الفن ومرجعية الجماعة في معرض «ظلال المتواري» صور جميلة تنال الكثير من الإعجاب

في ليلة من ليالي الحظ والسهر، جمعتني جلسة ودية بفنانة إنجليزية صديقة لأحد أصدقائي، تزور القاهرة في إطار ورشة تبادل معرفي مع مدرستها للفنون في لندن؛ أحد تلك الجلسات التي يكون الحديث المهيمن على الطاولة هو القاهرة ونيلها وطول ليلها. لم نكن تعرفنا بعد حين قررت بدء حديثها معي بالسؤال المعتاد تلقيه عند تبادل الحديث مع الأجانب «ما أمنياتك بالنسبة لمصر؟» وكابنة بارة اضطرت للحديث باسم جموع الشعب، لجأتُ للحل الأوتوماتيكي بالرد بالجمل المحفوظة، شيء على غرار «أتمنى أن نصبح أفضل»، بسبب استنفادي مخزون أخذ هذه النوعية من الأسئلة بجدية. فهذا السؤال في النهاية من ذيول ميراث عتيد تليد يعتبر أن مواطنًا من العالم الثالث هو ممثل لجماعته، لا مجرد فرد مستقل.

بسبب طبيعتها القائمة بالأساس على التعبير والاستعراض، تتبلور هذه المشكلة بشكل واضح في المجالات الفنية، ويرزح الفن الخارج من هذه المنطقة تحت وطأة تأثير مرجعية «الجماعة»، والتي تعني هنا، وبشكل خانق، «البلد» أو «الانتماء العرقي». ومع التطور السريع للإنترنت، وبوصفه أكبر قاعة عرض معاصرة، أخذت مرجعية جماعية جديدة في التشكل، وهي مرجعية جماعة «منصات التواصل الاجتماعي».

شعرت بانتماء كثير من الأعمال لعالم الفيسبوك وتمبلر، بسبب مضمونها، ولأن كثيرًا من الجماليات الشكلية المحتفى بها تنبع مباشرة من الجماليات واسعة القبول على منصات التواصل الاجتماعي

تبدت لي هذه الإشكالية في معرض «فوتو كايرو 6» الذي انطلق هذه المرة تحت اسم «ظلال المتواري» وامتد من 15 فبراير إلى 23 مارس الماضي، وتطورت الكثير من أعماله في عدد من الورش الجماعية التأهيلية. تملكني شعور بانتماء كثير من الأعمال المعروضة لعالم الفيسبوك وتمبلر، ليس فقط بسبب مضمون الأعمال، ولكن لأن كثيرًا من الجماليات الشكلية المحتفى بها في أعمال الفنانين تنبع بشكل مباشر من الجماليات واسعة القبول والمعززة مسبقًا على منصات التواصل الاجتماعي.

بطاقات شخصية وكروت معايدة

الإنترنت كبر، ولم يعد ذلك البراح المبهم، وفي ظرف عدد قليل من السنوات ظهرت له ملامح واضحة، كجنين تحول سريعًا لشاب، ومن ثم بدأت ألعابه الطريفة تتخذ شكلًا مؤسسيًا، كصفة طبيعية من صفات التطور. بمرور الوقت، كونت منصات الاجتماع؛ مؤسسات دولة الانترنت؛ قيمًا خاصة بها، مثل الطرافة واللذاذة و«الكيوتنس» و«الأكتيفيزم»، بسبب طبيعة مخاطبة المجال العام، كما عينت أشكالًا محددة للتفاعل والاشتباك، من خلال إبداء الإعجاب، الذي يعني في أخف تأويلاته أن وجودك مرئي، أنت seen.

أحدهم مهم جدًا لإنه «بيطلع في التلفزيون»؛ مؤسسة التلفزيون تخيرته للظهور على شاشتها، فوُهب امتيازًا يلهب صورته، مع مسافة بينه وبين الجمهور تعمّق هالته: أنت صوت الجماهير، تتفوه بالمثالي والعام، ونكاتك الفردية تزيد من ألقك.

تغذي منصات التواصل الاجتماعي الرغبة في الحصول على مباركة الجماعة، لأنها تقدم عرضًا براقًا، وهو تجسيد الموافقة وتثمينها، من خلال معايير قابلة للإحصاء العملي؛ عدد الأصدقاء، عدد المعجبين، وعدد المشاهدات.

