التنظيمات المسلحة من الصحراء إلى المدن: استراتيجيات مختلفة

طرحت العمليات الإرهابية الأخيرة في الدلتا والإسكندرية الكثير من الأسئلة الملحة المتعلقة بعمل التنظيمات المسلحة، منها مثلًا، هل انتقلت «ولاية سيناء» للعمل في القاهرة؟ كيف تتماشى رواية الدولة عن تكبيد المسلحين خسائر كبيرة في سيناء، مع الممارسات التحكمية لهؤلاء المسلحين؟ وهل استطاعت الدولة أصلًا التفوق على عمل هذه التنظيمات في سيناء؟

كل هذه الأسئلة وغيرها، وإن كان الكثير منها يظهر بسبب إغفال متابعة المواجهة في سيناء بالأساس، أو لاعتبارات نفسية جرّاء الصدمة المجتمعية، ضرورية بشكل لا مفر منه لفهم مجمل الوضع السياسي الراهن.

المواجهة في سيناء

يمكننا القول إن المواجهة في سيناء بين التنظيمات المسلحة والقوى الأمنية، جيشًا كانت أو شرطة، أتت بنتائج إيجابية على المستوى السريع، وزرعت المزيد من بذور العداء مع الدولة على المستوى الاستراتيجي.

على غير المتوقع، يبدو أن الدولة لها استراتيجيتها الفعالة في المواجهة العسكرية مع المسلحين. وتشمل هذه الاستراتيجية إخلاء مناطق سكنية بأكملها من الخريطة، وأولاها كانت رفح المتاخمة لقطاع غزة، ما يضطر المسلحين لتشكيل جيوب لهم في مناطق معزولة، ما يسهّل بدوره مهمة الأمن المعلوماتي من جهة، ومن الجهة الأخرى فإنه يدخل الضربات الجوية في المعادلة بفعالية أكثر.

وتكمن المشكلة هنا، في أن هذا الأسلوب، الذي يقارب أسلوب الغارات الجوية الروسية على مواقع المعارضة المسلحة في سوريا، ترتفع تكلفته البشرية في حالة اقتراب المواقع المحتملة من التجمعات السكنية، وقد يكون هذا ما حدث عدة مرات في الشيخ زويد تحديدًا.

هذا التكتيك من قبل الدولة يتيح لها تفوقًا نسبيًا على المستوى السريع والمباشر، لكنه يترك آثارًا اجتماعية تصب لصالح المسلحين على المستويين المتوسط والبعيد.

أولا: تشكّل حرب الدولة على الأنفاق مشكلة اجتماعية كبيرة لشرائح مختلفة من سكان شمال سيناء، بدءًا من صاحب النفق ومديره، وحتى عمال اليومية الذين عملوا في الحفر والنقل والشحن. انتزاع فرص العمل من هؤلاء، بعد أن كانت توفر دخلًا جيدًا لهم، يضطرهم للتعاون مع المسلحين.

ثانيًا: عزل المسلحين وإجبارهم على التمركز، ومن ثم قصفهم، مع وجود خسائر جانبية من طرف المدنيين، سواء في الأرواح أو الممتلكات، يرفع الميل الثأري لدى المجتمع، ما يقوي نفوذ المسلحين، خاصة مع إدراك الأخيرين لهذا الميل الثأري، وهذا ما يفسر التركيز على مشاهد المدنيين القتلى في المواد الدعائية الصادرة عنهم.

بدأت عناصر «ولاية سيناء» العمل بطرق مختلفة، تقوم بشكل أساسي على محورين؛ تهديد المقاتل النظامي بشكل فردي، والتحول إلى العمليات الاستعراضية بدلًا عن عمليات القوة والخسائر الكبيرة

انعكس التفوق النسبي للقوات الأمنية على تحولات كبيرة في شكل العمليات المسلحة للتنظيم الأساسي في سيناء، «ولاية سيناء»، وتقريبًا اختفت العمليات الواسعة المعتمدة على ما سُمي بـ«الانغماسيين»، أي المقاتلين المقتحمين لصفوف الخصم، والذين يقاتلون حتى يُقتلوا أو يقتلوا الآخرين. وكذلك اختفت العمليات المتزامنة التي تستهدف ارتكازات أمنية مختلفة في نطاق جغرافي واسع.

هنا، بدأت عناصر «ولاية سيناء» العمل بطرق مختلفة، تقوم بشكل أساسي على محورين؛ الأول تهديد المقاتل النظامي، سواء من الجيش أو الشرطة، بشكل فردي. والثاني هو التحول إلى العمليات الاستعراضية بدلًا عن عمليات القوة والخسائر الكبيرة.

