مانشستر يونايتد 2-0 تشيلسي؛ على حائط بطولات السيد «جوزيه»
 
 
جوزيه مورينيو
 

175 يومًا مروا منذ أن تلقى «جوزيه» هزيمته الأكبر  في البريميرليج على يد فريقه السابق، وهي فترة طويلة للانتقام، خاصة عندما يتخللها الكثير من التعادلات والعروض المخيبة، وخاصة عندما يشعر «جوزيه» أنه صار غريبًا في بلاد الإنجليز، فلا هو قدم ما يوقع جمهور الشياطين في غرامه، ولا هو حفظ أواصر الود مع بيته الأصلي، بل استمر في سياسة الأرض المحروقة التي يظنها أحد أسباب نجاحه، والحقيقة أنها تزيد من صعوبة كل خطوة قادمة، وتحد خياراته بعد أن صار له في كل مدينة أعداء.

175 يومًا شهدت لقبًا جديدًا؛ The Humiliated One أو المُهان، لأن الاستثنائي الوحيد فيها كان وصوله لأقل نسبة فوز في تاريخ مانشستر يونايتد على أرضه منذ السبعينيات، وفشله في الفوز على أيٍ من الستة الكبار باستثناء توتنهام، وتفرغه للصراع مع أشباح الماضي، ومحاولة إثبات أن تشيلسي فريق دفاعي يقدم نفس الكرة التي كان يقدمها، وأنه يفوز لأنه لا يشارك في أوروبا، وأنه يلعب على المرتدات، باختصار؛ كل ما كان ينتقده الجميع في نسخته الخاصة من البلوز.

لذا كان أجمل ما في مباراة الأمس أن تلك النسخة من «جوزيه» لم تحضرها؛ لا أحد ينتقم مثل مورينيو لأن الانتقام غريزة هوجاء بطبيعة الحال، لا تنسجم مع كل الدراسة والتخطيط والهدوء الذي يتحلى بها عندما ينفذ انتقامه، وهذا ليس غريبًا، فالرجل يستعد منذ 175 يومًا.

0″

بدأت المباراة مبكرًا، ربما قبل أن تبدأ، لأن ألونسو أصيب في الإحماء، مانحًا كونتي الفرصة لتقديم ألعن مباراة تكتيكية في مسيرته، لأن ما حدث لا يمكن تبريره بغياب الظهير الإسباني وإلا لتعين على تشيلسي الانسحاب كلما أصيب.

رفض كونتي تعديل خطة اللعب في البداية، مشركًا زوما بدلًا من أزبليسويتا في القلب، ودافعًا بالأخير لمركز ألونسو، وهو خطأ نتج عن تشكيلة مورينيو المُربكة، التي لم ينجح كونتي ولا غيره في فك طلاسمها حتى مرور الدقائق العشرة الأولى، فوجود دارميان قد يعني ثلاثي خلفي إلى جانب روخو وبايي، ويانج قد يشترك كظهير عكسي أو كجناح عكسي كذلك، بالإضافة للغز فيلايني المعتاد، كل هذا أجبر الإيطالي على إيثار السلامة والتضحية بمساهمات ألونسو الهجومية حتى إشعار آخر.

حتى المواقع الإحصائية المتخصصة أخطأت قراءة خطة جوزيه– Whoscored.com

3-5-2 أم 3-6-1؟ لا هذا ولا ذاك، بدأ مورينيو بالـ 4-2-3-1 المحببة لقلبه، والتي جلبت له آخر لقب بريميرليج في جعبته، أشرك دارميان كظهير أيسر في ظل غضبه من مستوى شو مؤخرًا، فالنسيا في الظهير الأيمن المعتاد، وبوجبا وهيريرا في ثنائية المحور يتقدمهما فيلايني لالتقاط الطوليات والكرات الثانية وتخفيف الضغط، وطرفان هم لينجارد ويانج كقاعدة للمهاجم الوحيد راشفورد.

الفارق الواضح بين تموقع دارميان وفالنسيا (أعلى) وروخو وبايي (أسفل) يظهر أن جوزيه دخل المباراة بخط دفاع رباعي تقليدي – المصدر Squawka.com

0″- 45″

الانطباع الأول أوحى بأن «جوزيه» ادخر نجميه الرئيسيين؛ مخيتاريان وإبراهيموفيتش لمباراة الخميس المقبل الحاسمة، وأنه على وشك تقديم مباراة دفاعية يخرج منها بأقل الخسائر، في انتظار أن تمنحه سرعة راشفورد واحدة من مفاجآتها السارة في المرتدات.

