بعد اتفاق صندوق النقد.. أين تذهب الـ 25 مليار الزيادة في الإنفاق الاجتماعي؟
 
 
صورة: بسمة فتحي
 

تعتزم الحكومة المصرية زيادة إنفاقها الاجتماعي بقيمة 25 مليار جنيه كحد أدنى بحلول يونيو المقبل، كجزء من الاتفاق الذي أبرمته مع صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 12 مليار دولار، تسلمت مصر الدفعة الأولى منه في نوفمبر الماضي. ورغم ورود إشارات للاتجاهات العامة لهذه الزيادات ضمن الاتفاق، فإن وزارة المالية لم تصدر أي بيانات تفصيلية بشأنها حتى الآن؛ لكن الأهم وفقًا لاقتصاديين تحدثوا لـ «مدى مصر» هو أن الزيادة، حتى وإن حدثت، قد تكون متأخرة وغير كافية.

وطبقا لتقرير الخبراء الذي خرج إلى النور بعد أسابيع من إبرام الاتفاقية، فإن الجانب المصري سيتوسّع في إنفاقه على الدعم الغذائي والتحويلات النقدية. وحدد التقرير الصادر عن صندوق النقد أن ذلك التوسع سيشمل «دعمًا غذائيًا إضافيًا، وتحويلات نقدية للمسنين والأسر ذات الدخل المنخفض وبرامج اجتماعية أخرى مستهدفة تشمل المزيد من الوجبات المدرسية المجانية… ودعمًا للبن الرضّع وأدوية الأطفال والتدريب المهني للشباب»، على أن يصل ذلك الإنفاق إلى نسبة 1% من الدخل القومي المحلي يتم تمويلها من المدخرات المالية لدى الحكومة.

وفيما لم يتطرق تقرير الخبراء لتفاصيل برامج الإنفاق الاجتماعي، مكتفيًا ببعض ملامحه العامة، فإن رئيس بعثة صندوق النقد لمصر كريس جارفيس عرض نواحي أكثر تفصيلا لهذا الإنفاق في مقالة على مدونة صندوق النقد عقب نشر وثائق الاتفاق. وقال جارفيس إن البرامج التي تستهدف الفئات الضعيفة من المصريين تتضمن رفع قيمة دعم البطاقات التموينية لتصل إلى 21 جنيهًا للبطاقة، وتوسيع قاعدة برنامجي تكافل وكرامة ليصل عدد المستفيدين منهما إلى 1.7 مليون أسرة، وهو ما يعادل 7.3 مليون مواطن، في حين كانت مليون أسرة تستفيد منهما في 2016. كما تستهدف الزيادة في الإنفاق الوصول إلى 1.7 مليون أسرة أخرى من خلال معاشات الضمان الاجتماعي، مع زيادة في المعاشات العامة.

وكرر جارفيس ما ورد في تقرير الخبراء بشأن الزيادات في دعم وجبات المدارس المجانية ولبن الرضع وأدوية الأطفال والتدريب المهني للشباب، ولكنه أضاف أن الزيادة ستشمل توصيل الغاز الطبيعي إلى مناطق فقيرة، وإنشاء المزيد من دور الحضانة كجزء من إعادة هيكلة اجتماعية لإدماج المرأة في القوى العاملة بشكل أكبر. ورغم أن عرض جارفيس كان الأكثر إسهابًا في التفاصيل من جانب الصندوق، إلا أنه لم يذكر كيف سيتم إنفاق الـ 25 مليار جنيه الزائدة على هذه البرامج.

