العدالة الضريبية: قضية مؤسسات لا سياسات

يعلم غالب المصريين من المتابعين للشأن العام أن يد الحكومة قصيرة وعين الشعب بصيرة، وأن هناك عجزًا في الموازنة العامة للدولة ـ أي فارقًا بين ما تجنيه الحكومة من إيرادات وما تنفقه من مصروفات – يقدر بنحو 10% من إجمالي الناتج المحلي، أي مبلغ يناهز عُشر إجمالي الدخل القومي في عام، وهو عبء كبير، لا شك. والتزمت الحكومة المصرية إزاء صندوق النقد الدولي بتخفيض هذا العجز لما دون الـ10% في السنة المالية القادمة، ولا يكون هذا بالطبع ـ كما هو الحال في أي ميزانية لأسرة أو لشركة – سوى بزيادة الإيرادات أو بتخفيض النفقات أو بكليهما معًا.

هذا الأخير بالتحديد هو ما تخطط له الحكومة، عبر المزيد من تخفيض النفقات، وخاصة تخفيض دعم الوقود وتجميد الأجور، وزيادة الإيرادات من خلال الضرائب، وهو ما بدأ بالفعل في السنة الجارية بإقرار ضريبة القيمة المضافة لتحل محل ضريبة المبيعات، ورفع سعرها المتوسط إلى ١٣٪ ثم إلى ١٤% في السنة المقبلة.

الضرائب نوعان؛ إما مباشرة تجمعها الحكومة من دخول وثروات الأفراد والشركات والهيئات حسب القدرة على الدفع، وإما غير مباشرة تجمعها الدولة على السلع والخدمات، ويدفعها في نهاية المطاف المستهلك النهائي. ومن المشاكل التقليدية في الضرائب غير المباشرة، كضريبة المبيعات والقيمة المضافة والجمارك، أنها لا تتحرى العدالة الاجتماعية، بسبب جمعها ضريبة على الاستهلاك بشكل متساوٍ من الجميع، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع، وبالتالي فهي عكس الضرائب التصاعدية، والتي تقوم على رفع سعر الضريبة كلما ارتفع الدخل، توخيًا للعدالة. ومن ثم فإن الضرائب غير المباشرة تعتبر في مجملها ضرائب رجعية – عكس تصاعدية – أي أنها تعاقب فعليًا الشرائح الأقل دخلًا، بإجبارهم على دفع نفس المبالغ عند الاستهلاك، التي يدفعها نظراؤهم من ذوي الدخول الأعلى.

نحن بصدد ملمح مستمر، يتمثل في عدم قدرة الدولة على تحصيل الضرائب المباشرة، وعدم قدرتها على توزيع الأعباء الضريبية بشكل عادل

تحاول الحكومات، بما فيها الحكومة المصرية، معالجة هذا القصور بإعفاء بعض السلع الأساسية من ضرائب المبيعات والقيمة المضافة، وباستهداف بعض السلع الترفيهية بأسعار ضريبية أعلى، ولكن المشكلة تظل ماثلة بشكل عام، وهي أن أصحاب الثروات والدخول العالية لا يمكن تحميلهم العبء المستحق إلا من خلال ضرائب مباشرة، تفترض بدورها وجود أجهزة بيروقراطية لديها الكفاءة والمعرفة والنزاهة كي تجمع معلومات دقيقة عن دخول وثروات المواطنين الأفراد، وكذلك شركات القطاع الخاص. وهو أمر مكلف للغاية ويتطلب زمنًا طويلًا، ليس فقط لبناء القدرات والخبرات والمهارات للعاملين في أجهزة تحصيل الضرائب، وإنما كذلك لتطوير علاقات سياسية مع غالب المواطنين تسهّل على أجهزة الدولة الحصول على المعلومات المطلوبة، وجمع الأموال المستحقة بتكلفة اقتصادية وسياسية منخفضة، وهو ما لا يتوافر في مصر ولا في الغالب الأكبر من بلاد العالم النامي، نتيجة مزيج من ضعف قدرات أجهزة الدولة الإدارية واختراقها بالمصالح الخاصة، والتي تزيد من حوادث التهرب وعدم الإفصاح، وكذلك نتيجة غياب ميراث ديمقراطي ممتد يؤسس لعلاقة تقوم على قدر من الثقة بين الدولة والمواطنين ترتّب واجبات المواطنة مقابل حقوقها، وعلى رأسها أداء الضرائب، وتحقق حدًا أدنى من الإدراك بأن الضرائب لن تذهب سدى في جيوب موظفين فاسدين، أو أجهزة بيروقراطية فاشلة، بل ستموّل خدمات عامة تعود للمواطن دافع الضرائب، أو «الممول» كما تحلو لوزارة المالية تسميته في مصر.

في ضوء هذه القيود المؤسسية والتاريخية والسياسية والاقتصادية، كان التوسع في إيرادات الدولة الضريبية في مصر، تاريخيًا، يقوم على تحصيل المزيد من الضرائب غير المباشرة، وذلك أولًا لأنها أقل تكلفة، رغم عدم عدالتها، لكونها تُحصّل على السلع والخدمات لا على الأفراد والشركات، ولأنها ثانيًا أقل تكلفة سياسيًا، حيث يسهل جمع مليون جنيه من مليون شخص، بواقع جنيه من كل واحد منهم، بدلًا من تحصيل مليون جنيه من شخص واحد، وهي لا تتطلب أخيرًا بناء قاعدة معلومات عن الأفراد والشركات.