كان من المفترض على مواقع التواصل الاجتماعي أن ينتقم فيها الفرد من المثالي والعموميات، ولكنها مثل أي ساحة مجتمعية أخرى، تناصر وتعزز قيمًا معينة تخضع فيها الجماليات لمعيار الصلاحية للعرض العام، رغم الترويج لها بأنها منحتنا إمكانية «الفردية»، كنتيجة ملحقة للحق في الإرسال، ما يعطيها مزية عن غيرها من المنصات أحادية الإرسال كالتلفزيون والراديو والسينما، التي تحصر دور الفرد في كونه مستقبِلًا فقط.

أحيانًا في العمل، وعندما تأتيني مهمة ترويجية لمنتج ما بمناسبة أحد الأعياد الاجتماعية، ما يفترض الحب والسلام والأمنيات الطيبة، أفتح «جوجل صور» تلقائيًا وأكتب بالإنجليزية «حب تمبلر»، «زبادي تمبلر»، «محمول تمبلر»، لأعوم في شلالات من الأفكار السهلة الكيوت التي تفخر بامتلاكها ذكاء طريفًا، فالكيوتنس الألمعي المراهق الغامض هو أحد القيم المفضلة على الموقع.

بتراكم التدوينات، وتحت إلحاح رغبة الفرد الغريزية في إشباع غايته من ممارساته الاجتماعية المتمثلة في الحصول على القبول، الذي يجىء في شكل موافقة على انضمامه للجماعة، تتمكن جماليات معينة من إزاحة غيرها لتتبوأ بورصة الجماليات. وتغذي منصات التواصل الاجتماعي الرغبة في الحصول على مباركة الجماعة، لأنها تقدم عرضًا أكثر بريقًا مقارنة بنظائرها خارج الشاشة، وهو تجسيد الموافقة وتثمينها، من خلال عدد من المعايير القابلة للإحصاء العملي؛ عدد الأصدقاء، عدد المعجبين، وعدد المشاهدات. هناك حصاد رياضي حقيقي يمكن التعامل على أساسه.

كشخص مرتبك ازاء التعامل بجدية مع موضوع الهوية الرسمية، أقضي وقتًا أكثر من المعتاد في إنشاء صفحة شخصية على أي من دول التواصل الاجتماعي المهتمة بإصدار بطاقات شخصية للمستهلكين، ليس فقط لبيروقراطية العملية، ولكن لإلحاحها على دفع الفرد لتعريف نفسه بشكل محدد وضيق ضمن عدد من الخانات المعينة. وأنت تنشئ صفحتك على الفيس بوك، ستطالَب بملئ خانة المدرسة ومدينة مولدك ووظيفتك وميولك الجنسية. بعد ذلك بإمكانك اختيار إتاحة هذه المعلومات للعامة أو قصرها على أصدقائك أو عليك أنت فقط. لا يشجع الفيس بوك إلا المعلومات الإيجابية، بمعنى أنك لو اخترت «لم أذهب إلى أي مدرسة» ستُجبر على الاحتفاظ بهذه المعلومة لنفسك «أنت فقط.. only me»، ربما لإجبار الأفراد على مشاركة معلومات حقيقية عنهم، أو عدم تعريف أنفسهم بالسلب.

يمكنك بالطبع أن تختار، بين اختيارات عديدة تغطي معظم المجالات، ما يتوافق و تعريفك لنفسك، ولكن تحديد مفردات هذا التعريف مقررة سلفًا بواسطة الموقع. في النهاية لابد لك من الانتماء لخانة/ جماعة معينة.

تدوينة عامة وهاش تاج

بينما تجول عيني على لوحات نادية منير، في معرضها «هل أنت ذلك الشخص حقًا»، تتلاحق في رأسي كل تلك السجالات المحتدمة حول «جسد المرأة في السياقات العامة»، وهو أحد المواضيع المفضلة لمواقع التواصل الاجتماعي إبان سنوات الفوران الثوري.

من «هل أنت ذلك الشخص حقًا» لنادية منير

في مشروعها، وهو أحد المشاريع المطورة خارج دائرة الورش وبتكليف من «مركز الصورة المعاصرة»؛ تنتهي نادية لموضعة نفسها محل شريحة «المرأة» في المجتمع. تلقي الضوء على ممارسة معينة عبر إعادة إنتاجها مرة أخرى، وعرضها في معرض فني. تتتبع نادية خط ممارسة غريبة تروم بها المرأة لمراوغة الحجر على حضورها الجسدي الصريح. تتألف الممارسة من مرحلتين متتاليتين متناقضتين؛ أولاهما تخففها من رسميات الحشمة المفروضة من قبل المجتمع، بما تتضمنه من أداءات سلوكية معينة وأزياء بمواصفات محددة، وذلك في المناسبات الاجتماعية المغلقة والمفصولة عن الرجال. والثانية تشويش وجهها، أو مناطق معينة من جسدها، في صورها الفوتوغرافية المتعلقة بالمناسبة، بحيثُ يصعب التعرف عليها، وهو ما يضرب في مقتل فكرة فوتوغرافيا الاجتماعيات التي تهدف لاثبات أننا «كنا هنا». تلتقط منير هذا التناقض وتلعب عليه، بتحريفها لبعض من صور المناسبات الخاصة، متعهدة لأصحابها بالحفاظ على الخصوصية.

