علي صبحي ومنة الليثي: أن تكون ممثلًا في مصر
 
 

لو كان علي صبحي ومنة الليثي استسلما للضغوط العائلية أو الاجتماعية فالأرجح أنهما ما كانا ليصبحا ممثلين. في طفولته، عندما كان صبحي يمثل في المسرحيات المدرسية ويتبرم من التعليم المباشر في الفصول، كان أخوه الأكبر يقول له إن الحال سينتهي به ضابطًا في الأمن المركزي، أي ترسًا بليدًا في آلة السلطة. وحينما حصلت الليثي على شهادة مزدوجة في المسرح والإعلام من الجامعة الأمريكية سنة 2012 طلب منها والدها ألا تظهر في المسرح سوى مع طلبة الإعلام.

ولكن صبحي توِّج في ديسمبر الماضي ـ وهو في الثالثة والثلاثين من العمر ـ بجائزة أفضل ممثل في مهرجان دبي السينمائي الدولي، عن دوره في فيلم شريف البنداري «علي معزة وابراهيم»، فكان فوزه ذلك، بجانب حصول محمد حماد على جائزة أفضل مخرج عن فيلمه «أخضر يابس»، بمثابة انتصار لمجتمع السينما المستقل المحاصَر في مصر. أما الليثي التي تبلغ الثامنة والعشرين من عمرها، فلها العديد من الأدوار، فضلًا عن مساهمتها في تأسيس سينما زاوية، وعملها حاليًا على فيلمها القصير الأول.

بعد شهر من فوز صبحي ذهبتُ لزيارته، هو والليثي، في بيتهما بحي مدينة نصر في شرق القاهرة، الذي تسكنه الطبقة الوسطى العليا. حكت لي الليثي ـ التي التقت بصبحي سنة 2007 أثناء عملهما في عرض لفرقة «حالة» المسرحية ذات التأثير الكبير (والمتوقفة حاليًا) ـ عن فيلمها القصير القادم الذي يتناول علاقة أم بابنتها، والذي بدأت تصويره بالفعل. قالت الليثي إن والدتها ـ الفنانة التشكيلية ـ كانت من أهم داعميها في بداياتها مع التمثيل والعمل الفني.

«ماكانش حد فينا عايز يشتغل على عروض سياسية بس، فنلاقي نفسنا مش عارفين نشتغل حاجة. كان بردو عندنا إيمان إن احنا ممكن نخلق تغيير من خلال عروض غير سياسية في الشارع»

والدة صبحي كانت هي أيضًا من آمنت بموهبته. «هي الوحيدة في عيلتي» حسبما يقول «اللي كانت ممكن تتقبل حاجات مختلفة عن اللي هي متعودة عليه أو مصدقاه. كانت دايمًا في الأول تتريق عليا بس بعدها بتقعد وتسمع بجد». كان والده الراحل ـ الموظف في هيئة السكك الحديدية ـ يفضل له مسارًا مهنيًا تقليديًا، لكنه لم يرغمه قط على أي شيء. «أبويا عاش آخر ست سنين من عمره نفسه أحلق شعري. كان رجل طيب».

صبحي هو الشقيق الأصغر بين خمسة أشقاء، وهو الوحيد في أسرته من أبدى اهتمامًا بالتمثيل: «ماكنتش بذاكر أوي لأني كنت مؤمن بطريقة مختلفة للتعليم، فإخواتي كانوا بيتريقوا عليا. ماحدش منهم وقف في طريقي، بس ماكانوش مصدقين أوي إني ممكن أعمل حاجة». أسأله إن كان الوضع تغيّر بعد عودته من دبي في ديسمبر، فيقول وهو يعتدل قليلًا في كرسي: «هما دلوقتي فرحانين جدًا لانهم فاكرين إن أنا كدا خلاص حققت النجاح اللي أنا عايزه، بس في الحقيقة الجايزة دي مجرد خطوة مش أكتر، فاهمة قصدي؟»

يقول صبحي إنه تشاجر مع أصدقاء وافترق عن صديقة بسبب قراره احتراف التمثيل. يعتقد أن الناس قد لا يبالون بمشاهدة فيلم في السينما، لكن أغلبهم على قناعة بأن كل ما يجري وراء الشاشة، وراء العرض، قبيح وبذيء.

