أقباط العريش يقضون العيد.. نازحين أو محاصرين
 
 

قررت عبير وزوجها عدم شراء ملابس جديدة لأطفالهما كما اعتادا كل عام احتفالًا بعيد القيامة: «أحتفل ازاي بالعيد واللي كان بيجّمعنا اتقتل؟ هنفرح بقيامة المسيح، لكن واحنا حزانى على اللي فقدناهم».

قُتل أخو عبير وأبوها في فبراير الماضي على يد مسلحين بمدينة العريش، وحُرق منزليهما أيضًا. نجا زوجها من الموت على أيدي الملثمين بالمصادفة، وفرت معه إلى مدينة الإسماعيلية، ضمن عشرات الأسر النازحة بعد تواتر عمليات استهداف أقباط العريش، التي أسفرت عن مقتل سبعة منهم خلال فبراير الماضي وحده.

«كنا بنتجمع في العيد أنا ووالدي وأمي وأخويا وزوجي وابني وبنتي، السنة دي رحت بيت أهل زوجي في القاهرة»، تقول عبير.

«السنة دي هنحتفل بالعيد أنا وزوجي بس بعد ما أجبرونا نسيب بيتنا»

يحتفل المسيحيون في هذا التوقيت من كل عام بذكرى أسبوع الآلام، الذي يبدأ بأحد السعف، الذي مر يوم الأحد الماضي، مرورًا بخميس العهد، والجمعة العظيمة، وسبت النور، وانتهاءً بعيد القيامة، الذي يوافق اليوم، الأحد.

يقول مصدر بالكنيسة الأرثوذكسية بالإسماعيلية، لـ«مدى مصر» إن عدد الأسر التي سُكنت بالمدينة بلغ 50 أسرة، بالإضافة إلى 110 أسر سكنت في مدينة المستقبل القريبة من الإسماعيلية، مشيرًا إلى أن عدد الأقباط النازحين من العريش بلغ نحو ألف شخص، بينهم 400 طفل.

وبحسب المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، يعود بعض النازحين إلى منازلهم بالعريش لجلب أغراضًا يحتاجونها، والبعض الآخر يذهب إلى أعماله بالعريش ويعود في نهاية الأسبوع.

«العيد في العريش كان ممتع، كنت أنا وزوجات ولادي نعمل الأكل وبعدين نروح القداس نصلي، ونرجع البيت نفطر، وتاني يوم نخرج نتفسح. السنة دي هنحتفل بالعيد أنا وزوجي بس بعد ما أجبرونا نسيب بيتنا»، تقول جاكلين، 55 عامًا موظفة بوزارة التربية والتعليم بشمال سيناء، وملامح الحزن تكسو وجهها أثناء إعداد الطعام لها وزوجها داخل شقة صغيرة -مقارنة ببيتها بالعريش- أجّرتها الكنيسة للأسرة بمدينة المستقبل، بأثاث متواضع؛ أريكتان ومنضدة وثلاثة كراسي بلاستيكية وثلاجة، استلمتها الخميس الماضي من الكنيسة الإنجيلية بالمحافظة.

«مش لاقي كلام يوصف لك شعوري النهاردة، ده أول عيد أقضيه خارج العريش من 40 سنة، أشعر بالقهر»

هذا العام لن تحتفل جاكلين وزوجها بالعيد في بيتهما بحي الزهور في العريش وسط أحفادهما وأبنائهما وزوجاتهم؛ فالبيت مهجور، والأبناء تشتتوا في محافظات مختلفة بالدلتا.

تضيف جاكلين: «زي اليومين دول كنا بنخرج الهدوم اللي مش بستعملها للمحتاجين، أما النهادرة، مش قادرين نشتري هدوم جديدة، كل ما نملكه سيبناه عشان خايفين من القتل، احنا هنا كمان خايفين من التهديدات التي نشرتها “داعش” من كام يوم، رغم التشديدات الأمنية حولينا».

بيان «ولاية سيناء»

شددت قوات الأمن بمحافظة الإسماعيلية الإجراءات الأمنية نهاية الأسبوع الماضي، ورفعت حالة استعداد الحراسات الموجودة بمحيط مساكن الأقباط النازحين، وعززت عدد  القوات المتواجدة أسفل البنايات التي يقطنها الأقباط، كما شددت من إجراءات دخول وخروج قاطنيها وزوارهم، وحثتهم على تركيب أقفال في البوابات الرئيسية، بالإضافة إلى تشديد إجراءات تأمين الكنائس بالإسماعيلية، عقب تفجيري كنيستي طنطا والإسكندرية الأحد الماضي، اللذين أسفرا عن سقوط 45 قتيلاً وعشرات المصابين، وأعلن تنظيم ولاية سيناء التابع لـ«داعش» مسؤوليته عنهما.

«احتفالنا السنة دي مش هيبقى احتفال بمعنى الكلمة زي ما كنا بنعمل في العريش؛ نعلق الزينة في البيت ونستقبل قرايبنا ونعمل عزومات، دلوقتي مش هنعمل حاجة غير الإفطار والصلاة، حزننا على قرايبنا الشهدا في الإسكندرية وطنطا زاد من حزننا على تهجيرنا»، تقول جاكلين.