من «حوارات مفلترة ريمكس» لأماندا ق. م

تقصقَص وجوه السيدات وأجسادهن في عمل آخر، يحوم حول نقاش مجتمعي شبيه، ومكلَّف بدوره من قبل المركز. في «حوارات مفلترة ريمكس» تعتمد أماندا ق. م على تسجيلات بالصوت والصورة لسلسلة من المحادثات التي نظمتها في عامي 2015 و2016، وفيها تدعو عددًا من السيدات للدردشة حول مفاهيم خاصة بـ«المرأة» والتابوهات المحظورة. ما نشاهده هنا هو فيديو من زاوية علوية لطاولة النقاشات بحيث لا تظهر سوى أيادي النساء وعناصر الطاولة من مشروبات وغيرها.

وكما تقصقَص وجوه النساء وأجسادهن، تقصقَص المحادثات نفسها ويعاد توليفها بشكل يكسر التتابع الخطي، لتقف كمتفرج وسط تدفقات من الجمل المتناثرة المربِكة غير المترابطة بشكل متعسف، مكونة كولاجًا بصريًا صوتيًا ينتمي لجماليات التشظي وعوالم ما بعد الحداثة واللعب مع الأرشيف وإعادة ترتيبه.

ألبومات عائلية واستديوهات قديمة

 كركّاب في قطار التكنولوجيا، يُفترض أن نتحرك للأمام، تاركين الماضي يغادرنا في المحطة، ولكن التطور التكنولوجي يقدم خدمة عكسية فريدة؛ القبض على الماضي والإحساس بتملكه من خلال إتاحة الأرشيف، بما يستدعيه هذا من إحساس بالتفوق؛ التفوق على الماضي، على الأقدم، على الأكبر سنًا. ولكن مع عسر هضم هذه المعطيات الجديدة مرة واحدة، يأتي ذلك الالتباس والارتباك المصاحب للمرحلة الحالية، مع الإحساس بالعجز عن التقدم الفعلي للأمام، لأن الصيغ السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحكم العالم لا تزال كما هي: أنت ترى ما تصبو إليه ممكنًا، ولكنك محشورهنا لا تستطيع التجاوز. مما يخلق وضعًا ارتداديًا وحالة هجينة من الرغبة في ممارسة الماضي بصيغ أكثر احترافية، ممارسته والتفوق عليه بالصنعة.

العمل لسها السرجاني من مدونة ورشة «اللعب بالضوء»

في ورشة «اللعب بالضوء»، يحاول المشاركون إحياء الماضي من سباته وإعادة ترتيبه بشكل جديد. اهتمت الورشة بالتنقيب عن الطرق الأرشيفية في صناعة المحتوى البصري، قبل سيطرة التكنولوجيا على العملية برمتها، مثل سها السرجاني التي جربت تعريضًا ضوئيًا مزدوجًا لآشعة سينية ونيجاتيف فيلم 35، لتجرب، للمرة الأولى، وحسبما أشارت في مدونة الورشة، العمل يدويًا داخل غرفة التحميض.

العمل لهند سمير، من تدوينتها على مدونة ورشة «اللعب بالضوء»

التكنولوجيا التي سهّلت التقاط الصورة، غيرت فلسفتها أيضًا، عبر تكسيرها القداسة النابعة من ندرة عملية التصوير. هدأت حمى حفظ الصور في ألبومات مجلدة بأغلفة سميكة، وتضاءل الخوف من تمزيقها. بل بالعكس، أضحى فعل تشويش الصور محببًا كسلوك انتقامي من قداسة ماض لا نستطيع الانفلات منه. ومثلما انتقم المشاركون والمشاركات في الورشة من التطور التكنولوجي، انتقموا من أرشيفهم الشخصي، باللعب على صور قديمة تخصهم، مجربين تغيير مواضع العناصر المكونة للصورة، بهدف إنتاج سياقات جديدة تعبّر عن مشاعرهم الخاصة.

كان للصور العائلية نصيب الأسد، فالعائلة تحضر في حياة «الفرد» بوصفها أرشيفًا؛ شيئًا قديمًا لكننا ما نزال في أسره، بالإضافة لامتلاكها سمة أخرى تعزز وضعها في سياق الاحتفاء بالأرشيف، وهي كونها «غير ديجيتال»، فأغلب المشاركين والمشاركات بالتأكيد فوق سن الخامسة عشرة.

