في أسبوع الآلام: الاعتداءات الطائفية تتجدد في «كوم اللوفي»
هجوم على أقباط القرية بسبب صلاة خميس العهد، وشاهد عيان: «الأمن حدد لنا منزلًا للصلاة، وكان شاهدًا على الاعتداء علينا بعدها، ولم يقبض على أيٍ من المعتدين»
 
 
 
من محيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، في أعقاب تفجير أحد السعف - المصدر: سارة يونس
 

تجددت الاعتداءات ضد أقباط قرية كوم اللوفي بمحافظة المنيا صباح أمس الخميس، أثناء خروجهم من أداء صلاة خميس العهد، حيث ألقى مجموعة من أهالي القرية الحجارة على المصلين الأقباط مما أدى لإحداث إصابات متعددة لم يتم حصرها، بحسب شهادة أحد الأقباط المعتدى عليهم لـ «مدى مصر».

وفيما قال الشاهد، الذي فضل عدم ذكر اسمه حفاظًا على سلامته، إن أقباط القرية محتمون حاليًا ببيوتهم خوفًا من تجدد الاعتداءات، خاصة مع وجود تاريخ سابق من العنف الطائفي داخل القرية، أوضح تفاصيل ما جرى بالأمس.

وبحسب ما قال لم يكن أقباط القرية على دراية بالمكان الذي سيؤدون فيه الصلاة، حتى أتت لهم التوجيهات الأمنية بالصلاة في منزل معين، واستكمل: «طلعنا من الصلاة لقيناهم بيحدفوا علينا طوب. الشيء اللي يوجع إنهم كانوا بيقولوا: إلحقوا، المسيحيين بيصلوا. أنا مش عارف إيه المشكلة إن المسيحيين يصلوا؟ يا ريتهم كانوا يقولوا: إلحقوا المسيحيين بيقتلوا، على الأقل هيكون معاهم حق».

وفي حين أوضح شاهد العيان أن أقباط القرية كانوا خلال الفترة الماضية يقصدون القرى المجاورة للصلاة مع مسيحييها، قبل أن يعترض أهالي تلك القرى من المسلمين، رافضين قدوم مسيحيين من خارج قراهم للصلاة «عندهم»، أضاف أن الاعتداءات ضدهم حدثت في وجود قوات الأمن التي قامت بالفصل بين المعتدين والمعتدى عليهم، واكتفت بتفريق المعتدين دون القبض على أيٍ منهم.

وبحسب روايته، فقد تم في مساء اليوم نفسه حرق مجموعة من البيوت غير المسكونة الموجودة على أطراف القرية، والمملوكة لأقباط.

ويسود الهدوء القرية حاليًا بحسب شاهد العيان الذي استطرد: «المسلمين بيصلوا الجمعة دلوقتي والأمن منتشر في شوارع القرية وإحنا قاعدين في بيوتنا مش بنخرج منها خايفين على نفسنا وعيالنا ومش عارفين هنصلي صلاة العيد فين ومستنيين المطرانية».

ولم يصدر عن مطرانية سمالوط التابعة لها قرية كوم اللوفي أي تصريحات رسمية في هذا الشأن، ولم يكن أي من مسئولي المطرانية متاحين للرد على تساؤلات «مدى مصر».

ويحتفل المسيحيون في هذا التوقيت من كل عام بذكرى أسبوع الآلام، الذي يبدأ بأحد السعف، الذي مر يوم الأحد الماضي، مرورًا بخميس العهد، والجمعة العظيمة، وسبت النور، وانتهاءً بعيد القيامة، الذي سيوافق الأحد المقبل. وهو العيد الذي قررت الكنائس المصرية إلغاء الاحتفال به هذا العام حدادًا على أرواح ضحايا تفجيرات أحد السعف، مكتفية بآداء الصلوات.

