الفُقرا ومشاكلهم والحل الرباني

تنص الاتفاقية المُنشئة لصندوق النقد الدولي على أن المهمة الرئيسية للمؤسسة هي الإسهام في علاج الاختلالات المؤقتة في موازين الاقتصاد المختلفة للدول الأعضاء، من الموازنة العامة إلى ميزاني التجارة والمدفوعات، وغيرها مما يندرج تحت جوانب السياسات المالية والنقدية كالصرف والفائدة والتضخم، ومما لا شك فيه أن مصر تعاني من اختلالات في كل هذه الموازين، بل إن هذه الاختلالات طالما كانت موجودة ومتكررة وخطيرة على صحة الاقتصاد المصري، وهو ما جعل مصر فعليًا زبونًا دائمًا لدى الصندوق في العقود الأربعة الماضية.

ولكن المشكلة تكمن في أن هذه الاختلالات غير مؤقتة، وأن تكرارها على رأس كل عقد تقريبًا، في صورة أزمة نقد أجنبي خانقة وارتفاع شديد في التضخم بالتزامن مع تراجع في معدلات النمو، ليس صدفة، وأن الرابط بين هذه الاختلالات، نقدية ومالية الشكل، هو خلل هيكلي في نمط التنمية القائم في مصر، وخاصة فيما يتعلق بموقع مصر في الاقتصاد العالمي، أي ما تنتجه مصر للعالم من سلع وخدمات كالسياحة وقناة السويس، وكيف يحصل الاقتصاد المصري على العملة الصعبة من جانب، وما تشتريه مصر، أو قل ما تحتاجه، من الخارج، من جانب آخر.

وبفهم ديناميات القطاع الخارجي، الذي يُقصد به صادرات وواردات السلع والخدمات والتدفقات الخارجة والداخلة لرؤوس الأموال، تقوم الصلة بين دور مصر في العالم وبين الاقتصاد كإجمالي مقدَّر لنشاط السكان في بر مصر في فترة زمنية معينة، أي ما ينتجونه وما يستهلكونه لإعاشتهم، بما يمسه هذا من أسئلة حول مستويات المعيشة وتوليد فرص العمل وجودة هذه الفرص، وغيرها من الأسئلة التي تجعل الاقتصاد لا مجرد مجموعة من الأرقام المبهمة أو المنهجيات الرياضية والإحصائية المعقدة، بل مسألة متعلقة بالنشاط اليومي للناس، وبطموحاتهم وتطلعاتهم لأنفسهم ولأولادهم في حياة أفضل، وهي نقطة يصبح فيها الكل متداخلًا مع الأجزاء، والإجمال ظاهرًا من خلال التفاصيل، وتنهار فيها ثنائيات المدى المباشر الخاص بالتمويل الملح، في مواجهة المدى البعيد الخاص بالتنمية والإنتاج والتوزيع. وهنا يتضاءل دور صندوق النقد الدولي كثيرًا في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الاقتصاد والمجتمع، وأضف عليهم السياسة في مصر، ويصبح الصندوق كجراح بارع متخصص في عمليات الركب لمريض، صحيح أنه مصاب في ركبتيه، ولكنه يعاني أيضًا من سرطان الدم في مرحلة متقدمة.