نبدأ من المحور الأول، فعندما أذاع التنظيم، أول أمس الثلاثاء، مقطعه المصور الأخير «صاعقات القلوب»، بدا واضحًا أن التهديد الذي حمله لم يأتي بنتائجه المرجوة. رغم الجودة الفائقة في التصوير والتحرير، إلا أن القناصات كانت قديمة، ومعظم الطلقات لم تصب الأهداف إصابات قاتلة. لكن ما أكده المقطع المصور هو أن مسألة قتل الجنود والضباط بشكل فردي، باتت خبرًا يوميًا، يتعامل معه الجميع في هذا السياق. سواء من ناحية المسلحين، الذين يذيعون أخبارًا شبه دورية تتبنى أكثر من عملية اغتيال فردي على مدار عدة أيام. أو من ناحية الإعلام العسكري للدولة، الذي يضع أخبار الضحايا من ضمن باقي نتائج عمليات «قوات إنفاذ القانون»، أو حتى من زاوية تناول الصحافة والإعلام، وبالتالي تُمرَّر هذه الأخبار كخبر يومي معتاد.

في المحور الثاني، يمارس «ولاية سيناء» في الواقع طقوسًا دولتية في عدة مناطق في شمال سيناء، ليس من باب القوة والسيطرة الجغرافية، على غرار تنظيمات «الدولة الإسلامية» في الرقة أو الموصل مثلًا، وإنما من باب الإفلاس الحركي وعدم القدرة على تنفيذ عمليات واسعة على نسق «كرم القواديس» أو «كمين الصفا».

في هذا السياق، تمارس عناصر التنظيم أداءات حياتية يومية، مثل تحريك مواكب بالسيارات تحمل أعلام التنظيم، أو إنشاء كمائن متحركة في الطريق بين العريش ورفح، أو اعتراض حافلات تقل معلمات إناثًا لإجبارهن على ارتداء الزي الإسلامي واصطحاب محرم معهن في التحرك، أو الترويج لتطبيق الحسبة والاستتابة على الصوفيين وباعة الدخان. مثل هذه الممارسات لا تعبر بالطبع عن السيطرة، لكنها قادرة على إرباك المجتمع وبث الشعور العام بالإرهاب.

ماذا عن الدلتا؟

رغم ضمها لرموز من السلفية الجهادية، إلا أن الدلتا نجت تاريخيًا من عمليات التنظيمات الإسلامية المسلحة. لا يعني هذا أن عمل «ولاية سيناء» فيها كان جديدًا، وإنما مهّد له عمل تنظيم «أجناد مصر»، ثم «أنصار بيت المقدس» الذي بايع «داعش» في ما بعد، وبات «ولاية» من ولايات «الدولة الإسلامية».

في أبريل من العام 2015، أعلنت وزارة الداخلية تصفية همام محمد عطية، والذي وصفته برأس تنظيم «أجناد مصر». وكان التنظيم قد نشط بالفعل لمدة سنتين، بدأهما بزرع عبوات ناسفة في محيط قصر الاتحادية الرئاسي عقب إعلان فوز الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في الانتخابات.

يعرف المسلحون أن نمط الاشتباك في صحارى وجبال سيناء يختلف كثيرًا عنه في مدن وقرى الدلتا ووادي النيل

ورغم النجاح المعلوماتي الواضح في ما قالت الداخلية إنها حققته، إلا أن شكوكًا كثيرة أحاطت بنتائج عملية التصفية، إذ أن التنظيم العنقودي الذي خسر رأسه، لا يزال يحتفظ بخلايا صغيرة متفرقة، على الأغلب ليست على اتصال فيما بينها، لديها سلاح، وتحتاج إلى إطار تنظيمي آخر لاحتوائها، ما يجعلها جاهزة للانضمام لأي تنظيم يستطيع الوصول لها.

يعرف المسلحون، لأسباب متشابكة ومعقدة، لا مجال لذكرها هنا، أن نمط الاشتباك في صحارى وجبال سيناء يختلف كثيرًا عنه في مدن وقرى الدلتا ووادي النيل، ففي تلك المناطق لا مجال للاشتباك في أنماط حرب الشوارع، وإنما الأنسب تنفيذ العمليات الانتحارية أو الهجمات المتفرقة على الكمائن الثابتة، والتي باتت منحسرة بالأساس.

في هذا السياق، وبتغير شريحة الاستهداف إلى الأقباط، مع ما يشكله هذا من بنك أهداف واسع ومتاح، يستحيل تأمينه بالكامل، فإن الأمر لا يكبّد التنظيم تكلفة كبيرة مثل تلك التي يدفعها في سيناء. بكلمات أخرى، لكي يتمكن التنظيم من خوض حرب عصابات مع القوى الأمنية في سيناء، فإنه بحاجة لقوة تنظيمية تقدر بالآلاف. أما في الدلتا، ولكي يستطيع تنفيذ عملياته الانتحارية، فإنه لا يتكلف سوى العشرات المعدودة، للتخطيط والرصد وحتى التنفيذ، على أن النتيجة هنا تكون أكثر إيلامًا، بقتل عشرات المدنيين العزل، من تلك التي باتت أخبارًا يومية في سيناء.