وتعود أحداث العنف الطائفي في القرية للعام الماضي، حيث كان أهالي القرية من الأقباط يرغبون في تحويل أحد المباني إلى كنيسة، إلا أن قوات الأمن أغلقته نظرًا لرفض مسلمي القرية بناء الكنيسة، وهو ما حدا بالأقباط للصلاة في منزل أحدهم. وفي الثلاثين من يونيو الماضي، انتشرت في القرية شائعة مفادها أن أحد الأقباط ينوي تحويل منزله الذي يشرع في بنائه إلى كنيسة، ومع انتشار الشائعة أقدم صاحب المنزل، أشرف خلف، وأسرته، على الذهاب إلى قسم الشرطة وكتابة تعهد بأنه يبني المنزل لأغراض شخصية وليس لبناء كنيسة.

إلا أن هذا التعهد لم يمنع عدد من أهالي القرية من التعدي على منزل خليفة وحرقه ومعه منازل خمسة أقباط آخرين، ما أجبر خليفة وأسرته بالكامل على النزوح للقاهرة والتظاهر أمام مجلس النواب في محاولة لمخاطبة السلطات للمطالبة بمحاسبة المحرضين والمشاركين في الاعتداءات الطائفية داخل القرية. وفي حديث سابق مع «مدى مصر»، قال أحد أفراد الأسرة إن أفراد عائلته يشعرون بالتهديد والخوف الشديد على حياتهم، ما دفعهم لمغادرة القرية والمجيء للقاهرة، وأضاف: «لو القانون والريس مش هينصفونا، يطلعونا من البلد بقى، إحنا مش راجعين كوم اللوفي غير لما ناخد حقنا».

ولم يتسن لـ «مدى مصر»التأكد من عودة خلف وأسرته للقرية منذ خروجهم منها.

كانت السلطات قد أخلت سبيل المتورطين في أحداث العنف السابقة في القرية، وهو الأمر الذي تكررعلى مدار العام الماضي في أحداث عنف طائفي مشابهة في قرى مختلفة بمحافظة المنيا. والتي كان أشهرها ما شهدته قرية الكرم، من الاعتداء على السيدة سعاد ثابت وتعريتها من ملابسها إثر اندلاع اشتباكات طائفية بالقرية نتيجة انتشار شائعة عن وجود علاقة عاطفية ربطت بين ابن السيدة سعاد وامرأة مسلمة، وهي الاشتباكات التي تم على إثرها حرق منازل مملوكة لأقباط بالقرية.

وبعد ستة أشهر من اعتذار الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيًا للسيدة سعاد ثابت، وفي منتصف يناير الماضي، قامت النيابة العامة بحفظ التحقيقات في الاتهامات الموجهة ضد عدد من المتورطين في الاعتداء عليها. وقتها، قال المحامي إيهاب رمزي لـ «مدى مصر» إن الحفظ يعود «لعدم كفاية الأدلة» وهو ما وصفه بأنه «سابقة من قبل النيابة العامة، تخالف كل أعراف العمل النيابي».

وتأتي اعتداءات الأمس في كوم اللوفي بعد مرور أقل من أسبوع على تفجير كنيستي مار جرجس بطنطا والكنيسة المرقسية في الإسكندرية، يوم الأحد الماضي، واللذين خلفا أكثر من 45  قتيلًا و120 مصاباً. وهما التفجيرين اللذين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ في البلاد في أول رد فعل رسمي بعدهما، وذلك خلال خطاب شديد اللهجة أعلن خلاله أيضًا تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتطرق كذلك لضرورة تجديد الخطاب الديني، فضلًا عن انتقاده الآداء الإعلامي.

غير أن تجدد العنف الطائفي في كوم اللوفي، والتعامل الأمني مع الحادثة، ومع أحداث مشابهة سابقة، لا يتماشى مع خطاب رئيس الجمهورية، وذلك من وجهة نظر إسحاق إبراهيم، الباحث في شؤون حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي أكد أن تجدد الاشتباكات في كوم اللوفي يعكس عدم تواجد الإرادة السياسية لتطبيق القانون، وتفعيل ضمانات الحقوق القانونية والدستورية المكفولة للأقباط بممارسة حقهم في العبادة، مضيفًا: «لم تكن قوات الأمن في حاجة إلى قانون الطوارئ بالأمس، فقانون العقوبات ينص على معاقبة المعتدين على الأفراد بهدف ترويعهم والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وهو ما لم يحدث».

