كيف قدّمت السينما تصورها عن الله؟ بين الشاشتين المصرية والأمريكية

كانت صورة الإله في الحضارات القديمة بسيطة، تتكون من عنصر مادي من الطبيعة وتراه العين، مثل الشمس أو الصقر، ثم جاءت الهندوسية والزرادشتية لتمثلا حلقتي وصل بين مفهوم الإله الوثني ومفهومه الروحي غير المجسد، وجاءت الأديان السماوية بدورها بمفهوم متقارب، ومنزه عن التجسيد، لله الخالق الواحد.

بحسب الحكمة القائلة إن «الطريق إلى الله بعدد أنفس الخلائق»، نجد كل فرد يتعامل مع الله وفق رؤيته الخاصة؛ هناك من يشعر أنه في السماء فيرفع نظره إلى الأعلى لدى الدعاء، وهناك من يشعر أنه بداخله، فلا داعي للحديث عنه، وهناك من يشعر أنه في كل مكان ويتواصل معه بكل الطرق، حتى بما فيها الفيسبوك مؤخرًا.

ورغم القدسية الهائلة لمفهوم الله عند البشر، فقد تجرأت السينما وجسدته في أكثر من فيلم وبأكثر من طريقة، لعب فيها خيال الكتاب والمخرجين دورًا كبيرًا لإعادة تدوير المفهوم الهائل للإلوهية على شاشة العرض.

صوت مورجان فريمان

تحدث الله مع الأنبياء والرسل وتواصل معهم، سواء بشكل مباشر أو عن طريق الوحي.

لم تجرؤ السينما العربية بالطبع على التعرض لصوت الله، فكانت دائمًا ما تتحايل على الأمر عبر استخدام صوت يعلق على المشهد بآيات قرآنية، وهذا ليس غريبًا في ظل حقيقة أن تجسيد الأنبياء ظل محرمًا على السينما العربية، حتى أن المخرج يوسف شاهين كتب بالعربية في تترات مقدمة فيلمه «المهاجر»، أن الفيلم لا يمت بأي صلة لقصة تاريخية، وفي المقابل كتب بالفرنسية أنه فيلم عن حكاية يوسف ابن يعقوب من الكتاب المقدس!

كان التخيل السينمائي البديهي لصوت الله عبارة عن صوت مليء بالهدوء والدقة والرزانة والقداسة والثقة بالنفس، وهو ما جعل السينما الأمريكية تجد ضالتها في مورجان فريمان، الذي لعب في فيلم «بروس كلي المقدرة Bruce Almighty» دور الله الذي يريد أن يأخذ أجازة فيولّي مهامه لبروس (جيم كاري). في الفيلم قدّم فريمان نفسه بجملة:

«أنا الأوحد، خالق الجنات والأرض، أنا الألفا والأوميجا، أنا الله يا بروس».

قدم فريمان نفس الدور بنفس التفاصيل مرة أخرى في الجزء الثاني من الفيلم، الذي أخد عنوان «إيفان كلي المقدرة.. Evan Almighty»، وكان أنيقًا فيه ويرتدي بذلة بيضاء وبإمكانه المشي على الماء وجعل من يحدثه يمشي على الماء مثله، ليتماشى مع قصة المسيح مع القديس بطرس، بحسب إنجيل متى، ومع الحكمة الشعبية المصرية التي يكتبها الصيادون على مراكبهم «اللي معاه ربنا يمشي على الميّه».

في الفيلمين تحدث فريمان بالطبع المليء بالحكمة والعمق، مما جعل الكثيرين بعدهما ينادونه بلقب «صوت الله»!

إلهة أنثى؟

رغم أن الحضارات القديمة، وفي ظل تعددية الآلهة، احتملت أن تكون هناك إلهة أنثى، مثل إيزيس وهيرا وديمترا وغيرهن، إلا أن الأديان السماوية اللاحقة أصرت على عدم التصنيف الله كرجل أو امرأة، وفي مقابلها تعامل الوعي الشعبي، في العالم الذكوري بطبعه، مع الله كذكر، مستبعدًا تمامًا فكرة الإلهة الأنثى.

لم تقترب السينما العربية من هذه المنطقة إطلاقًا بالطبع، أما نظيرتها الأمريكية فقد جسّدت الله عن طريق ممثلات في أكثر من فيلم، مثل «قطعة صغيرة من الجنة A Little Bit of Heaven» ولعبت الدور فيه الممثلة ووبي جولدبرج. في الفيلم تُجرَى للبطلة عملية جراحية، وتحت تأثير المخدر ترى جولدبرج فوق السحاب جالسة على أريكة مريحة، فتسألها بوضوح «هل أنت الله؟» وتجيب جولدبرج: «هذه هي الطريقة التى ترين بها أنت الله!»

في هذا المشهد، رأته البطلة باعتباره امرأة ترتدي الأبيض وتشرب الشمبانيا وتضع خلف أذنها وردة بيضاء كبيرة، أي رأته امرأة ملونة رقيقة وحساسة ونموذجًا للصديقة الجيدة.