في هذا المعرض ستقابل الأم والأب، هذا الأرشيف الشخصي العصي على التجاوز، في كل زاوية. المثير هو الروح النوستالجية المخلصة لمفهوم العائلة، خاصة الأم، الكائن الذي يرتاح الجميع لتصويره كمخلوق نوراني مخملي نرفل في ظل حنانه وعاطفته.

بلعبة معاكسة، وفي مواجهة قطار التكنولوجيا، اختارت رانيا فؤاد الكلاسيكية، وربما كان عملها «بنايات متوازية/ مقطع من المتوالية السادسة- فتيات في القمرة» أحد الأعمال التي تحمل انعكاسًا خاصًا لعالم داخلي. يتكون المشروع من لوحات زيتية مستنسخة يدويًا من كادرات مأخوذة من فيلم صوّرته مسبقًا لمجموعة من الممثلات في اليابان على متن سفينة وهن يتجهزن للصعود على المسرح، بالإضافة إلى الفيديو نفسه، ولقطات أخرى جرى اللعب عليها في غرفة التحميض. يتعامل مشروع «بنايات متوازية» مع سمات الوسائط الفنية كقيم تعبيرية بحد ذاتها عن الزمن، مسائلًا العلاقة بين الفيديو كزمن منسال متسرسب، واللوحة كزمن صلب يمكن القبض عليه.

الماضي كـ«جرح غير مندمل»، كان محل تركيز ورشة أخرى، وهي «نص مفتوح على الفوتوغرافيا» التي أدارتها الفنانتان هبة خليفة وغادة خليفة. كانت الطفولة والأرشيف العائلي محط الاهتمام بشكل صريح هذه المرة، حيثُ ناقشت المشاركات في اجتماعاتهن الدورية المكثفة، على مدار الورشة، التي امتدت بين أكتوبر 2016 إلى فبراير 2017، العلاقة مع الأهل وخطط الاستقلال.

في هذا المعرض ستقابل الأم والأب، هذا الأرشيف الشخصي العصي على التجاوز، في كل زاوية. المثير في أعمال الورشة هو الروح النوستالجية المخلصة لمفهوم العائلة، خاصة الأم، الكائن المقدس الذي يرتاح الجميع لتصويره كمخلوق نوراني مخملي نرفل في ظل حنانه وعاطفته.

تبعًا لما شاهدته، تثمّن الورشة ثيمتي «الفضفضة» و«الحكي» كوسيلتين لتجاوز الماضي، ولكن المشاركات اخترن عدم المساس بهذا الماضي

علّقت بعض المشاركات صورهن الشخصية مع والداتهن، مصحوبة بنصوص، مثلما فعلت رضوى طارق في عمل أخذ اسم «لعنة الأمهات»، بينما اختارت زينب مجدي في عملها «غرفة تخص زوزو وحدها»، تثبيت صور وخطابات شخصية، تترجم العلاقة مع نفسها أو مع العائلة، بمشابك غسيل على حبل، وهي الأخرى مصحوبة بنصوص كتبت للورشة.

عمل لرضوى طارق في المعرض

أما آية السيد فحلقت بعيدًا عن السرب في عملها «اجتياز»، بأعمال فوتوغرافية بديعة تلعب على معاني الوحدة والاختلاف وعدم القدرة على الاندماج. وبدلًا من الأم والأب، التقطت لنفسها صورًا مع الأثاث المنزلي، تعطي انطباعات موحشة وأليمة، بسبب فشل محاولاتها في أن تصبح جزءًا من هذا الأثاث. هي هنا شخص يشعر بالانفصال الاجتماعي ويرغب في الانتماء إلى كيان أكبر يحتويه، حتى لو كان دولاب المطبخ أو كراسي الصالون.

تبعًا لما شاهدته، تثمّن الورشة ثيمتي «الفضفضة» و«الحكي» كوسيلتين لتجاوز الماضي، ولكن المشاركات اخترن عدم المساس بهذا الماضي، بل التأكيد عليه بمعالجات طيبة بريئة تحمل قيمًا طفولية وكيوت، مغلفة بطيف من الشجن في نفس الوقت.

ما وصلني من المعرض كان الإحساس بالتخوف من ممارسة الغلط، أو التفوه بكلام غير «آمن» والتعبير عن النفس بشكل مستقل، الخوف من توديع الماضي والجماعة، وخلق ذات مستقلة بعيدًا عن العائلة.

اعلان