الحراك النسوي الجديد في مصر: التمكين الاقتصادي للنساء
 
 

قررت التركيز على القضايا الخاصة بالنساء العاملات، لأنني أرى أن هذه القضايا تكشف مدى إيمان المجتمع بمبادئ العدالة الاجتماعية، المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، كما تكشف أيضًا عن مدى وجود سياسات تدعم هذه المبادئ. بالطبع هناك عوامل أخرى لا بد من أخذها في الاعتبار، حينما تكون النساء مُمَكَنات اقتصاديًا، منها مثلًا أن هذا التمكين يساعدهن على مواجهة أشكال أخرى من التمييز والعنف الجنسي سواء في المجال العام أو داخل الأسرة. حينما تكون المرأة مستقلة ماديًا، سيدعم ذلك قرارها بترك زوجها الذي يمارس ضدها أي شكل من أشكال العنف. وإذا شاركت المرأة في دخل الأسرة، يتيح لها ذلك، إلى حد ما، المشاركة في عملية اتخاذ القرار.

تتقلص هذه الفرص للاستقلال حينما تكون النساء غير ممكنات اقتصاديًا على الإطلاق، خاصة وأن العمل المنزلي لا يتم النظر له كنشاط اقتصادي، وبالتالي لا يُعتبر عمالة مدفوعة الأجر. وهو ما يخالف الوضع في كثير من الدول التي تحتسب معدل ساعات العمل اليومية التي تقضيها المرأة في أعمال المنزل ضمن الناتج القومي للاقتصاد في ما يسمى «اقتصاد الرعاية»، وهو الأمر الذي تعمل مؤسسة المرأة الجديدة على تضمينه في السياسات المصرية.

هناك إحصائيات تشير إلى أن 30% من العائلات الفقيرة في مصر عائلها الوحيد من النساء، وهذا لا يشمل عائلات الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة العليا، والتي تعتمد فيها الأسر بشكل متزايد على الدخل المشترك للزوج والزوجة بسبب غلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية، وهو ما جعل مشاركة النساء في الاقتصاد أمر ضروري.

تشير الإحصائيات الرسمية أيضًا إلى أن النساء يمثلن ربع قوة العمل في الاقتصاد الرسمي، بينما ترتفع نسبة النساء العاملات في قطاع الاقتصاد غير الرسمي لقرابة النصف، يعمل 75% منهن بدون أجر.

أثناء عملنا الميداني، في مؤسسة المرأة الجديدة، كثيرًا ما نسأل النساء إن كن يعملن، فيجبن بأنهن لا يعملن، لكن حينما نسألهن بشكل أكثر تفصيلًا، نكتشف مثلًا كونهن يعملن مع أزواجهن في الأراضي الزراعية، أو يقمن برعاية وتربية الطيور التي يقوم اﻷزواج والأبناء الذكور ببيعها والاستفادة منها ماديًا دون حصول الزوجة على أي مقابل مادي لعملها.

نضطر في عملنا للاعتماد على الإحصائيات الرسمية للدولة، خاصة وأن منظمات المجتمع المدني غير قادرة على إجراء بحوث كمية على نطاق واسع. للتغلب على مثل هذه المعوقات، نركز في عملنا أكثر على البحوث الكيفية من خلال المقابلات المعمقة مع النساء لقياس مستويات العنف والتمييز التي يتعرضن لها.

عكست هذه الدراسات حقيقة أن هناك القليل من البرامج التي تواجه قضايا النوع الاجتماعي، بالإضافة إلى الغياب العام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تراعي عامل النوع الاجتماعي. يؤثر هذين العاملين بشكل كبير على مشاركة النساء في قوة العمل وفي الاقتصاد ككل.

وبينما لا تعكس الإحصائيات الرسمية مشاكل النوع الاجتماعي، ركزنا في أبحاثنا على النساء العاملات والمشاكل التي يواجهنها في سوق العمل، ومنها العنف الجنسي، وعدم المساواة في الأجور، فضلًا عن عدم حصول بعض النساء على إجازات وضع، خاصة في القطاع الخاص.

تواجه النساء المصريات التحرش الجنسي في أماكن العمل بنسب كبيرة للغاية، في 2009 أجرينا دراسة على النساء العاملات في المناطق الاقتصادية في الإسكندرية ومحافظات القناة، حيث قابلنا هؤلاء النسوة في منازلهن بالقرى أو أثناء خروجهن من المصانع التي يعملن بها، لعدما تم منعنا من دخول تلك الأماكن. كما اكتشفنا أيضًا انتشار التحرش الجنسي ضد النساء في أماكن العمل الحكومية، وهو ما دفعنا إلى إجراء دراسة مشابهة في 2015 لقياس نسب التحرش في أماكن العمل في القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى التحرش بالعاملات في المؤسسات الصحية والتعليمية.

من خلال اللقاءات التي أجريناها ضمن هذه الدراسة، اكتشفنا أن النساء العاملات في الأماكن الحكومية يواجهن المشكلات للمذكورة سابقًا، وفضلًا عن ذلك اكتشفنا أن هناك وحدات مسؤولة عن تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية، إلا أن معظم هذه الوحدات غير مفعلة على الإطلاق، وهو ما كنا لنعرفه سوى عبر هذه اللقاءات.

هذا المقال جزء من سلسة مدى مصر عن: الحراك النسوي الجديد في مصر.

اعلان