المواجهة الأمنية في الدلتا

إذا كان الاعتماد الأساسي في المواجهة في سيناء على القوة العسكرية الثقيلة والعزل الجغرافي والمواجهات المباشرة، بدعم أساسي من الأمن المعلوماتي، فإن تلك المواجهة المفترضة في الدلتا تعتمد بشكل شبه كلي على المعلومات.

على مستوى المعلومات، طالما اعتمدت الأجهزة الأمنية على شبكة اجتماعية واسعة ومركبة، تتداخل بين البلطجية وتجار المخدرات والسلاح. هؤلاء هم مرشدو الدولة الطبيعيون في هذه الحرب، منذ التسعينات، وحتى الاستعانة بهم في انتخابات الحزب الوطني قبل ثورة يناير لمواجهة المتظاهرين. استطاعت هذه الشبكة التعامل مع الرموز التقليدية للإخوان المسلمين، أو حتى بعض عناصر جماعات السلفية الجهادية، لكنها لم تثبت جدارة في التعامل مع الجدد. خاصة وأن العناصر النشطة في هذه المناطق لديها علم بديهي بالتداخل بين هذه الشبكات والقوى الأمنية.

كانت هاتان العمليتان بداية لما سُمي لاحقًا بـ«عمليات ملاحقة المتعاونين»، وتكررت في كل من الشرقية والفيوم ودمياط وبني سويف، لشهور كاملة قبل ظهورها في سيناء

هنا نذكر مثلين لهما دلالة بالغة على توضيح مدى قصور الشبكة الاجتماعية التي عدتها الأجهزة الأمنية مصدرًا رئيسيًا للمعلومات. في محافظة الشرقية يعد كل من مركز بلبيس وقرية القرين متقاربين بشكل ما في تركيبة تجارة الممنوعات، سلاحًا كان أو مخدرات، أو في العناصر المرتبطة بالحزب الوطني المنحل. وكان لافتًا أن المنطقتين شهدتا عمليات مطابقة لعمليات جماعة «العقاب الثوري»، المحسوبة على الإخوان المسلمين، والتي تشير الكثير من الدلالات لكون اختفائها عن الساحة جاء لصالح ظهور حركتي «حسم» و«لواء الثورة».

في بلبيس، استطاعت عناصر مجهولة من «العقاب الثوري» استهداف عناصر من الشرطة بشكل مباشر، دون نجاح في ملاحقة هذه العناصر، مثل اغتيال الشرطي أحمد محمد سعيد في بلبيس، بعد أن عرّفته الحركة بأنه كان يشرف بنفسه على إيصال القوى الأمنية إلى منازل المطلوبين للاعتقال من الإخوان المسلمين.

وفي القرين، في يوليو من نفس العام، تبنى التنظيم قتل مدني يدعى عطية الحاروني، قائلة إنه كان مرشدًا لقوى الأمن، وساعدهم في القبض على عدد من المطلوبين في القرية.

كانت هاتان العمليتان بداية لما سُمي في ما بعد بـ«عمليات ملاحقة المتعاونين»، وتكررت في كل من الشرقية والفيوم ودمياط وبني سويف، لشهور كاملة قبل ظهورها في سيناء.

في نهاية الأمر، ورغم تلاحق الهزائم في صفوف «داعش» على المستوى الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، ورغم أيضًا ما بدا وكأنه تفوق لصالح الدولة على حساب المسلحين في سيناء، إلا أننا أمام حرب مكشوفة مع خصم خفي، تنكشف أمامه الأهداف في كل زاوية من زوايا الدولة. وربما تطرح هذه الإشكالية ضرورة أخرى على الدولة، تختلف عن تلك المعهودة في فرض قانون الطوارئ، أو فتح باب الاعتقالات والمحاكمات العسكرية.

ربما يكون على الدولة التعامل مع المسألة بعقلية أمنية، لا بوليسية.

اعلان
 
 
 
 
 
  • Mohamed Ateya

    ما هو الفارق المقصود بين العقلية الأمنية و العقلية البوليسية ؟

  • Horus

    غالبا أمن المواطن والمجتمع مش النظام والطبقة الحاكمة الطفيلية

  • Horus

    أسجل اعجابي بجودة المقال في الأول وثانيا أعرب عن تحفظي الشديد على الاستخدام المفرط لمصطلح “الدولة” في غير موضعه مقابل أي من المصطلحات السُلطات/الحكومة/النظام خاصة في ضوء المناخ القمعي والاستبدادي وسيطرة وطغيان الخطاب الفاشي والتعبوي الرخيص في الاعلام والمحاولات المقززة والمنفرة من صبيان الأذرع لإنزال الطبقة الحاكمة منزلة الآلهة أو أنصاف الآلهة وأنهم من طينة والشعب من طينة تانية خالص بس عموما أشيد بالكاتب أنه استخدم مصطلح صحفي مهني هو “ضحايا” وفضله على المصطلح الديني “شهيد” لوصف الأبطال اللي لقوا حتفهم في سينا لاخماد حركة التمرد الجهادية هناك