وقد مثلت الضرائب غير المباشرة، من مبيعات ثم قيمة مضافة وجمارك ودمغة، حوالي 45% من إجمالي الإيرادات الضريبية للحكومة المصرية، بين 2006 و2015، طبقًا لبيانات البنك المركزي، بينما مثلت الضرائب المباشرة على الدخول والأرباح على شركات ومنشآت القطاع الخاص، في الفترة الزمنية نفسها (2006 – 2015)، نحو 11%، وكانت الضرائب على الملكية، بما فيها العقارات كالأراضي والشقق السكنية والفيلات والقصور، نحو 4.7% من إجمالي الإيراد الضريبي. وتقوم خطط الحكومة في المستقبل القريب للغاية على فرض وتحصيل المزيد من الضرائب غير المباشرة.

قد يرى البعض في عدم تحصيل ضرائب مباشرة من أصحاب الدخول والثروات، وتحميل العبء الأكبر في المقابل على القاعدة العريضة من المستهلكين بغض النظر عن قدرتهم على الدفع، نتاجًا لمظالم عصر مبارك أو بقية من بقايا الانفتاح الاقتصادي، أو تجليًا من تجليات النيوليبرالية التي أعادت هندسة دور الدولة، على مستوى العالم لا في مصر وحدها، لخدمة أصحاب رؤوس الأموال والثروات والملكيات على حساب عموم المواطنين، وخاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة. غير أن النظر إلى الفترة الناصرية، والتي شهدت في منتصفها تحولًا نحو اشتراكية الدولة، يكشف خلاف هذا. فكتاب الدكتور محمود عبد الفضيل رحمه الله «مصر بين التخطيط المركزي والانفتاح الاقتصادي»، والصادر في 1980، ومثّل تقييمًا موضوعيًا ووافيًا للتجربة الناصرية من الزاوية الاقتصادية، يذكر أرقامًا تفيد بأن أكثر من ثلثي إجمالي الإيرادات الضريبية في مصر قد أتت من الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات.

المسألة إذن أعقد وأكثر امتدادًا مما نتصور، وتتصل بتاريخ الدولة الحديثة في مصر، غالبًا منذ استقلالها الفعلي في 1936، وتكمن بالأساس في العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل عام

في هذا الكتاب يشكو المؤلف من عدم عدالة الضرائب على الاستهلاك، وفي المقابل يذكر أن التصاعد في الضرائب على الدخل والملكية استمر نظريًا منذ عام 1961، وهو عام تطبيق الإجراءات الاشتراكية، «إذ لم تمتد الضريبة فعليًا إلى فئة (كبار الممولين)، ذوي الدخول والثروات الكبيرة التي تولدت منذ أواخر الستينات، في نشاطات تجارية ومهنية وطفيلية واسعة النطاق، بسبب اتساع نطاق انتشار التهرب الضريبي».

نحن إذن بصدد ملمح مستمر، يتمثل في عدم قدرة الدولة في مصر على تحصيل الضرائب المباشرة، وبالتالي عدم قدرتها على توزيع الأعباء الضريبية بشكل عادل، وهذا الأمر مؤسسي لأنه يتجاوز الفوارق بين سياسات النظام الناصري إبان اشتراكيته، وما تلاه من نظم صُنفت بوصفها ذات نزوع رأسمالي، بل ونيوليبرالي، في العقد الأخير من حكم مبارك.

يظهر أن المسألة أكبر من السياسات ومن الأيديولوجيات، ولكنها كذلك أكبر من بناء قدرات الأجهزة الحكومية الفنية عبر إضافة «أجهزة كمبيوتر» على سبيل المثال، أو تدريب الموظفين وتقديم برامج تأهيل مهني لهم، فحتى بناء القدرات هذا لم يؤد لتغير يذكر في هيكل الإيرادات الضريبية في عهد يوسف بطرس غالي، والذي شهد في الأغلب أكبر زيادة في إيرادات الدولة الضريبية الإجمالية، وإن كان الجزء الأكبر منها، كالعادة، قد أتى من الضرائب غير المباشرة.

المسألة إذن أعقد وأكثر امتدادًا مما نتصور، وتتصل بتاريخ الدولة الحديثة في مصر، غالبًا منذ استقلالها الفعلي، وإن ظل منتقصًا، في 1936، وتكمن بالأساس في العلاقة بين الدولة والمجتمع بشكل عام، وبين الدولة والشرائح الحائزة على الثروات والدخول المرتفعة، بما فيها الشركات الخاصة، بشكل خاص، ويعني هذا أن الطريق لإعادة هيكلة الضرائب، على أهميته وضرورته لإيجاد حل لمشاكل مزمنة، كالعجز في الموازنة والدين العام المتضخم دائمًا، يمر بالسياسة أولًا وقبل كل شيء، وأن الحصول على أجهزة كمبيوتر والإتيان بفِرَق من الخبراء لإنشاء قواعد بيانات، أو تعيين وزراء أفذاذ في مجالات المالية والتمويل والاقتصاد، كل هذا لن يؤدي في غالب الحال سوى إلى زيادات هنا وهناك في الحصيلة، ولكن من الصعب أن يؤدي لتغير دائم.

اعلان
 
 
عمرو عادلي