العائدان من سوريا: تتبع مسار حياتي أبي البراء وأبي إسحاق المصريين
 
 

في ظل قلة المعلومات حول هويات الضالعين في تفجيرات أحد السعف، وتضارب التغطيات الإعلامية التي حوى بعضها معلومات متضاربة، يحاول «مدى مصر» تتبع وتدقيق المتاح حول مسارات حياتي الانتحارييَن اللذين قاما بتنفيذ عمليتي طنطا والإسكندرية.

جاء إعلان تنظيم ولاية سيناء عن مسؤوليته عن تفجيرَي كنيستي مار جرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية فوريًا ووافيًا، على عكس أداء الجهاز الإعلامي التابع لتنظيم «الدولة الإسلامية» في عملية تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة في ديسمبر من العام الماضي.

فورية الإعلان هذه المرة، بعد قرابة ساعتين من التفجير الثاني، قطعت الفرصة على أي جهة أخرى للتنبؤ أو لتحليل الحدث.

وفي حين كان إعلان هوية منفذ البطرسية، قبل أربعة أشهر، من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي في اليوم التالي للحادث، تأخر تبني داعش للعملية بيوم عن كشف السيسي لهويته، ويومين على التفجير نفسه.

شمل إعلان ولاية سيناء هذه المرة تحديد كُنية منفذي العملية؛ أبو البراء المصري تولى كنيسة الإسكندرية، وأبو إسحاق المصري تولى الأخرى في طنطا.

عقب إعلان التنظيم عن «الأسماء الجهادية» للانتحاريين الإثنين، تزايدت التقارير الإعلامية والصحفية لتتبع مسار حياتَي الشخصين. تختلف التحليلات الصحفية بشأن هوية الانتحاري أبو البراء المصري، بينما بدت قصة أبي إسحاق المصري أكثر وضوحًا. في حين لم تكشف أي جهة رسمية معلومات وافية بشأن التحقيقات الجارية في التفجيرين خلافًا للإعلان المباشر للدولة بعد حادث البطرسية.

يعتمد «مدى مصر»، في تتبعه لما تم تداوله عن الانتحاريين، على تصريحات لمسؤولين أمنيين، وكذلك على وثائق شبه مؤكدة سربها أحد المنشقين عن التنظيم في سوريا لموقع تابع للمعارضة السورية، وأكدتها الاستخبارات الألمانية، بحسب ما نقلت الصحافة.

كانت صحيفة «زمان الوصل» المحسوبة على المعارضة السورية قد بدأت منذ مارس من العام الماضي في نشر وثائق قالت إنها حصلت عليها من أحد المنشقين عن التنظيم، وشملت الوثائق «بيانات المجاهدين» التي ضمت معلومات عن المقاتلين الأجانب في صفوف التنظيم، ومنهم 101 مصري.

ونقل موقع «سي إن إن» الأميركي عن المتحدث باسم الشرطة الاتحادية الألمانية ماركوس كوثز قوله: «نعتقد أنه من المحتمل جدًا أن تكون هذه الوثائق أصلية (..) نأخذ ذلك بعين الاعتبار، والأجهزة الأمنية تحقق فيها».

وبين أسماء المقاتلين المصريين في صفوف التنظيم في سوريا، جاء اسما أبو البراء وأبو إسحاق واضحين بالاستمارة التعريفية لهما، وملحقًا بهما بياناتهما الرسمية. وحملت بطاقة بيانات «أبو البراء» اسم أمه، وتاريخ ميلاده في 13 ديسمبر 1974، وعنوانه وهو قرية أبو طبل في محافظة كفر الشيخ، وعمله كسائق، وكونه متزوجًا ولديه ثلاثة أبناء، وأنه سبق له السفر إلى السعودية وليبيا ولبنان، وأنه وصل إلى سوريا من الحدود التركية، كما صنفته كـ «استشهادي».

أما تلك المتعلقة بأبي إسحاق، فهو مولود في 1 سبتمبر 1990، أعزب، من مدينة منيا القمح في محافظة الشرقية، سبق له السفر والعمل في دولة الكويت، وصل إلى سوريا من الحدود التركية، وسبق له العمل مع تنظيم «جبهة النصرة». وقد كُتب في خانة الملاحظات أن هذا التنظيم يحتجز جواز سفره.

ونشرت جريدة «القبس» الكويتية أمس تقريرًا عن المنفذَين، قالت فيه إن أحدهما دخل إلى الكويت في أكتوبر الماضي للعمل بشركة تجارة ومقاولات. ونقلت عن مصدر أمني، لم تُسمِه، قوله إن جهاز أمن الدولة الكويتي استدعاه بناءً على معلومات تلقاها من الأجهزة الأمنية المصرية، وحقق معه وثبت تورطه في علاقات مع التنظيم المتطرف. وأضاف المصدر، في تقرير القبس، أن الكويت سلمته إلى السلطات المصرية.