تقول الليثي: «مرينا بأوقات صعبة، أنا وعلي». هو غالبًا ما يشير إليها في الحوارات باعتبارها من أسباب نجاحه المهمة. تقول: «الجايزة دي أشبه باعتذار من العالم كله، وبالذات من عيلتي». وتتذكر اتصالًا هاتفًيا من قريبة لها تنتمي إلى الجانب المحافظ في العائلة. «باركت لعلي وبعدين لقيتها بتقولي عقبالك. بغض النظر عن قد إيه الأهل بيدعموا الواحد في الأول، لما حاجة زي دي بتحصل، ويبدأوا يغيروا رأيهم، بتعمل فرق كبير».

رغم طلب والدها، فقد سارت الليثي يوم تخرجها أخيرًا وسط زملائها في الإعلام وفي المسرح، وتعترف أنها رغم هذا القدر الهين من التمرد، لا تزال حساسة تجاه ما يتوقعه الناس منها. تقول «أنا ساعات كتير بتحول لشخص تقليدي جدًا». تتذكر ترددها عندما قرر صبحي ارتداء بذلة حمراء لامعة في ليلة عرض الفيلم في دبي.

تقول إن الأمر بدا في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وكأنهما ينتميان إلى ثقافة فرعية أو ثقافة داخل الثقافة، بوصفهما ممثلين جديدين في مهرجان مكرّس للسينما التجارية، وتتذكر كيف أن طاقم الفيلم وغيرهم من السينمائيين المستقلين المصريين «فضلنا لازقين في بعض زي ما نكون شلة واحدة».

ترجع فكرة «علي معزة وابراهيم»، وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للبنداري، إلى سنة 2008، بعد أن كان صبحي عضوًا ضمن طاقم الصحفي السابق الذي تحول إلى الإخراج إبراهيم بطوط في فيلمه الأول واللافت «عين شمس». حكى صبحي للبطوط عن ولد اسمه سيد يُشاع أنه أقام علاقة جنسية مع ماعز، ما جعل الناس يطلقون عليه اسم «سيد معزة». وعندما تقصَّى صبحي القصة اكتشف أن والد سيد يعمل في مقلب قمامة تعيش فيه حيوانات كثيرة، فكان الولد يقتني ماعزًا، ولأنه كان يعرج في سيره، فقد أصبح هدفًا سهلًا للسخرية.

بنى البطوط قصة حول شخصية سيد، وفي 2014 تولى البنداري المشروع مع السيناريست أحمد عامر، فكتبا 17 مسودة بنهايات متعددة على مدار سنتين. وهكذا فاز صبحي بجائزة أفضل ممثل عن أدائه دورًا مستوحى من قصة ولد اكتشفها بنفسه قبل عشر سنين تقريبًا.

كان البنداري قد انتهز الفرصة ليحيّي «كل المرفوضين من مجتمعاتهم … وكل من يملك شجاعة أن يكون مختلف»، ولكنني أسأله الآن، بعد شهر واحد، عن فيلمه هذا، فيرد بحذر قائلًا إنه «مجرد فيلم». يرتاح أكثر إلى اعتبار ذلك دافعًا إلى عمل الفيلم بدلًا من أن يكون الدافع هو رسالته أو الدرس المستفاد منه، خاصة وأن العمل الفني قد يتعرض لسوء تأويل باعتباره يقدم حلولًا لمشاكل اجتماعية.

يشاركه صبحي هذا الإحساس. يقول: «عندي مشكلة كبيرة مع العروض أو الأفلام اللي بتحاول تعلم المجتمع بأن هي تبص على عيوبه من فوق. الطريقة دي فيها عنصرية وطبقية. ما اعتقدش إن التغيير في المجتمع ممكن ييجي لو قعدنا نقول للناس الوحشة انها بتعمل حاجات وحشة. أعتقد إن التغيير بيحصل لما بتمسك مراية وتخلي الناس تشوف الحاجات الوحشة بنفسها». ويضيف أن «علي معزة وابراهيم» يعيد الاعتبار لفكرة أن البشر يحبون بطرق مختلفة.

تضيف الليثي أن الفيلم «عن أنسنة الآخر» وتعتقد أنه يقاوم تقليدًا في الكوميديا يعمد إلى تجاهل الاختلافات، ويرى كلاهما أن هذا التقليد ترسّخ في الثقافة والترفيه في مصر خلال السنين الأخيرة.

