الأمومة العادية: أكلم ابنتي أم أكلم نفسي؟

يفتح كتاب «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» للشاعرة إيمان مرسال بابًا للتأمل على موقعي من أمومة المتن العام (بحد تعبير الكاتبة)، وأمومة المتن «الخاص»، أمومتي أنا، فأتذكر ما حدث وما لم يحدث، ما تمتعت به كابنة وما افتقدته، وما كان يجب أن تكون عليه الأمومة التي أتخيلها، سواء في الماضي أو الحاضر، فتحضرني كلمة لصديقة في طور أمومتها الأولى.

كنت أزورها بالمستشفى بعد الولادة، فقالت لي إنها أبعد ما تكون عن الرغبة في أن تصبح أمًا مثالية. بدت لي جملتها مدهشة بعض الشيء، خاصة في هذا التوقيت، فهي لم تختبر أمومتها بعد ولم يتسع لها الوقت بعد لتخطئ، ورغم هذا كانت متصالحة مسبقًا مع أخطائها الآتية لا محالة. لم تسجن نفسها في الصورة التي يجب أن تكون عليها الأم، وإنما تركت نفسها للتجربة دون أن تود مثلًا أن تصحح ما حدث لها بالماضي كابنة، دون امتلاك الغرور الذي يوهمني أحيانًا أني قادرة علي تفادي ما تخيلته كجرائم حدثت بي وأنا طفلة.

كنت مغترة عندما عبرتُ العتبة الفاصلة بين الأنوثة والأمومة، بل متأكدة أنني قادرة علي التصحيح. لم أصرح بهذا، لكني في قرارة نفسي ظننت أني قادرة علي تلافي ما عانيته كابنة، حتى أني تصورت أن دليلي الجلي هو الخطو خلف خط طفولتي بالممحاة لمسح أي تجربة قد تتشابه مع ما سأعايشه مع طفلتي.

نقيض ما حدث لي كان هو الدليل، هذا ما يجب أن تكون عليه بوصلتي للخروج من مأزق الامومة بأمان. أظن أني كنت أسجل لسنوات ليست بالقليلة أشباح الماضي علي الورق، حتي أكوّن صورة ذهنية تثبت المعاناة وترسمها متجسدة، لتذكرني بما لا يجب عليّ إعادته أبدًا. لم أكن أعرف بعد أن الطريق الآمن لا وجود له، وأن ما علينا فعله بعيدٌ كل البعد عن تصوراتنا المسبقة، وليس إلا الخطأ وشرف التجربة اليومية هما ما يرسمان العلاقة الممتدة مع الأبناء. هذه علاقة تتكون من مجموع كل لحظات البهجة والقسوة والغضب والإشباع والإحباط والغرام معًا. فأُفاجأ بنفسي أكرر على مسامع ابني جملة قيلت لي وأنا طفلة، جملة لا أتذكرها بالخير بالضرورة، لكنها تخرج من على لساني منطلقة بأسرع من لجام العقل، أو أذهب للنقيض تمامًا، فأقع في الإفراط العاطفي لأؤكد لأطفالي أن كل ما يفعلونه جيدٌ ويبهرني، حتى لو كان ذلك أحد «حواديت» طفولتهم المبكرة، عندما قذفني أحدهم بـالـ«كاكا» الأخضر شبه السائل ليستقر على بنطلوني الجينز. ألغي المقزز في الحدوتة وأثبت المضحك فيها.

أتواءم مع شكلي الجديد؛ حوضي اتسع ولم يعد لقياسه الأول، ولم تعد تزعجني الأصوات المرتفعة، بل وضعت نظامًا صارمًا لليوم يقسمه إلى أجزاء؛ جزء للتريض بالرضيع وجزء للاستحمام وجزء لساعة الرضاعة، ثم ساعة النوم التي لا تتغير أبدًا، في انتظام ودأب لم أكن أتصور أبدًا أني قادرة علي تحقيقهما، أنا الفوضوية الأصيلة.

تغيرت أيضًا نظرة الآخرين لي، فبعضهم يحيطونني بمظلة احترام مدهشة تبدو نابعة من القدسية الأولى للأم، منبع الحياة، وأخرون ممن كانوا يمارسون صداقتهم معي في ساعات الليل لا يطمئنون تمامًا للقائي بالنهار، أو تحت شمس الظهيرة الشتوية بالأماكن المخصصة للأطفال؛ قد يشعرون بالملل أو لا يطيقون انشغالي عنهم باهتمامات رضيعي.  هذه علاقات انتهت على أي حال، ففي أي تغير يصيبك، هناك صداقات قادرة علي التأقلم مع تغيرك وأخرى لا تمتلك تلك المرونة.