أما في فيلم «دوجما Dogma» فقد نوقش الأمر في حوار كامل، صرح فيه أحد الملائكة بأنه كان امرأة طوال الوقت، ولكن القائمين على الأديان، ولأنهم رجال، حولوا كل «هي» إلى «هو».

في هذا الفيلم، الذي رفضت أداء دور الله فيه الممثلة إيما طومسون بسبب حملها،  لعبت الدور الممثلة ألانيس موريسيت، وكانت صامتة لا تتحدث، لأن صوت الله لا يحتمله بشر، ووقف بجوارها دائمًا بجوارها شخص هو من يمثل صوته.

التململ مقابل الغضب الحكيم

الله صبور حكيم، ولا يصب غضبه على العباد إلا لسبب حكيم أيضًا، هكذا يصور القرآن غضب الله، ويظهر الغضب بشكل أقوى في العهد القديم حيث طوفان نوح وتدمير سدوم وعمورة، على عكس العهد الجديد الذي يُظهر محبة الله وعطفه أكثر من غضبه.

ولكن السينما الأمريكية قدمت تجسيدًا له على هيئة شخص عصبي ضيق الخلق ويصب غضبه لأسباب تافهة. ظهر هذا بشكل كوميدي في فيلم «جيش من شخص واحد Army of one» المأخوذ عن قصة حقيقية عن شخص أمريكي يظهر له الله ويأمره بالذهاب إلى أفغانستان لقتل بن لادن. ولكن عندما يفشل الشخص في الفيلم يتراءى له الله منشغلًا ومتململًا بسبب انشغاله بمليون مشكلة في هذه اللحظة فقط!

أما في فيلم «البيت الحمضي The Acid House»، فكان البطل تحت تأثير المخدرات، وظهر له أحد رواد البار، ممسكًا في يده بقدح كبير من البيرة، وعرّف نفسه بفظاظة قائلًا: «أنا الله»، وأنهى حديثه لبطل الفيلم: «أنت مثلي؛ كسول قذر غير مبال. أنا لا أستطيع عقاب نفسي، ولكني أستطيع عقابك أنت».

البحث عن الله في السينما العربية

منذ البداية والمجتمعات العربية ترفض تجسيد الله أو الأنبياء من قريب أو من بعيد،  ففي عشرينات القرن الماضي انتفضت مصر بسبب خبر عن تجسيد يوسف بك وهبى لدور النبي محمد، ما أدى لتراجع الفنان وإبداء اعتذاره. شرح وهبي سبب قبوله للدور قائلًا: «إننى إذا كنت قد رضيت أن ألعب هذا الدور فليس إلا لرفعة شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتصويره أمام العالم الغربي بشكله اللائق به وحقيقته النبيلة، وليس الغرض من هذا الفيلم سوى الدعوة والإرشاد للدين الإسلامي».

ومن وقتها، حتى بعد ما يقارب القرن، لم يجرؤ أحد على الاقتراب من هذه المنطقة المحرمة، والتى رسم الأزهر حدودها باعتبارها الله والأنبياء والعشرة المبشرين بالجنة، حتى قارب منع فيلم «الرسالة» لمصطفى العقاد من العرض في مصر، الثلاثين عامًا، بسبب تجسيد الممثل عبد الله غيث فيه لدور حمزة عم النبي.

رغم كل هذا، لم يتوقف شغف السينما العربية بمرحلة ظهور الإسلام، وتحايلها على هذا المنع، مثلما حدث في فيلم «هجرة الرسول»، والذي أخرجه إبراهيم عمارة وأنتج في العام 1964، ورغم أن الحدث الرئيسي فيه كان هجرة الرسول، إلا أنه، ومعه أبو بكر الصديق، لم يظهرا إلا كهالات ضوء بيضاء، أو حتى لا يظهران من الأساس، فالباب ينفتح أو ينغلق، على غرار أفلام الرعب الأمريكية، بدون أن ترى أحدًا، ما يجعل المشاهد يفترض على الفور أن الرسول قد مرَّ من هذا الباب.

الله أم الشيطان؟

هناك من اقترب على استحياء من المنطقة المقدسة، ولكن مع بعض الرمزية بالتأكيد، بحيث يتساءل المشاهد إن كان صناع الفيلم قد قصدوا بتلك الشخصية الله فعلًا أم شيئًا آخر.

على سبيل المثال، ففي فيلم «سوق المتعة» الذي كتبه وحيد حامد وأخرجه سمير سيف، يجد البطل (محمود عبد العزيز)، بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه 25 عامًا بسبب جريمة لا يعرف شيئًا عنها، منظمةً ما تعوضه ماديًا عن هذه السنوات الضائعة، بشرط ألا يسأل عن سبب حبسه، لأن ذلك هو «قدره» الذي اختارته المنظمة، وعقوبة السؤال هي القتل.

لا يتحمل البطل عدم الفهم ويظل يسأل عن السبب، حتى يقابل المسؤول عن حاله، رئيس المنظمة الذي يظهر في النهاية ويؤدي دوره الفنان حمدي أحمد، وهو يدخن سيجارًا بكبرياء ويقول له: «كان شرطنا بسيط أوي، ماتسألش. ليه خالفت التعليمات يا أبو المحاسن؟ سألت ليه؟» فيما قد يعيد للأذهان القصة التوراتية عن طرد الإنسان من الجنة بعد أكله من «شجرة المعرفة»، ولأنه «صار كواحد منا عارفًا الخير والشر».

