الصحافة والإعلام في ظل «الطوارئ».. انتهاكات مستمرة تحت غطاء قانوني
 
 
المصدر: محمد فوزي
 

بعد تفجيري كنيستي مارجرجس بطنطا والمرقسية في الإسكندرية، اللذين راح ضحيتهما 45 قتيلاً وأكثر من 120 مصابًا، شن عدد من المسؤولين وكبار رجال الدولة هجومًا شديدًا على الصحافة والإعلام. وفيما يرى الكثيرون أن إعلان حالة الطوارئ لن يزيد صعوبة الوضع السيء بالفعل لحرية الصحافة والإعلام، إلا أن بعض المشاهدات التي تلت التفجيرين ربما تشي بأزمات أكبر تلوح في الأفق.

بعد إدانته للحادثين الإرهابيين وتوعده بملاحقة الجناة، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي انتقاداً لاذعًا لأداء المؤسسات الصحفية والإعلامية في خطابه العاجل يوم الأحد الماضي، قائلاً للقائمين على الإعلام «خلي بالكم من شعب مصر».

صودر عددي يومي الإثنين والثلاثاء لجريدة البوابة لمؤسسها ورئيس تحريرها عبد الرحيم علي، المعروف بدعمه للدولة ومؤسساتها في حربها ضد الإرهاب.

وأضاف السيسي: «الخطاب الإعلامي يتعامل مع الموضوع [التفجيرات] بمصداقية ومسؤولية ووعي حتى لا يؤلم الناس، مش معقول أشوف الواقعة دي بتتكرر في كل قنواتنا على مدار اليوم وانتوا ناسيين إن ده بيجرح المصريين. الواقعة حصلت وطلعناها مرة، متفضلش تتكرر طول الوقت، والتعليقات الأخرى من فضلكم اللي بتتكلم وكإن الموضوع كل الناس… خلي بالكم على بلدكم».

وأوقفت قناة «إكسترا نيوز» الخاصة إذاعة مشاهد تصور لحظات حدوث التفجيرين قبيل إذاعة خطاب السيسي بوقت قليل، معلنة أن القرار يأتي حرصًا على مشاعر المشاهدين، وهو الأمر الذي أكدته مذيعة القناة أسماء مصطفى مرة أخرى في البرنامج الصباحي للقناة أمس الإثنين، مشيرة فيه لتوافق توجه القناة مع تعليمات الرئيس.

وفي معرض حديثه عن تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، خلال خطاب الأحد، قال السيسي إن المجلس ستكون له صلاحيات واسعة من أجل «ضبط الموقف كله على كافة المناحي»، وكان ضبط الموقف الإعلامي هو أول منحى ذكره الرئيس.

ويأتي قانون الطوارئ، وتحديدًا في مادته الثالثة، ليطيح بكل الضمانات الدستورية التي حملتها المادة 71 من الدستور الخاصة بحرية الصحافة والإعلام.

تنص المادة 71 على أن «يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية». فيما تنص المادة الثالثة من قانون الطوارئ على أن «لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي التدابير الآتية: الأمر بمراقبة الرسائل أيًا كان نوعها، ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها».

رئيس البرلمان: «الإعلام سيتم تنظيفه»

في أول تطبيق للطوارئ، صودر عددي يومي الإثنين والثلاثاء لجريدة البوابة لمؤسسها ورئيس تحريرها عبد الرحيم علي، المعروف بدعمه للدولة ومؤسساتها في حربها ضد الإرهاب. إلا أن تغطية الجريدة للتفجيرين لم تتوافق مع هذا التوجه المعلن، حيث أشارت الجريدة لوزير الداخلية، مجدي عبد الغفار، متهمة إياه بالتقصير في حماية الكنيستين، وطالبت الجريدة في عدد الإثنين المصادر محاسبة وزير الداخلية على ما أسمته تقصيراً قائلة «حاسبوه قبل أن تحاسبوا». وقالت الجريدة في بيان لها: «ومن هذا المنطلق كان موقفنا تجاه ما حدث اليوم من تفجير لكنيستي مارجرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية، أعلنا صراحة، وهذا رأينا، أن هناك تقصيرًا أمنيًّا كبيرًا يستوجب محاسبة المُقصِّرين، وتغيير الاستراتيجية الأمنية المُتَّبعة حاليًا في مواجهة الإرهاب».

