصاعدية عبئًا كبيرًا على البيزنس، وتشجع على التهرب، أما تخفيض الضريبة، مع منح المستثمرين الحق في تقدير الضريبة المستحقة، وهو ما يُسمّى بـ«الربط الذاتي»، سيجعلهم أكثر التزامًا بالقانون.

والرد المنطقي على هذا الطرح هو أن الدولة يجب أن تواجه التهرب الضريبي بمختلف أشكاله، بما فيها الأشكال القانونية منه، بمجهود أكبر في جمع الإيرادات الضريبية.

لكن الأفكار غير المنطقية كانت مقبولة للغاية في عام 2005، فقد كان الاقتصاد العالمي في واحدة من دورات الانتعاش القوي، وهناك مليارت تتعطش لدخول الاقتصاد المصري، ودعمت تلك الأموال المجموعة النيوليبرالية في الحكم، وعلى رأسها جمال مبارك بالطبع.

لننظر مثلًا للمولات التجارية في مدينة نصر، فهي نموذج لاقتصاد تلك الحقبة وتوازناته السياسية. يجمع هذا الحي قطاعات واسعة من الأسر التي عادت من الخليج بمدخرات لا بأس بها، وبأنماط مستحدثة من الاستهلاك، ويحتاج مستثمرو الخليج لإعادة استثمار فوائض نشاطهم النفطي من جديد، في ما يُعرف في الماركسية بـ«إعادة إنتاج رأس المال».

في المفهوم الماركسي، تتطلب إعادة إنتاج رأس المال ضخ السلع التي أنتجها العمال في الأسواق، وبيعها للطبقة العاملة التي صنعتها من أجل تحقيق الأرباح والفوائض، لتعود تلك الفوائض إلى حقل الإنتاج من جديد.

من هنا يبدو ضخ الاستثمارات الخليجية في مولات مدينة نصر أمرًا منطقيًا للغاية، فقد استعادت فوائض الخليج أمواله من جديد عبر أنماط استهلاكية مستحدثة.

قس على ذلك طفرة المجمعات السكنية الجديدة، في هذه الفترة، والتي استهدفت نفس الطبقة تقريبًا، وانتعاش قروض البنوك الاستهلاكية، وما استلزمه ذلك من التوسع في صناعات مغذية لهذا النشاط الاستهلاكي، مثل صناعات الأسمنت والحديد.

يستفيد الصحفيون من سمسرة الدعاية في المؤتمرات ويتربح مضاربو البورصة من صعود الأسهم بفضل الأخبار المعلنة في المؤتمرات، وتأتي الشركات الدولية بزخمها لتلتهم كعكة السوق البكر، لكن الصورة لم تكن مثالية إلى هذه الدرجة

وشجّعت حكومات مبارك على هذا التوسع بطرحها للخصخصة أصول الدولة المُنتجة للحديد والأسمنت، وتأخير إنشاء كيان يكافح الممارسات الاحتكارية، مع تقديم الطاقة الرخيصة، أي صناعة احتكارية بطاقة رخيصة لسوق بكر.

دارت ماكينة المصالح الضخمة بصخبها لعدة سنوات ومنحت غالي دعمًا قويًا لتمرير تشريعاته التي تبدو، ونحن ننظر إليها الآن من بعيد، غير منطقية.

أضف إلى ذلك ما كانت حكومة غالي تتلقاه من دعم إعلامي. كان الأمر يجري بدون أوامر مباشرة، فالعديد من الصحفيين الاقتصاديين ترقوا طبقيًا في تلك الفترة بفضل طفرة المؤتمرات الاقتصادية، حيث كان الأجانب يأتون باهتمام لسماع أخبار جديدة عن صفقة خصخصة أو طرح رخصة صناعية.

يستفيد الصحفيون من سمسرة الدعاية في المؤتمرات ويتربح مضاربو البورصة من صعود الأسهم بفضل الأخبار المعلنة في المؤتمرات، وتأتي الشركات الدولية بزخمها لتلتهم كعكة السوق البكر، لكن الصورة لم تكن مثالية إلى هذه الدرجة.

دائمًا ما كان المستثمرون، خاصة الأجانب، يطرحون على حكومة غالي أسئلة مرتابة عن المستقبل السياسي للبلاد، فهم يعلمون جيدًا أن مجموعة جمال مبارك ساهمت في مفاقمة الفوارق الاجتماعية، وأن مجتمع المولات والمجمعات السكنية المغلقة يقابله مجتمع جديد من العشوائيات.

مهد هذا القلق للحزمة الثانية من سياسات غالي المالية، والتي كانت تحاول خلق نظام اجتماعي جديد، بعد أن اقترب النظام الاجتماعي القديم من الإفلاس واستحال ترميمه.

كان النظام القديم، ولا يزال، أقرب إلى أن يكون صوريًا، فهناك منظومة معاشات في مصر، لكنها في كثير من الحالات لا تعبر عن مستوى دخل العديد من الموظفين في سنوات عملهم، ولدينا حزمة من الخدمات العامة المدعمة، من التعليم إلى المرافق، لكن الإنفاق عليها ضعيف للغاية، ما يجعلها في كثير من الأحيان صورية أيضًا.

لذا كان أحد محاور الفلسفة المالية لغالي فرض رسوم حقيقية على المواطنين، بهدف حشد النفقات العامة على الخدمات الاجتماعية، فيُحتسب اشتراك التأمين كنسبة من الأجر الفعلي، وتُشرَّع ضرائب عقارية جديدة تدعم نفقات الخزانة على الاستثمارات العامة في البنية الأساسية.