الخُمس فقط تم الإعلان عنه

محمد معيط، نائب وزير المالية لشئون الخزانة العامة، قال إن الزيادات قيد التنفيذ، وأضاف في تصريحات لـ «مدى مصر» إن «الزيادات في الإنفاق على الحماية الاجتماعية شملت زيادة دعم البطاقة التموينية من 18 إلى 21 جنيهًا، وهي الزيادة التي طُبقت في شهر ديسمبر الماضي، وتلك كانت تكلفتها 2.5 مليار جنيه»؛ بينما زاد الدعم النقدي لبرنامجي تكافل وكرامة، والذين يصرفان مدفوعات نقدية لكبار السن والمعاقين والأسر التي تعول تلاميذًا بالمدارس، «بنسبة نحو ثلاثة مليارات جنيه، لترتفع من أربعة إلى سبعة مليارات». كما ذكر معيط زيادات أخرى، لم يحددها، في دعم مزارعي القطن وقصب السكر والقمح.

وبحسب تصريحات صحفية سابقة لمعيط، فإن الزيادات تشمل ثلاثة مليارات جنيه لقطاع الصحة و11 مليار دعمًا للسلع التموينية، زائدة على الـ 41 مليار المدرجة في مشروع ميزانية 2016/2017. فيما لم يستطرد معيط في تفاصيل باقي المخصصات، واكتفى بتأكيد أن الزيادة المزمعة ستتحقق بحلول شهر يونيو المقبل، كما جاء في الاتفاق مع الصندوق.

كما لم تحدد البيانات الصادرة عن وزارة المالية ما إذا كانت هذه الزيادات جزءًا مما تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد أم لا. ولم يستجب مسؤولو الوزارة للأسئلة التي وجهها «مدى مصر» بخصوص هذه التفاصيل.

الزيادات المعلنة في الدعم

الزيادة (جنيه)الوجهةضمن زيادة الـ 25 مليار
3 ملياراتتكافل وكرامةنعم
2.5 ملياربطاقة التموين (من 18 إلى 21 جنيهًا)نعم
3 ملياراتمخصصات التأمين الصحيغير معلوم
8.5 ملياردعم الخبزغير معلوم

بذلك تبلغ الزيادات المعلنة في ميزانية الدعم الاجتماعي نحو 17 مليار جنيه، خمسة منها فقط أكدت الحكومة أنها ضمن المتفق عليه مع الصندوق.

بحسب طرفي اتفاق القرض، تأتي هذه الزيادات كوسيلة لتخفيف الأعباء المتوقعة على الفقراء -وعلى رأسها ارتفاع الأسعار- نتيجة الإجراءات الاقتصادية المصاحبة للقرض، كخفض دعم الطاقة وتطبيق الضريبة على القيمة المضافة وتحرير سعر الصرف. وقد تلى تطبيق تلك الإجراءات معدلات تضخم قياسية وصلت في شهر يناير الماضي إلى 29.6%، وهي النسبة الأعلى على مدى ثلاثة عقود.

الغلاء: تآكل في الدعم، أم تعظيم له؟

الزيادة المستمرة في معدل التضخم -الذي توقع صندوق النقد وصوله إلى 18.2% في 2017، وتوقعت مؤسسات خاصة كبنك الاستثمار بلتون ومؤسسة كابيتال إكينوميكس بقاءه مرتفعًا هذا العام- تثير القلق من حيث أثره المرتقب على شبكة الحماية الاجتماعية، كما تطرح تساؤلات بشأن قيمة هذه الزيادات وجدواها.

فقد قفزت أسعار بعض السلع إلى الضعف نتيجة لانخفاض سعر الجنيه إلى نحو نصف قيمته بعد تحرير سعر الصرف. ولأن مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم (تستورد نحو نصف الاستهلاك القومي بكمية تصل إلى 11 مليون طن سنويًا)، فإن هذا يعني أيضًا ارتفاعًا في قيمة فاتورة الدعم الغذائي.

شكل توضيحي للإنفاق على دعم الخبز والسلع التموينية بحسب موازنة 2016/17

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أكد في ديسمبر الماضي أن دعم الخبز لن يمس، رغم رفع تكلفة الرغيف من 35 قرشًا إلى 60 قرش، ما يعني أن دعم الخبز -مع افتراض ثبات سعر الرغيف عند خمسة قروش- سيرتفع إلى الضعف، من 23.7 مليار جنيه في مشروع الموازنة الحالي قبل تعويم الجنيه.