عدد «البوابة» المصادر يوم الإثنين

وصودر عدد الجريدة للمرة الثانية اليوم الثلاثاء، حيث أصرت الجريدة على توجيه اللوم لعبد الغفار، بعد أن نشرت الجريدة صورة كبيرة له، محملة إياه مسؤولية التقصير بسبب موقعه كوزير على رأس منظومة الأمن، وبجوار صورة عبد الغفار نشرت الجريدة مقالاً طويلًا بقلم علي تحت عنوان «رسالة مفتوحة للسيد الرئيس».

عدد «البوابة» المصادر يوم الثلاثاء

وأدانت نقابة الصحفيين في اجتماع مجلس النقابة أمس، الإثنين، مصادرة الصحف والرقابة عليها، وأضافت في بيان رسمي: «أكد مجلس النقابة تفهمه الكامل للظروف الاستثنائية، التي تعيشها مصر، مشددًا على الدور الذي  يقوم به الإعلام  في مواجهة كل أعمال الإرهاب والتطرف، وتصديه بالدفاع عن قضايا المجتمع، إلا أنه في ذات الوقت يرفض مصادرة الصحف أو التضييق عليها، ويؤكد على أن التعامل بين مؤسسات الدولة يتم في إطار الالتزام بالدستور والقانون».

في السياق نفسه، شهدت جلسة مجلس النواب أمس هجومًا حادًا على الصحافة والإعلام أثناء مناقشة تعديلات قانونية على قانون الإجراءات الجنائية لتسريع محاكمة المتورطين في أعمال إرهابية، حيث استغل كثير من النواب كلمتهم لتحديد موقفهم من القانون في شن هجوم على وسائل الإعلام.

عقب إعلانه الموافقة على المشروع، قال النائب علاء عابد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، إن «الإعلام المصري يجب أن يكون إعلام حرب، ولا يعمل عكس مؤسسات الدولة»، موجهًا حديثه للإعلاميين، قائلًا: «أنتم شركاء فيما يحدث اليوم لعدم توعية الشباب الذين يتم تجنيدهم، الإعلام مدان ويجب أن يشترك في إصلاح المنظومة»، وهو ما رد عليه رئيس البرلمان بقوله: «الإعلام سيتم تنظيفه، وأراهن على الإعلام الحر، وسنلتزم بمراعاة حرية الإعلام في قانون تنظيم الإعلام».

«تشكيل الهيئات الصحفية والإعلامية يعكس رغبة الدولة في العودة إلى الإعلام الذي يديره أبناء الجماعة الصحفية في الثمانينيات والتسعينيات»

وقال عبد العال في تصريحات أخرى له نقلتها جريدة المصري اليوم إن ضبط الأداء الإعلامي سيمتد ليشمل أيضًا مواقع التواصل الاجتماعي: «القانون ينظم آليات العمل لمواقع تويتر واليوتيوب، وأي استعمال سيئ لهم سيضع أصحابها تحت طائلة القانون، والدول الأوروبية تنظم آليات العمل الإعلامي والصحفي، حيث أن مواقع فيسبوك وتويتر ويوتيوب.. وغيرها من المواقع التي تبث أخبارًا للتواصل بين الإرهابيين ستتم مراقبتها جيدًا»، مؤكدًا أن «كل دول العالم تفعل ذلك».

وفيما اعتبره كثيرون خطوة كبيرة نحو هذا «الضبط»، صدرت اليوم ثلاثة قرارات رئاسية بتشكيل الهيئات المنظمة للمجال الإعلامي والصحفي، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ويترأسه نقيب الصحفيين الأسبق المقرب من الدولة، مكرم محمد أحمد، والهيئة الوطنية للصحافة، ويترأسها، كرم جبر، الرئيس السابق لمجلس إدارة روز اليوسف، وهي إحدى المؤسسات الصحفية الحكومية، والهيئة الوطنية للإعلام ويترأسها، رئيس قطاع القنوات المتخصصة بتليفزيون الدولة، حسين زين.