كانت الكنيسة الأرثوذكسية قد ألغت أي مظاهر احتفالية بعيد القيامة، وحصرت الاحتفالات على قداس العيد فقط، والذي ستتلقى خلاله التعازي في ضحايا التفجيرين.

«فيه جهود بتبذل لعودة الأمور إلى سياقها الطبيعي، لكن لا أعتقد أن ده هيحصل في القريب العاجل. أتمنى نعيش للعيد الجاي»

«مش لاقي كلام يوصف لك شعوري النهاردة، ده أول عيد أقضيه خارج العريش من 40 سنة، أشعر بالقهر»، يقول جورج، موظف على المعاش بالإدارة الصحية في العريش، لـ«مدى مصر» قبل لحظات من توجهه لحضور قداس العيد بكنيسة مدينة المستقبل التي تم تسكينه فيها بعد نزوحه.

ويضيف بكلمات يتخللها الكثير من الصمت: «ما سبتتش العريش من أول ما استلمت شغلي هناك بعد استلامنا الإدارة الصحية في 1979، حاسس وكأني لاجئ رغم اني لسه في بلدي، ولكن العريش وطني، ما أعرفش هعمل إيه في العيد، ما أعرفش حد في الإسماعيلية في العريش كنت بعد أخذ البركة من سيدنا صباح يوم العيد، أخرج مع أصحابي أو مع أسرتي نتفسح، السنة دي هأكتفي بالصلاة والقعاد في البيت».

يعيش جورج مع زوجته وأصغر أبنائه الأربعة داخل شقة بمدينة المستقبل، ويقيم أحد أبنائه معه في نفس البناية، أما  الآخران فأحدهما يقيم في أحد المدن الصناعية بالقرب من العريش، حيث يعمل بأحد المصانع الحربية هناك، فيما فر الابن الأكبر مع زوجته وابنه الرضيع إلى مدينة الفيوم.

تلتقط زوجة جورج، الموظفة بوزارة التربية والتعليم، خيط الحديث قائلة: «نحتفل ازاي وفي شهداء؛ المسيحيين عائلة واحدة وشبكة واحدة، كلنا قرايب في بعضنا، احنا لسنا حزانى على استشهادهم، مع انهم مع المسيح دلوقتي، بس احنا حزانى عشان فراقهم، ومش عارفين هنفضل كده لإمتى».

قبطي مسن نزح مع أسرته من العريش إلى الإسماعيلية - المصدر: صموئيل محسن

اختفت مظاهر العيد في العريش نفسها، كما أخبر أيمن (اسم مستعار) «مدى مصر» من هناك: «احنا محبوسين هنا، ما نقدرش نعمل أي حاجة غير نروح الكنيسة في وقت محدد».

يقيم أيمن بمنطقة الضاحية بالعريش، حيث التواجد الأمني المكثف وذلك بسبب تواجد مبنى مديرية الأمن ومبنى المخابرات والسجن والمطرانية وبعض المصالح الحكومية، ومع ذلك لا يشعر بالأمان.

يضيف أيمن: «كان عندنا أربع كنائس في العريش، الصفا، والمساعيد، وبئر العبد، بالإضافة للمطرانية كان المئات يملأون الكنائس دي. دلوقتي كلها -باستثناء المطرانية- مقفولة بسبب التهديدات الأمنية، وكمان كتير من الأسر نزحت. الصلاة داخل الكنيسة في أسبوع الآلام لم تتجاوز 30 شخصًا يمثلوا ١٢ أسرة بس، هم اللي فضلوا في العريش».

تبددت أجواء العيد هذا العام، بحسب أيمن: «الأطفال حزانى، واحنا كمان، حتى احتفالية الأطفال اللي كنا بنظمها كل سنة اتلغت. الأمن طلب من بعض الأفراد المسيحيين بشكل غير رسمي، أن يرحلوا عن المدينة خلال الأيام دي ويروحوا الإسماعيلية عشان يبقوا في أمان».

لن يستطيع أيمن قضاء العيد هذا العام مع أصدقائه كما اعتاد كل عام، فأحدهم قُتل في فبراير الماضي، والباقون مشتتون بين أسيوط والقاهرة وطنطا والإسماعيلية، «أعتقد إني هزور واحد منهم يوم شم النسيم وأقضي اليوم معاه في الإسماعيلية»، يقول أيمن.

يعقد أيمن الآمال في أن تتحسن الأوضاع بالعريش حتى يتمكن من ممارسة حياته بصورة طبيعية، وأن يستطيع أطفاله العيش دون الخوف من القتل، قائلًا: «فيه جهود بتبذل لعودة الأمور إلى سياقها الطبيعي، لكن لا أعتقد أن ده هيحصل في القريب العاجل. أتمنى نعيش للعيد الجاي».

اعلان
 
 
موسى إبراهيم