وفي موازنة العام المالي الحالي، ارتفعت مخصصات دعم السلع التموينية، بما يشمل الخبز، من حوالي 37.7 مليار جنيه إلى 41.1 مليار، زادتها الحكومة بـ 11 مليار جنيه إضافية، ذهب منها 2.5 مليار جنيه إلى زيادة قيمة البطاقة التموينية من 18 إلى 21 جنيه، ما يعني أن الباقي قد ذهب لدعم الخبز بواقع 8.5 مليار جنيه، بحسب تصريح معيط.

شكل توضيحي لمخصصات الدعم السلعي في مشروع موازنة 215/16

شكل توضيحي لمخصصات الدعم السلعي في مشروع موازنة 2016/17

وبذلك، فليس من المعروف كيف ستعوض الدولة ارتفاع دعم الخبز من جراء تحرير سعر الصرف، والذي يفوق الزيادة المعلنة بأكثر من الضعف؛ ولم يوضح المسؤولون ما إذا كانت هذه الزيادة ضمن الـ 25 مليار جنيه، فيتآكل معظمها في إعادة تسعير الدعم السلعي، أم أنها خارجها، فتكون الدولة قد زادت من دعمها الغذائي بعيدًا عن الإنفاق الاجتماعي المذكور في الاتفاق، وبذلك يكون الأخير قد فاق التوقعات.

على الجانب الآخر، طال الغلاء عناصر أخرى من الدعم تدخل فيها الزيادات، ولم تُعف السلع التموينية التي يتم شراؤها من خلال الدعم النقدي، الذي زاد بدوره كجزء من زيادة الإنفاق الاجتماعي، من التقلبات الاقتصادية الراهنة؛ إذ ارتفع سعر الزيت التمويني من ثمانية إلى 12 جنيهًا، والسكر من سبعة إلى ثمانية جنيهات في فبراير الجاري، وهي زيادة تضاهي في مجملها الزيادة الأخيرة في قيمة بطاقة الدعم (من 18 إلى 21 جنيهًا).

وفي حين أقر رئيس بعثة صندوق النقد الدولي في مصر، عقب نشر وثائق الاتفاقية، بأن التضخم فاق توقعات الصندوق، رفض الصندوق الرد على أسئلة «مدى مصر» بخصوص تآكل الدعم نتيجة للتضخم الحاد، وقالت متحدثة باسم الصندوق ردًا على سؤال «مدى مصر» بهذا الشأن: «ليس هناك تعليق على هذه المسألة من جانبنا».

كان بعض النواب البرلمانيين قد هاجموا قرار زيادة أسعار الزيت والسكر الأخيرة قائلين إنها تلغي فعليًا الزيادة السابقة في الدعم: «ما ينفعش نطالب الوزير بزيادة الدعم ونقول إن الزيادة غير كافية يقوم يضيفها بيد ويسحبها باليد الأخرى»، حسبما قالت نادية هنري، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب.

وقد أرجع وزير التموين، المقال مؤخرًا، محمد على مصيلحي الارتفاع الأخير في أسعار الزيت والسكر التمويني إلى تحرير سعر الصرف، ما أثر على ما تستورده البلاد، مستشهدًا بأن مصر تستورد 97% من الزيوت، إلى جانب زيادة أسعار بعض السلع المحلية كقصب السكر.

في حين قال معيط في تصريحات صحفية، أمس الثلاثاء، إن الوزارة ضخت 500 مليون جنيه شهريًا زيادة على مخصصات دعم سلع البطاقة التموينية، إثر التضخم الناتج عن القرارات الاقتصادية، مما سيرفع الدعم المخصص لها من 1.7 مليار إلى 2.2 مليار. ولم يوضح إن كانت هذه الزيادة متضمنة في الزيادة المتفق عليها أم لا، أو إن كانت جزء من الـ 11 مليار التي سبق الإعلان عن اعتزام ضخها في دعم السلع التموينية.