كانت الحلقة الأخيرة في سلسلة تشريعات غالي هي التحول من ضريبة المبيعات للقيمة المضافة. لم يقدم غالي وقتها تفاصيل القانون، لكن الرأي العام توقع أن تكون القيمة المضافة حيلة جديدة لزيادة ضرائب الاستهلاك، وهو ما ثبت بالفعل عند تطبيقها في 2016.

واجه ما يمكن أن نسميه بـ«نظام غالي الاجتماعي» مقاومة قوية من الرأي العام قبل الثورة، ولم يمر قانونا التأمينات والضرائب العقارية بسهولة مثلما مرت التخفيضات الجمركية والضرائب على الدخل. ويمكن إرجاع ذلك لأسباب عدة منها أن الأخيرين مثّلا حافزًا سلبيًا لمجتمع الأعمال.

حتى وإن قبلت قطاعات واسعة من معارضي تلك القوانين التنازل عن نسبة من دخولهم، مقابل التمتع بخدمات اجتماعية أفضل، فهم ليسوا مستعدين لدفع اشتراكات جدية لسلطة لا تملك الحد الأدنى من المصداقية

يدرك الرأي العام أن الدولة امتنعت عن جباية أموال من البيزنس كانت تذهب للخزانة العامة، لكنه لا يرى ذلك بشكل ملموس، أما الضرائب العقارية واشتراكات التأمينات الاجتماعية فكان لها أثر ملموس على شرائح واسعة من الطبقة الوسطى.

حتى وإن قبلت قطاعات واسعة من معارضي تلك القوانين التنازل عن نسبة من دخولهم، مقابل التمتع بخدمات اجتماعية أفضل، فهم ليسوا مستعدين لدفع اشتراكات جدية لسلطة لا تملك الحد الأدنى من المصداقية، ولنظام حاكم سيء السمعة، يدركون أن انحيازاته في تأسيس النظام الاجتماعي الجديد لن تكون في صالحهم، بعد سياسات الإفقار التي تعرضوا لها في عقود حكم مبارك.

وهناك سبب آخر، وهو أن التفكير في النظام الاجتماعي الجديد جاء في سياق الأزمة المالية العالمية في 2008. فالنمو الاقتصادي العالمي، والذي كان يمنح حكومة غالي زخمًا قويًا، هوى بقوة، وكانت تلك البداية الحقيقية لأفول نجم الوزير السابق.

***

بالعودة من تلك الرحلة الطويلة إلى 2016، إلى مؤتمر دار الخدمات النقابية عن قانون التأمين الصحي الجديد، فالقانون يهدف لتحويل خدمات التأمين الصحي من خدمات صورية أيضًا إلى خدمات حقيقية، وهو ما يتطلب من الحكومة أن تجمع من المؤمن عليهم موارد مالية أكبر.

لذا يقتطع القانونُ الاشتراكَ كنسبة من الدخل الشامل، ولمن يعمل في وظيفتين، فالأجران يخضعان للاشتراك.

ويرفع القانون تكلفة الاشتراك على الطلبة من قيمتها الرمزية الحالية، أربعة جنيهات في السنة، إلى نسبة من دخل رب الأسرة، كما يلزم المرأة غير العاملة بسداد الاشتراك.

عدنا إذن إلى المربع الأول، حيث ربما أعاد التاريخ نفسه بطريقة أكثر هزلية، كما يقول ماركس، فالاقتصاد ليس في حالة انتعاش مشابهة لأجواء ما قبل الأزمة المالية

وتتركز انتقادات المعارضة في كونها ترى أن توزيع أعباء الاشتراكات في القانون الجديد لا يجري بشكل عادل ومنصف لقطاعات واسعة من الفئات متدنية الدخل.

عدنا إذن إلى المربع الأول، حيث ربما أعاد التاريخ نفسه بطريقة أكثر هزلية، كما يقول ماركس، فالاقتصاد ليس في حالة انتعاش مشابهة لأجواء ما قبل الأزمة المالية، وإنما تلقى فقط بعض الأوكسجين بفضل الديون الدولية، وبسبب الاجراءات القاسية المصاحبة للديون يخشى المجتمع الدولي مخاطر الغضب الشعبي، وهو ما يمهد للحديث عن سياسات اجتماعية جديدة، ويعطي دفعة لقانون التأمين الصحي الذي يدور حوله النقاش بين الخبراء منذ خمس سنوات.

لكن الدولة تعود لطرح السياسات الاجتماعية في أجواء أكثر سلطوية من وقت مبارك، لتعيدنا لأسئلة المواطن القديمة: لماذا نمنح اشتراكات جدية لحكومة لا نثق فيها؟ ما الذي يضمن لنا ألا تذهب تلك الأموال للفساد؟ هل يجرؤ أحد على مراقبة الحكومة ومحاسبتها؟ هل دفع الأغنياء اشتراكات وضرائب جدية مثلما تطالبوننا بالاقتطاع من دخولنا؟ وكيف لنا أن نصدقكم وأفواه المعارضة تكمم في كل يوم؟

هذه هي الورطة، ورطة الحتمية «المالية والاجتماعية» لتحديث نظامنا الاجتماعي الحالي، وفي نفس الوقت استحالة بناء نظام اجتماعي جديد تحت حكم سلطوي. فهل من مخرج؟

اعلان