ولأن الانطباعات الأولى كثيرًا ما تخطىء، فالعكس بالضبط هو ما حدث، اكتسح الشياطين البلوز طولًا وعرضًا في كل وجه ممكن من اللعبة، ولم يستطع تشيلسي ولا مدربه مجاراة الخصم في أيٍ من أرجاء الملعب، في واحد من الأشواط النادرة هذا الموسم الذي بدا فيها البلوز عاجزين عديمي الحيلة، والفارق الوحيد أن راشفورد سجل هدف الشياطين من مرتدة فعلًا.

أوصل «جوزيه» رسالته مبكرًا، وخرج تشيلسي من أسوأ شوط له هذا الموسم وقد تلقت شباكه هدف واحد، وتلقى كبريائه عدة صفعات لم يكن يظن أن أحدًا في إنجلترا قادر على توجيهها؛ فالمشكلة لم تكن في خروجه مهزومًا، بل في عجزه عن تسديد كرة واحدة على مرمى خصمه للمرة الأولى هذا الموسم، ونجاح الشياطين في استخلاص الكرة 15 مرة مقابل 5 فقط للبلوز.

تشيلسي لم يلمس الكرة داخل منطقة جزاء اليونايتد سوى ثلاث مرات في الشوط الأول بالإضافة لتسديدة طائشة – المصدر Whoscored.com

استخلص لاعبو اليونايتد الكرة 15 مرة مقابل 5 فقط للاعبي تشيلسي في الشوط الأول – المصدر Whoscored.com

وهو ما أفقد كونتي اتزانه تمامًا، وجعله يقضي 90 دقيقة في الدوران حول نفسه بلا سبب واضح، وتضييع وقته ووقت فريقه في تجارب بلا طائل وارتباك بلا مبرر، أبرز ما عبر عنه كان البدء بـ أزبليسويتا جهة اليسار بدلًا من ألونسو، ثم تبديل مكانه مع موزيس ليلعب الأخير على اليسار للمرة الأولى هذا الموسم، ثم إخراج النيجيري وإعادة الإسباني لنفس الجهة للمرة الثانية، في متوالية عبثية من التبديلات لم يكن جوارديولا نفسه ليجرؤ على الإتيان بها في مباراة كتلك.

تطور الخريطة الحرارية لكل من أزبليسويتا (أعلى) وموزيس (أسفل) على نفس الفترات الزمنية في المباراة – المصدر Squawka.com

النتيجة أن أطراف البلوز تعطلت تمامًا بعد العبث بها أكثر من مرة، وهي مساعدة لم يكن يونايتد «جوزيه» يحتاجها من الأصل، فالبرتغالي كان قد بنى خطته على ركن بديهي هو إيقاف هازار، ومنح تعليماته لـ هيريرا بمراقبته كظله، بالضبط مثل مباراة الكأس الأخيرة، ولأن وجود ألونسو كان كفيلًا بفك هذا الحصار عن البلجيكي، نظرًا لتحول الموقف لـ 2 على 2، بأخذ فالنسيا في الاعتبار، لم يكن «جوزيه» يمتلك سوى حلين لا ثالث لهما، إما المخاطرة باندفاع بايي للمساندة في تلك الجبهة، ولكنها مراهنة تعني خلق نفس الموقف الذي يحاول تجنبه ولكن على الجهة العكسية؛ حينما ينضم بيدرو لـ كوستا في موقف 2 على 2 مع روخو ودارميان.

أو الحل الذي نفذه البرتغالي بالفعل، وهو إشراك فيلايني كمحور ثالث لإحكام الحصار على أفضل عناصر تشيلسي الهجومية، لذا كان غياب ألونسو مفاجأة سارة لتكتيك مورينيو، ومنحه سيطرة شبه مطلقة في تلك الجبهة سمحت بتفرغ قلبي دفاعه لإحالة حياة كوستا إلى جحيم، ومواجهة توغلات بيدرو القطرية بمساعدة دارميان الملتزم، حتى دون الحاجة لمساعدة بوجبا من الأصل.

تدخلات الرباعي: فالنسيا، وهيريرا، وبايي، وفيلايني الدفاعية (أسفل) أتى أغلبها في الجبهة اليسرى للبلوز، والاعتراضات (أعلى) توضح التفوق الأحمر الكاسح – المصدر Squawka.com

45″-90″

المفارقة الساخرة في كل ذلك كانت أن «جوزيه» خرج من الشوط الأول بعد أن حول فريقه القديم إلى نفس الحالة التي تركه عليها تقريبًا؛ هازار مختفي، بيدرو بلا فاعلية، فابريجاس على الدكة، وكوستا متفرغ للمشاغبة مع دفاع الخصم، وكأنه يثبت لهم مرة أخيرة أنه هو من صنعهم، ويثبت لنفسه أن تجاوز الماضي يبدأ بتحويله إلى مجرد شبح.