يجيب البطل في الفيلم أن القدر الذي كُتب له حوله من إنسان إلى مسخ، وأنه يرفض هذا القدر. ثم، وفي النهاية، يُقتل رئيس المنظمة على يد البطل، الذي هو شخص ميت لا محالة وليس لديه ما يخسره.

هل كان رئيس المنظمة يشير في الفيلم  إلى الله الذي تمرد عليه الإنسان؟ يبقى السؤال وإجابته بالطبع معلقين في نوايا صناع الفيلم!

ولكن على عكس «سوق المتعة»، فالشخصية الرئيسية في فيلم «الريس عمر حرب» للمخرج خالد يوسف، ويؤديها الفنان خالد صالح، تظهر من أول الفيلم. نجد هنا مدير صالة قمار يتحكم في كل الأحداث والشخصيات، ولا يحدث شيء إلا بعلمه. يظن المشاهد هنا أن خالد يوسف قصد الله بهذه الشخصية ، غير أن يوسف أكد أن «الريس عمر حرب» يمثل الشيطان وليس الله، مما جعل الكثير يلتبس عليه فهم طبيعة المساحة المتداخلة ما بين الله والشيطان.

هل كان يوسف يحاول تجسيد الشيطان بالفعل؟ أم أنه فقط لم يمتلك الجرأة الكافية لمواجهة الرقابة الدينية والاجتماعية؟ تظل الإجابة هنا أيضًا معلقة بنوايا المخرج.

نجيب محفوظ والجد ذو اللحية البيضاء

كان الأدب أكثر جرأة في التعرض لمفهوم الله من السينما، وخاصة نجيب محفوظ في روايته «أولاد حارتنا»، أكثر الروايات إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث،  حيث بدا فيها أن شخصية الجبلاوي هي تجسيد رمزي لله، ما جعلها تلاقي أشد المعارضة من قبل التيار الإسلامي، لدرجة وصلت لاستباحة دم الكاتب ومحاولة اغتياله.

ولكن «أولاد حارتنا» لم تكن المحاولة الوحيدة لنجيب محفوظ لتجسيد الله، وبشكل رمزي بالطبع، فكانت مجموعته القصصية «دنيا الله» التي ظهرت فيها شخصية باسم «الزعبلاوي»، وهو ولي من أولياء الله يظل بطل القصة يبحث عنه ولا يجده وإن كان يؤمن بوجوده.  ثم شخصية «سيد الراوي» أو «الراوي الكبير» في رواية «قلب الليل»، والتى تحولت لفيلم سينمائي أخرجه عاطف الطيب، وجسد فيه الممثل فريد شوقي دور شيخ كبير في السن، يطرد حفيده من نعيمه، لعصيانه أوامره وزواجه براعية غنم.

فريد شوقي في فيلم قلب الليل

ظهر الجد الراوي في الفيلم على هيئة  رجل عجوز حكيم بلحية بيضاء ناصعة وملابس بيضاء، جالسًا على كرسي كبير كعرش الملك، ويستدل في حديثه دائمًا بالقرآن، وتحديدًا بالآيات التي تتضمن خطابًا مباشرًا من الله إلى عباده، ما لا يتيح لأي مشاهد أن يشك ولو للحظة أن فريد شوقي يجسد دور الله في الفيلم!

رحلة داوود عبد السيد في البحث عن الله   

تتميز أفلام داوود عبد السيد بأبعادها المتعددة والشخصيات ذات الطابع الأسطوري فيها، مثل الساحر الذي يتلاعب بالأحداث في فيلم «أرض الأحلام»، أو «آدم» الذي يأكل من التفاحة وهو يقبل مهمة تطرده من جنة الشرطة إلى أرض تجار المخدرات في فيلم «أرض الخوف».

ولكن دور سيد مرزوق في فيلم «البحث عن سيد مرزوق» الذي جسده الفنان علي حسنين، يدفعنا للتوقف عنده قليلًا، فهو شخص أسطوري مريب يعرف كل شيء ولا ينام. يأخذ سيد مرزوق بطل الفيلم «نور الشريف» في جولة وحديث، يورطه طوال الفيلم ثم يختفي، لتبدأ رحلة بحث البطل عنه بعد ذلك.

في بداية الفيلم يقول البطل «أنا بحب سيد مرزوق»، ثم يقول عندما يقع في المشاكل «أنا محتاج سيد مرزوق»، ثم يقرر في النهاية: «أنا لازم أقتل سيد مرزوق». وبالفعل عندما يقابله البطل في نهاية الفيلم ويحاول قتله يكون المسدس فارغًا، فسيد مرزوق ببساطة لا يموت.

اعلان
 
 
 
 
 
  • ahmed hassan

    هي معلومة ايما واتسون محتاجة تدقيق شوية لا اعتقد ان ايما وقت الفيلم كانت بيبي واصلا هي متجوزتش وشكرا علي المقال