وفي معرض الحديث عن تشكيل الهيئات الإعلامية والصحفية، نقلت قناة «إكسترا نيوز» عن الأعضاء الجدد خططهم في الفترة المقبلة، حيث حمل خطابهم الحديث عن الكثير من «الضبط والتصويب والتصحيح» لمسار الإعلام والصحافة. حيث قال حمدي الكنيسي رئيس نقابة الإعلاميين وعضو الهيئة الوطنية للإعلام: «عندما تبدأ هذه المنظومة عملها [في إشارة إلى اكتمال تشكيل الهيئات] سنطمئن أن الإعلام يستفيق ويستعيد رسالته».

بينما أكدت الإعلامية نادية مبروك، رئيسة الإذاعة المصرية وعضوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن الفترة القادمة هي فترة حساسة جداً للوطن «يحتاج فيها الخطاب الإعلامي للتصحيح»، مؤكدة على ضرورة تصرف الإعلام بـ«وعي وفهم» من أجل «تصويب اتجاه الخطاب الإعلامي».

«إعلان حالة الطوارئ يعطي غطاءً وشرعيًا للانتهاكات ضد حرية الصحافة، وهو ما يعني عمليًا زيادة وتيرة هذه الانتهاكات في الفترة المقبلة»

من جانبه، يقول مصطفى شوقي، الباحث في ملف حرية الإعلام بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، لـ«مدى مصر» إن تشكيل الهيئات الصحفية والإعلامية «يعكس رغبة الدولة في العودة إلى الإعلام الذي يديره أبناء الجماعة الصحفية في الثمانينيات والتسعينيات، وهو الذي لن يحقق رغبة الدولة في السيطرة على المجال الإعلامي، لأننا ببساطة لا نعيش في هذا العصر. تأثير الإعلام التقليدي يقل يومًا بعد يوم، كما أن الأزمة الاقتصادية تعصف بالصحافة الورقية، محاولات التضييق تلك ستسرع من وتيرة سقوط الإعلام التقليدي، وهو ما سيدفع في اتجاه زيادة تأثير الإعلام البديل».

ويقول عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، لـ«مدى مصر» إن الانتقاد المباشر للصحافة والإعلام يوحي وكأن الدولة تلقي بمسؤولية مكافحة الإرهاب على عاتق الصحافة، مضيفاً: «فشل النظام في السيطرة على الإرهاب، فيحاول استخدام الإعلام كشماعة ليعلق عليها فشله، وكأن الإعلام مسؤول عن التفجيرات وتدهور الاقتصاد والتعليم والمنظومة الصحية ومسؤول أيضًا عن حماية الكنائس».

ويرى عبد الحفيظ أن أساس المشكلة هو عدم قدرة القائمين على جهاز الدولة على فهم الدور الحقيقي للإعلام، وهو نقل الواقع كما هو وليس تجميله، على حد قوله، «ومن هنا تبدأ المشكلة. لا يريد أحد أن يرى الناس فشل الحكومة من خلال الصحافة التي هي عين الناس، وبالتالي تُتخذ قرارات مثل مصادرة الجرائد، من خلال تفعيل المادة الثالثة من قانون الطوارئ، التي تتصادم مع المادة 71 من الدستور».

لكن شوقي يرى أن إعلان حالة الطوارئ يعطي غطاءً وشرعيًا للانتهاكات ضد حرية الصحافة، وهو ما يعني عمليًا زيادة وتيرة هذه الانتهاكات في الفترة المقبلة.

ويوضح: «قبل فرض الطوارئ، زادت الانتهاكات المنهجية ضد الصحافة، الاختلاف الجوهري الحادث الآن هو وجود المظلة القانونية التي تحمي هذه الانتهاكات. المثير للقلق أيضًا أن مساحة الانتهاكات والسيطرة المتوقعة لن تطال فقط مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع التي هي بالفعل تحت السيطرة، ولكن التضييق سيطال أيضًا منصات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي».

ويرى شوقي أنه على الرغم من التضييقات المحتملة، فإن قدرة الدولة للسيطرة على الإعلام، على حد قوله، ستظل «محدودة للغاية».

اعلان
 
 
مي شمس الدين