لا يدعي صندوق النقد من الأصل اختصاصًا أو اهتمامًا بالجذور الهيكلية لمشاكل مصر أو غيرها، المالية أو النقدية، وأبلغ المراد من رب العباد هو أن يقدم التمويل اللازم لتحسين الموازين المختلفة، بما ينعكس إيجابًا على مؤشرات الاقتصاد الكلي، فتنخفض معدلات التضخم ويستقر سعر الصرف، وتتراجع نسبة العجز في الموازنة، وينسحب معها الدين العام، ثم ما أن تستقر المؤشرات الاقتصادية الكلية حتى ينطلق عمل اليد الخفية للاقتصاد فتُصب الاستثمارات المحلية والأجنبية صبًا، وترتفع معدلات النمو والتشغيل ارتفاعًا، وتتراجع الواردات وتنطلق الصادرات بفضل تخفيض سعر الصرف، وتهدأ الخواطر فلا يحتاج المحظوظون لتهريب مدخراتهم الدولارية خارج البلاد. مع كل هذا لا يهم كثيرًا كيف ومن أين ستأتي الاستثمارات، ولا يهم حقًا أي قطاعات يحظى فيها الاقتصاد بالتنافسية العالمية، بما يمكنه من جذب رؤوس الأموال أو تحقيق عوائد من العملة الصعبة، كالاعتماد المفرط على قطاع البترول والغاز الطبيعي الذي يشكل ما يزيد عن ٤٠٪ من إجمالي ما نصدره، تمامًا كما كان الحال في مطلع الثمانينيات دون تغيير يذكر، ما وضع الاقتصاد المصري فعليًا تحت رحمة تذبذب الأسعار العالمية، خاصة مع تحولنا لمستورد صاف للطاقة منذ ٢٠١٢ إن لم يكن قبلها، وهو القطاع الذي لا يزال الأقدر على جذب رؤوس الأموال (نحو ثلثي إجمالي الاستثمار الأجنبي منذ السبعينيات يذهبان لهذا القطاع)، وهو قطاع يولّد عملة صعبة للدولة وللاقتصاد أي نعم، ولكن لا علاقة له بالقطاعات الاقتصادية الأخرى، وهو قطاع لا يخلق فرص عمل لأنه كثيف رأس المال وكثيف التكنولوجيا، وبنفس المنطق فلا يهم التعويل على السياحة في ظل ظرف أمني داخلي وإقليمي لا يبدو أنه سيستقر لفترة زمنية قادمة، كما أنه ليس مهمًا كثيرًا أن نتوقف عند طموحات التوسع في التصدير، بعد الانهيار الأخير للجنيه أمام الدولار، في ظل تجارة عالمية في طور الانكماش، ونظام عالمي مقبل على فترة أزمة ممتدة لا تبشر بخير، كل هذا لا يهم لأنها عوامل غير اقتصادية، وإن كان تأثيرها اقتصاديًا، فالسياسة لا يمكن قياسها وما لا يمكن قياسه لا يعتد به، ويخرج عن نموذج الصندوق والمجموعة الاقتصادية الباهر، والذي تبدو فيه العلاقات الاقتصادية طوع القوانين الحديدية للفيزياء: خفِّضْ سعر الصرف تزددْ الصادرات، وارفعْ سعر الفائدة ينخفض التضخم، وهكذا!

كانت القضية وستظل هي الإتيان بنظام اقتصادي قادر على تحقيق التنمية لغالبية الناس في مصر، وفي هذا السبيل قد يكون استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي ضرورة (وقد لا يكون، لا أدري!) ولكن هذا كله يظل السبيل لا الغاية، لأن استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية من خلال الاقتراض من الخارج، مع تعمُّق الركود الاقتصادي، كل هذا سيؤدي في الغالب لتحسين المؤشرات الكلية في بضعة شهور، ولكن هل سيطلق النمو؟ وهل سيكون هذا النمو مغايرًا لذلك النمو المبهر الذي سبق سنوات الثورة، والذي كان بإقرار صندوق النقد نفسه «نموًا بلا تنمية»؟

ينقلنا هذا إلى نقطة محيرة للغاية، إذ يفرّق القائمون على الشأن الاقتصادي العام في مصر بشكل عجيب بين ما نحن بحاجة إليه في المدى المباشر من تمويل على سبيل المثال، وهو المسوّغ وراء الاتفاق مع صندوق النقد في المقام الأول، وبين مقتضيات التنمية باعتبارها مسألة بعيدة المدى، أو لم يحن وقتها بعد، أو تلي بشكل أو بآخر استقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية، بينما التصور الفعلي الذي يتبناه هؤلاء هو ذلك الذي يطرحه الصندوق وغيره (وهذا بالمناسبة أمر جيد، لأن الصندوق لديه تصورٌ على الأقل، مهما كان رجعيًا أو قائمًا على إيمان العجائز، في مقدمات الاقتصاد الجزئي، بينما صانعو القرار في مصر لا يملكون أي تصور على الإطلاق) ـ هذا التصور هو أن الاقتصاد «سيبدع وينطلق» بعد تحسن المؤشرات الاقتصادية ودبيب الطمأنينة في قلوب المستثمرين والمقرضين والداعمين، وهو ما يعني ببساطة أن الهدف على المدى البعيد ليس التنمية، لا سمح الله، بل الرجوع لوضع تكون فيه الاختلالات الهيكلية ـ التي ستظل هيكلية بسبب عدم وجود خطة أصلًا لعلاج جذور المشكلة ـ مُدارة وتحت السيطرة، بحيث يولد النمو ما يكفي لكي لا تخرج هذه الاختلالات عن السيطرة، بما يحوجنا لمن يسوى ولمن هم دون ذلك، من خلال طلب المنح أو القروض.

أما التعامل مع الأسئلة الحرجة الخاصة بما ينتجه الناس وما يستهلكونه، وما ينتظرهم وينتظر أولادهم من بطالة وغياب استدامة بيئية وتراجع في مستويات المعيشة، والتي تظل حقيقة يومية سواء قاسها الاقتصاد أو لم يقسها، فهذا كله فوق طاقة صانع القرار، وهو ما يذكر بأغنية للشيخ إمام عيسى كتبها أحمد فؤاد نجم وتقول:

هتقولي الفقرا ومشاكلهم؟

دي مسائل عايزة التفانين

أنا رأيي نحلّها رباني

ونموّت كل الجعانين

اعلان