من خلال فرقة «حالة» عرف صبحي السينما المستقلة والمسرح غير التقليدي. تعلم كيف يدمج الرقص والموسيقى في التمثيل، وشارك في ورش عديدة صقل من خلالها موهبته. كانت الفرقة قد حقّقت جماهيرية جيدة وسط المناخ السياسي المضطرب في الفترة من 2001 إلى 2010، نظرًا لعدم خوف أعضائها من اختراق المناطق الشائكة. ورغم أن جمهورهم كان متنوعًا، فقد كان الناشطون سياسيًا من أخلص هذا الجمهور.

في رد فعل على حريق قصر ثقافة بني سويف سنة 2005، حينما مات 46 شخصًا أثناء مهرجان لمسرح الهواة، عرضت «حالة» مسرحية عنوانها «نار» على خلفية تشابه المقابر. قال صبحي إن الممثلين بعد تلك المأساة بدأوا يجرِّبون مسرح الشارع خشية أن يلاقوا في الفضاءات المغلقة مصيرًا كالذي واجه من ماتوا في ذلك اليوم. وانطلاقًا من هذا، ومن انعدام الثقة في مؤسسات الدولة الثقافية، نشأت منابر جديدة.

علي صبحي في قوطة حمرا. تصوير: أمير مقار

عندما تفككت حالة في 2010، وبعد لقائه بـ «مهرجون بلا حدود»، كان صبحي مستعدًا للابتعاد عن السياسة، فشارك أربعة ممثلين من مصر ومن الخارج في تأسيس فرقة مهرجين في نهاية العام. «فيه فرق واضح أوي ما بين حالة وقوطة حمرا، لكن في النهاية هما الاتنين مبنيين على فكرة واحدة، هي مسرح الشارع» هكذا يكلمني عن الفرقة التي شاركت الليثي فيها بأشكال عديدة في الفترة من 2014 إلى 2015.

ذهبت قوطة حمرا بتعليقاتها الاجتماعية التفاعلية الحماسية إلى المدارس والشوارع والسجون ومراكز الشباب في شتى أرجاء مصر. يقول صبحي: «دا كان اختيار واعي، عشان كلنا كنا عايزين نكمل شغل. ما كانش حد فينا عايز يشتغل على عروض سياسية بس، فنلاقي نفسنا مش عارفين نشتغل حاجة. كان بردو عندنا إيمان إن احنا ممكن نخلق تغيير من خلال عروض غير سياسية في الشارع. أعتقد إن تقبل الناس لفن في الشارع دا في حد ذاته مكسب سياسي».

رغم انتشار القمع والقيود المفروضة على من يرتبط عملهم بالمجال العام، يشعر صبحي والليثي بالتفاؤل. يقول صبحي: «أكيد الداخلية سيطرت على الشارع إلى حد كبير، لكن مع ذلك، الداخلية ماتقدرش تخش الحواري وتجري ورا العيال اللي بترسم جرافيتي على الحيطان. زي بالظبط ما يوسف شاهين قال: الأفكار لها أجنحة، ماحدش يقدر يمنعها من الطيران».

جالسًا في البيت بعد أيام من مرور ذكرى 25 يناير السادسة بدون مظاهرة واحدة، يقول صبحي: «قصاد كل شخص بيخاف، بيطلع أربع أشخاص يدعموا، زي ما حصل في الثورة بالظبط. دلوقتي مثلًا في حوالي سبع تمان فرق أفكارها شبه أفكار ’أطفال الشوارع’ [فرقة ساخرة اعتقلت في ٢٠١٦]. يمكن فرقة أطفال الشوارع تقرر انهم يبطلوا شغل، أو أعضائها يقرروا إنهم مش عايزين يتسجنوا أو يتعذبوا أو يتقتلوا، بس أفكارها بتنتشر. ودا بالظبط اللي حصل مع حالة لما وقفت».

بدأ عرض «علي معزة وابراهيم» تجاريًا في الأول من مارس. كُتبت هذه المقالة بتكليف من روان الشيمي التي حرّرتها أيضا في نسختها الإنجليزية.

____________

ترجمة: أحمد شافعي

اعلان
 
 
هبة الشريف