حسب رواية الجريدة الكويتية اختفى ذِكر أبو إسحاق المصري حتى ظهر في بيان التنظيم بوصفه المنفذ الرئيسي لعملية الإسكندرية، وهي الرواية التي تُخالف ما أعلنه داعش، فقد نسبَ التنظيم، في بيانه، لأبي إسحاق المصري تفجير كنيسة طنطا بينما كان أبي البراء المصري المسؤول عن حادث المرقسية.

إذن، هذا هو مسار أبو إسحاق: انتسب إلى «الدولة الإسلامية» في 26 ديسمبر 2013، منتقلًا من «جبهة النصرة»، ثم سافر إلى الكويت التي كان مقيمًا فيها من قبل. اعتقلته السلطات الكويتية، بتهمة الانضمام إلى داعش وسلمته للسلطات المصرية، ثم انقطعت أخباره، حتى صباح الأحد الماضي، إن صحت هذه المعلومات، انتحاريًا مستهدفًا الكنيسة وقت الصلاة.

غير أن رواية أبو البراء تبدو أكثر تعقيدًا.

إذا عدنا إلى أرشيف الأخبار ومستندات داعش المسربة على موقع زمان الوصل السوري، يظهر شخصان مصريان يحملان نفس الكُنية، كلاهما أبو البراء المصري، أحدهما ولد بمحافظة كفر الشيخ ولم يسبق له الانخراط في أي أعمال جهادية، وبدأ نشاطه مع «داعش» في سوريا.أما الآخر فمن مدينة السويس، وسبق أن ألقي القبض عليه، وكان على صلة بحركة «حازمون» المرتبطة بالسياسي المعتقل حازم صلاح أبو إسماعيل -الذي سبق أن اعترف، في أوقات مختلفة، بأن «شبابه يشاركون سوريا في الجهاد».

ونقلت صحيفة الحياة اللندنية عن مصادر أمنية، لم تسمها، قولها إن أبي البراء «معروف عنه الانتماء إلى حركة حازمون (..) واتهمته السلطات المصرية في العام 2014 بتجنيد شباب مصريين للانتماء إلى «داعش» وتولي مسؤولية تسفيرهم إلى سوريا، وهو واحد من المتهمين الفارين في قضية خلية «داعش» في السويس، الموقوف على ذمتها بضعة شباب. وسبق أن ألقت قوات الأمن القبض عليه في العام 2013، أثناء تظاهرة لجماعة «الإخوان المسلمين» في محافظة السويس، واتهم حينها بـ «العنف»، لكن صدر قرار من النيابة العامة بإطلاقه، وبعدها اختفى».

غير أن الفرضية التي طرحتها «الحياة» خالفت ما جاء في الأوراق المسربة من تنظيم داعش في سوريا، كما خالفت تصريحات المصادر الأمنية التي تحدثت لوسائل إعلام محلية وعربية.

ما يزيد الشكوك حول هذه الفرضية ما ورد في موقع العربية، في أكتوبر الماضي، عن جولة من المعارك بين قوات الجيش التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، وعناصر من تنظيم «داعش» في عدة مناطق في سرت، أسفرت عن مقتل «القيادي» في صفوف التنظيم أبو البراء المصري. الأمر الذي قد يخلق احتمالية أن هذا المقتول في ليبيا هو نفسه أبو البراء، القادم من السويس، ليزيد من رجحان فرضية أن يكون مُفجِّر الكنيسة المرقسية هو المصري المولود بمحافظة كفر الشيخ.

وحسب الاحتمالية الأخيرة، التي تتفق مع أوراق داعش المسربة، نقلت «المصري اليوم» عن مصادر، لم تسمها أيضًا، تأكيدات بأن أجهزة الأمن تحفظت على شقيق المشتبه به في تنفيذ تفجير الإسكندرية، وأن نتيجة فحص الحمض الوراثي بينه وبين بعض الأشلاء كانت «متطابقة».

وأكدت المصادر أيضا، أن شقيق المشتبه به قال إن شقيقه كان يعتاد السفر إلى ليبيا، وهو ما يتفق أيضا مع أوراق داعش، ولم تكن الأسرة تعرف مواعيد وطرق سفره، وأن آخر ما سمعوه عنه، كان في اتصال منه إلى زوجته منذ 25 يوم، قال فيه أنه سيعود قريبًا.

ستبقى الخيوط متشابكة وتحمل الكثير من الفرضيات غير المحسومة حتى يصدر تصريح رسمي حول مجريات التحقيقات، يؤكد الهويات الحقيقية لمَن سماها تنظيم ولاية سيناء بأبي البراء وأبي إسحاق المصريين.

اعلان
 
 
محمد حمامة