لا أتكلم عن فقد الصداقات هنا، وإنما فقط عن العبور من حال إلى حال، من كوني امرأة تذهب إلى الأمومة بمحض اختيارها الحر وتتأمل ما أعطتها إياه الأمومة وما حرمتها منه.

 علي الطريق، أحمل ابنتي التي لا تعرف الكلام بعد، أغرقها بسيل من المعلومات عن كل ما يوجد حولنا، عن قصة تمثال «نهضة مصر» وحياة محمود مختار والاكتتاب الشعبي الذي آل إلى تجسيد هذا التمثال الذي تراه بينما نعبر إشارة كوبري الجامعة، عن كمية الماء التي تحتاجها شجرة البامبو العملاقة، ونراها خلف سور حديقة الأورمان. لن أنسى أيضًا أن أفسر لها سبب وجود كل هؤلاء المجندين بالأمن المركزي المحشورين هكذا بعرقهم داخل السيارات الكحلية التي تحتل جوانب الطريق بشكل دائم.

لا أعرف بالضبط إن كنت أكلّم نفسي أم أكلّمها، فالمسافة بيننا ليست واضحة تمامًا، ولم يمر بعد عام واحد على وجودها بي. كنا جسدًا واحدًا حرفيًا.

لا تقوى بعض الأمهات على هذا الانصهار، يخنقهن، وأخريات لا يتحملن الانفصال، يرعبهن. أما أنا؟

مرت سنوات ثلاث قبل أن أنظر إلى نفسي في المرآة وأُقدّر جمال عينيّ بعد التكحيل، أو أن أبحث عن فستان يشكل خط جسدي الجديد، دون أن تأخذني قدماي بلا تفكير إلى القسم الخاص بملابس الأطفال.

منحتني الأمومة أيضًا وقتًا محددًا تمامًا لذاتي بهذا التقسيم الصارم لساعات اليوم. يجب عليّ الانتهاء من تصميم هذا الغلاف قبل عودة ابنتي من الحضانة، فلن أكون في غاية السعادة وأنا مضطرة لإجلاسها على «حِجري» بينما أكافح بحثًا عن التركيز للانتهاء من إنجاز العمل، لأن هناك علي الجانب الاخر من ينتظر الغلاف. لن أستطيع أن أشرح لرب العمل أنني أم وأنني مشغولة، فأنا نفسي كنت أحتقر، بشكل أو بآخر، هؤلاء السيدات العاملات اللاتي يقحمن حياتهن الخاصة و«يتحججن» بالأطفال، كأني كنت أضع أمومتي أو أمومتهن في مرتبة دنيا.

سأغتاظ بالتأكيد عندما تحتل ابنتي حِجري وأجزع من تهكمها على وقتي الخاص، لكنني سأنصاع لها دون أي تردد.

كنت أتكلم مع صديق حميم عن التغير العنيف لحياتي الذي أتت به الأمومة بغتة، أبوح بهواجسي التي تصوّر لي الأمومة كسارق خاطف نازع لوجودي الآخر كرسامة، مصممة معيدة بالجامعة، وكزوجة وامرأة.

قال لي: «هو انتي ليه مش مقدّرة نفسك كأم؟»

ممتنة لهذا الصديق جدًا؛ جعلتني كلماته أنظر لنفسي من زاوية أخرى، زاوية تجعلني قادرة علي على الامتنان أيضًا لأطفالي الذين جعلوني أرتّب الوقت بعناية، وأقدّر الحياة أكثر وأرتفع فوق اكتئاباتي المزمنة، فصخبهم لم يعطني وقتًا للتمادي في هذا السواد.

 سيكبر الأطفال يومًا وسيبحثون لأنفسهم عن تفسيرات تصحح المعلومات، التي قد تكون خاطئة، عن كمية الماء اللازم لنمو شجرة بامبو عملاقة تطل على عربة بوليس كحلية، تفسيرات أخرى غير تلك التي تتعاطف مع مجندي الأمن المركزي، وتكرههم في آن واحد.

 وقد، بل وأغلب الظن، سيهزأون بتفسيراتي، لكن لا يهم، فكل منا له تفسيراته ووجوده المستقل عن الآخر. فالأمومة جزء من الرحلة ولا يمكنها أن تحل محل كل الأوجه الأخرى لي.

اعلان