وسط كل هذه الفوضى، وإعصار ضغط الشياطين المثير للأعصاب على الثلاثي الأمامى، وجد ماتيتش نفسه مضطرًا للصعود والمشاركة في صناعة اللعب، لأن أي شيء آخر يعني أن المباراة ستستمر في اتجاه واحد، فقط ليدرك أنه لم يقم بهذا الدور منذ فترة طويلة، في ظل اقتصار المهام الهجومية على ثلاثي الهجوم وظهيري الطرف، وتفرغه للتغطية وإخراج الكرة من المناطق الخلفية.

أدرك كونتي ذلك بدوره، ولكنه قرر أن الموعد قد حان للغز جديد، فأشرك فابريجاس ولكن على حساب موزيس، بينما لم يبدو الأخير سيئًا إلا لسبب واحد هو أنه يلعب في الجهة العكسية، وكانت إعادته لجبهته الأصلية لتفي بالغرض وتعيده للمباراة.

ثم عاد الايطالي وأخرج ماتيتش نفسه مشركًا ويليان ليقوم بدور النيجيري الذي خرج لتوه، معيدًا أزبليسويتا لليسار للمرة الثانية في ساعة واحدة، وكأن الهدف الوحيد من اللقاء هو إصابة مدافعيه وكل من في الملعب بالدوار.

بعد خروج موزيس عاد أزبليسويتا للجبهة اليسرى للمرة الثانية في 60 دقيقة – المصدر Squawka.com

المهم أن الايطالي أنهى المباراة بالتحول لـ 4-2-3-1 التي منحت البلوز أفضل فتراتهم في لقاء عصيب، متزامنة مع انخفاض لياقة الشياطين بعد السفر للقاء أندرلخت منذ أيام، وهو ما كان يتعين عليه فعله منذ لحظة إصابة ألونسو أثناء الإحماء؛ تحول يجيده البلوز ويقومون به دائمًا دون متاعب، بدفع هازار كصانع لعب تقليدي في العمق خلف كوستا، تسانده تمريرات سيسك الذكية وتحركات الأطراف بيدرو وموزيس/ويليان في هذه الحالة، ويحمي كل هؤلاء كانتي وخط خلفي من أربعة قلوب دفاع.

ولكن لسبب ما، قرر الايطالي إغراق فريقه بتعديلات لا تنتهي ليقضي على أمله تمامًا في العودة، ربما لأنه لم يتوقع مباغتة «جوزيه» بالهجوم من البداية، وربما لأنه انتظر أن يفقد هيريرا أعصابه ويتسبب هازار في طرده كمباراة الكأس، ولكنه فوجىء بهدوء الأسباني وتمكنه من صناعة الهدف الأول وتسجيل الثاني، وبمجهود وافر لم يتوقعه من الشياطين، في منظومة دفاعية وهجومية محكمة من البرتغالي، جعلت فيلايني نفسه يبدو مهمًا ومؤثرًا في كل لعبة.

بالطبع انعكس الحال في الشوط الثاني، ومالت السيطرة والاستحواذ جهة الجانب الأزرق من الملعب، ولكن بلا فاعلية حقيقية أو فرص خطيرة، لأن أزمة البلوز كانت نفسية وكذلك كانت أزمة مدربهم، لأن الهزيمة تعني أن «جوزيه» لم يعد عاريًا في صراعه معهم، وأنه أجبرهم على خوض باقي مباريات الموسم تحت الضغط، بعد تضييق الفارق مع توتنهام لأربعة نقاط فقط وتبقى خمس جولات على انتهاء المسابقة، وكأنه انتقامه الأخير قبل إغلاق صفحة تشيلسي للأبد.

ربما ما زال «جوزيه» مهددًا بالاقصاء من أوروبا في الموسم المقبل، وربما ما زال في موسمه الكثير من الأرقام المزعجة، لأنه لم ينجح في إجلاء الشكوك التي حاوطته بعد موسم تشيلسي الأخير، إن لم يكن قد زادها، ولكن إن كان لموسم «جوزيه» لحظة واحدة مضيئة يمكنه أن يحتفظ بها على حائط بطولاته، فهي تلك المباراة بلا شك.

اعلان