وفي ظل غياب المعلومات التفصيلية عن مسار الـ 25 مليار جنيه الإضافية، يصعب الجزم بما إذا كان معظم الإنفاق الإضافي يتآكل نتيجة للتضخم أم يقدم مظلة اجتماعية فعالة تحصن محدودي الدخل من آثار التضخم. وفي كلتا الحالتين، يشكك خبراء في قدرة سياسة الإنفاق الاجتماعي الحالية على رفع المعاناة عن الطبقات الأدنى من المجتمع في خضم المناخ الاقتصادي الصعب الذي تمر به مصر.

مسكنات للبعض، ولا شيء لآخرين

رغم ضرورة زيادة الإنفاق الاجتماعي لتلافي عواقب القرارات الاقتصادية الأخيرة على الأسعار، فإنه لا يكفي ولا يصرف في الوجهات الصحيحة، هكذا تقول هبة الليثي، أستاذ الإحصاء في جامعة القاهرة، والمشرفة على بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وتؤكد الليثي أن برامج المعاش الاجتماعي الحالية ضرورية لتخفيف العبء على محدودي الدخل، لكنها «ليست حلًا»، مضيفةً أن «أي مريض يحتاج مسكنات لتخفيف آثار المرض عليه، ولكنها لا تعالج المرض».

وتعتبر الليثي الإنفاق «بناءً على سياسات تنموية» هو الأساس في تحسين مستويات المعيشة للطبقات الأدنى من المجتمع، على أن تشمل تلك السياسات خلق فرص عمل جديدة تمكن المصريين من الحصول على دخول تكفل لهم العيش الكريم، مؤكدة أن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، والتي وصفتها بغير المدروسة، أوقفت البعض عن الإنتاج وأحدثت أزمات في توفر السلع، ما أوقف عجلة الإنتاج وبالتالي أدى إلى تقليص فرص العمل.

وبحسب دراسة أعدتها الليثي بعد إقرار الحكومة لضريبة القيمة المضافة في 2016، ففي حال كانت زيادة الأسعار المصاحبة لتلك الضريبة 15% فستكون نسبة ارتفاع معدل الفقر 35%، وهي النسبة التي كانت قد بلغت 27.88% عام 2015 وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. أما في الوضع الراهن والذي وصل فيه التضخم  إلى 29.6%، فتقول الليثي إن الفقر «سيزيد عن هذا التوقع».

من ناحية أخرى، تحذر سلمى حسين، الباحثة في وحدة العدالة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من أن الذين سيدخلون في عداد الفقراء نتيجة لآثار اتفاق صندوق النقد على الاقتصاد، سيفوق عددهم المستفيدين من الإنفاق الاجتماعي الإضافي، واصفة زيادة الـ 25 مليار جنيه بـ «الصغيرة جدًا والمتأخرة جدًا».

وتشدد حسين على أن السياسات القائمة لا تستهدف إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء، مضيفة أن «حجم الوفر الناتج عن السياسات الجديدة، والتي تجمّد الدخول والتوظيف الحكومي وتحد من دعم الطاقة، أكبر بكثير من الـ 25 مليار جنيه».

وتتفق حسين مع الليثي في ضرورة الاتجاه إلى زيادة الإنفاق على التعليم والصحة بحيث تكون خدماتهما متاحة وبجودة عالية لذوي الدخل المحدود، قائلة إن «تلك السياسات بعيدة المدى، ولكنها مجدية؛ فبدلًا من أن تبدد الدولة الموارد وتحجم عن الإنفاق الاجتماعي المؤثر، فإنها ستنقذ أجيالًا بعد عقد أو اثنين من الآن».

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي