رجب طيّب أردوغان واللامبالاة بمصير المسلمين في أوروبا

أثار الخلاف بين الدول الغربية والحكم التركي تعليقات لا تُحصى، اختلفت حسب موقف المعلّقين من سياسة رجب طيب أردوغان ورؤية المعلّقين لمسألة تصاعد رُهاب الإسلام والعنصرية المعادية للمهاجرين المسلمين في الدول الغربية. وكما هو معلوم فإن المشكلة نجمت عن قرار حكومات هولندا وألمانيا والنمسا حظر المهرجانات الخاصة بالاستفتاء الدستوري التركي على أراضيها، ومنع ممثّلي الحكم التركي من المشاركة في مثل هذه المهرجانات.
وشتى المواقف من هذا النزاع الدبلوماسي مصاغة باسم الديمقراطية. فيندّد أردوغان وأنصاره بموقف الحكومات الأوروبية بوصفه مضادًا للديمقراطية، ولا يتردّد الرئيس التركي في تشبيه سلوك تلك الحكومات بالنازية، وهو تشبيه إما أنه ينبع من جهل مُطبق بما كانت عليه النازية، أو أنه ضربٌ من ضروب المبالغة الديماغوجية التي يتخصص بها زعماء اليمين الشعبوي (تمامًا مثلما شبّه دونالد ترامب بالنازية المؤامرة المزعومة المحاكة ضده من قبل أجهزة بلاده). والحال أن اليمين الشعبوي الأوروبي يشبّه الحركات الإسلامية على اختلافها بالفاشية، بل يستعمل تعبير «الإسلاموفاشية» لهذا الغرض ويضمّ إلى هذه الفئة أردوغان بعينه. والدرس الأول من كل هذا اللغط أن استسهال تلك المقارنات شديدة المبالغة والتطرّف هو بذاته إحدى علامات الابتعاد عن روح الديمقراطية.
وبعد، فأن يكون موقف اليمين الأقصى الأوروبي مضادًا للديمقراطية واقعٌ لا يتحمّل المناقشة. لكن لا بدّ من أن نتذكّر أن هذا اليمين الشعبوي يعمل في إطار المؤسسات الديمقراطية القائمة على مبدأ الانتخاب، وهو يراهن على الفوز بالانتخابات. وهذا يعني أن حصول حزب ما أو زعيم ما على تأييد جماهيري وانتخابه بالطرق الديمقراطية، سواء أكان اسمه ترامب أم أردوغان أو غيرهما من الصاعدين اليوم في فلك السياسة الأوروبية، ليس بتاتًا دليلًا على ديمقراطية الحزب أو الزعيم المقصود.
ولن يفوت أي مراقب ديمقراطي أن مسعى أردوغان إلى تقوية سلطات الرئيس الدستورية بما يفيض عن سلطات الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي، ليس بالمسعى الديمقراطي. وهذا ينسجم مع انتهاز أردوغان فرصة الانقلاب الفاشل الذي جرى ضدّه في صيف 2016 كي يقوم بفصل و/أو اعتقال ما يناهز 150 ألف شخص، غالبيتهم الساحقة لا تمت للمحاولة الانقلابية بصلة (وكيف يكون مثل هذا العدد متورّطًا في عملية هي بالضرورة سرّية!)، بل ينتمي قسم كبير منهم إلى تيارات مناهضة لحركة الزعيم الإسلامي فتح الله غولن الذي اتهمه الرئيس التركي بالوقوف وراء المحاولة الفاشلة.
وكيف بحاكم ديمقراطيّ يضرب الرقم القياسي العالمي في عدد الصحافيين المعتقلين في ظل حكمه، ويستفيد من محاولة انقلابية فاشلة كي يغلق 16 قناة تلفزيونية و45 صحيفة يومية وغيرها العديد من المنابر؟
لا بدّ من أن نبقي كل ذلك في بالنا عند الحديث عمّا يجري حاليًا بين الحكم التركي والحكومات الأوروبية المذكورة. فلا شكّ في أن موقف تلك الحكومات يشكّل في صميمه رضوخًا أمام ضغوطات أقصى اليمين الصاعد في بلدانها، وهذا مؤسف ومعيب حقًا. بيد أننا نشاطر خشية هذه الحكومات من أن يحوز اليمين الشعبوي في بلدانها على أغلبية أصوات تتيح له تبوّؤ الحكم بما يشكّل كارثة عظيمة سوف يعاني منها بالدرجة الأولى المهاجرون المسلمون في أوروبا. وليس من الصدفة أن الدول الأوروبية الثلاث التي هي قيد النزاع مع الحكم التركي هي التي تستضيف أكبر نسب من المهاجرين الأتراك، وتعدادهم حسب تقرير حديث للبي بي سي ثلاثة ملايين في ألمانيا (يزيد عدد سكان ألمانيا عن عدد سكان تركيا بثلاثة ملايين تحديدًا) و400 ألف في هولندا (سكانها 17 مليوناً) و300 ألف في النمسا (سكانها تسعة ملايين).
فالمهاجرون الأتراك يشكّلون بامتياز محطّ كراهية اليمين الشعبوي في البلدان المذكورة كما هي حال المغاربة في بلجيكا وفي هولندا نفسها أو الجزائريون في فرنسا. وهذا ما يفسّر بالدرجة الأولى تخوّف حكومات الدول الثلاث من أن يؤدي صراع الأتراك على أراضيها إلى خلخلة للأمن، إذ أن مهرجانات التأييد للتغيير الدستوري الذي يطمح إليه أردوغان لا بدّ من أن تقابلها مهرجانات معارضة له من الأتراك والأكراد أو حتى تحرشات من اليمين الأقصى، بما لن يستفيد منه سوى اليمين المتطرّف (نشير في هذا الصدد إلى أن عمدة مدينة روتردام الذي حظر مهرجانًا في مدينته هو من أصل مغربي). لذا استخدمت تلك الحكومات حقّها القانوني في حظر التجمعّات التي تنطوي على تهديد أمني، إذ تنصّ الشرعة الأوروبية لحقوق الإنسان (البند 11، الفقرة 2) على إمكان حصر حق التجمّع في مجتمع ديمقراطي حرصًا على الأمن القومي أو السلامة العامة. أما إصرار الحكم التركي على تنظيم المهرجانات، فلا ينمّ عن حرص على الديمقراطية بالطبع، بل عن حاجته إلى حشد الأصوات لتمرير مشروعه، علمًا بأن أعدادًا كبيرة من المهاجرين الأتراك في بلدان الهجرة الأوروبية يشاركون في مناسبات التصويت والانتخاب التي تجري في بلدهم الأصلي.
بكلام آخر، فإن همّ أردوغان الوحيد هو الحصول على السلطات الفرعونية التي يبتغيها، وقد تعمّد تسعير المواجهة مع الحكومات الأوروبية في إطار تسعيره الشعبوي للنعرة القومية التركية منذ سنة 2015 كي يحشد أكبر عدد من المؤيدين. وهو يتهم الأوروبيين بالنازية لمنعهم مهرجاناته، وكأنه كان سوف يسمح لليمين الشعبوي الأوروبي بأن يعقد مهرجانات في تركيا في إطار الحملات الانتخابية الأوروبية الراهنة لو كان يقطن تركيا ثلاثة ملايين من الألمان على سبيل المثال! وهو بتصرّفه هذا لا يبالي أبدًا باقتراب موعد الانتخابات في الدول المذكورة والخطر العظيم الذي يشكّله صعود اليمين الشعبوي فيها. وبذلك يضع أردوغان مصلحة حكمه الضيّقة فوق مصلحة المهاجرين، سواء القادمين من بلاده (ولو لم يفطن ذلك مؤيدوه الذين شدّهم باستغلال العاطفة القومية) أو المهاجرين المسلمين أجمعين، بمن فيهم ما يقارب نصف مليون من اللاجئين السوريين في ألمانيا وحدها.

__________________

يُنشر هذا المقال نقلًا عن صحيفة «القدس العربي» وبالاتفاق مع الكاتب.

اعلان
 
 
جلبير الأشقر