بالنسبة لإبراهيم، فإن الدولة تتعامل مع ما أحداث العنف الطائفي المماثلة بما أسماه «المسكنات»، من خلال اللجوء للحلول العرفية التي تفرض شروطًا مجحفة بحق الأقباط بدلاً من تطبيق القانون وتقديم الجناة للعدالة، وهو ما أوضحه قائلًا: «في حالة كوم اللوفي قادت الدولة جلسات عرفية لإقناع الأهالي المسلمين أن يقبلوا بأن يصلي الأقباط داخل منزل أحدهم بسلام، واستجابت لطلباتهم بعدم بناء الكنيسة أو عدم إقامة الصلوات وهي مطالبات غير قانونية وغير دستورية إطلاقًا».

ويعتبر الصلح العرفي ظاهرة عامة للتعامل مع أزمات العنف الطائفي بين المسلمين والأقباط خاصة في صعيد مصر. وبعد حادثة الكرم، عمدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى رفض جلسات الصلح العرفي التي سارعت الدولة لعقدها متمثلة في قيادات محلية ومبادرة «بيت العائلة» التابعة للأزهر. وكانت الأخيرة قد أعلنت عن افتتاح مقرين لها في مدينتي ملوي وسمالوط بمحافظة المنيا، التي حازت النصيب الأكبر من أحداث العنف الطائفي مؤخرًا، والتي تشهد تركز أكبر عدد من المواطنين الأقباط في مصر.

وقالت دراسة أعدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن هناك قرابة 45 حادث عنف طائفي انتهت بالصلح العرفي في السنوات الخمس الأخيرة، وأن هذا الصلح يؤدي غالبًا لتعميق النزاعات الطائفية بدلًا من حلها وتضر بمبدأ المواطنة والعدالة والمساواة.

ومرر مجلس النواب في أغسطس الماضي قانون بناء الكنائس، وكانت «المبادرة المصرية» قد أصدرت دراسة في شهر نوفمبر من العام الماضي بعنوان «مغلق لدواعٍ أمنية: التوترات والاعتداءات الطائفية بسبب بناء وترميم الكنائس». وجاء بها أن قانون بناء الكنائس الجديد لم يتجاوز شرعنة اﻷمر الواقع القائم على التمييز الصريح بين المواطنين المصريين من حيث الحق في ممارسة شعائرهم الدينية «عن طريق ترتيب شروط غاية في التعقيد ﻹقرار بناء كنائس جديدة، وإسناد مهمة تنظيم بناء دور العبادة عمليًا وبشكل شبه حصري للأجهزة اﻷمنية، فيما يعد وصفة جاهزة لإعادة إنتاج ظواهر العنف الطائفي مرة أخرى».

وتجسدت هذه المخاوف من خلال قرار رئيس مجلس الوزراء في يناير الماضي بإنشاء اللجنة المنوط بها النظر في طلبات توفيق أوضاع الكنائس في مصر. وتضمن قرار رئيس الحكومة أن تتشكل اللجنة من 10 أعضاء، هم: وزراء: الدفاع، والإسكان، والتنمية المحلية، والشؤون القانونية ومجلس النواب، والعدل، والآثار، وممثل عن المخابرات العامة، وممثل عن هيئة الرقابة الإدارية، وممثل عن قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، بالإضافة إلى ممثل الطائفة المعنية.

حينذاك، قال إبراهيم لـ «مدى مصر» إن «طريقة تشكيل اللجنة والتصويت على قراراتها يؤكد المخاوف من ألا يتم توفيق كافة أوضاع الكنائس والمباني التي يُجرى بها صلوات دينية».

وشرح إبراهيم تخوفه قائلًا إن اللجنة يغلب على تشكيلها «الطابع الأمني»، مما يجعل قراراتها خاضعة لـ «مواءمات أمنية»، متسائلًا: «لماذا لم تضم اللجنة في تشكيلها قانونيين أو أعضاء من المجتمع المدني المعني بهذا الشأن؟».

اعلان
 
 
مي شمس الدين