في جامبيا، ديكتاتور هزمه الصندوق

بين تصريحه عام 2011 بنيته الاستمرار في الحكم لمليار سنة، وإعلانه في يناير 2017 عن قراره بالتخلي عن السلطة لمنافسه الفائز في الانتخابات، تبدو قصة يحي جامع، رئيس جامبيا المنقضية ولايته، رواية تستحق الحكي.

امتدت مسيرة حكم الرجل لـ22 عامًا، وكتبت الانتخابات الرئاسية الأخيرة السطر الأخير فيها، حيث ترك جامع السلطة مجبرًا، فيما بدا نهاية غير تقليدية، وتخالف المعتاد في قصص الديكتاتوريات العسكرية.

هناك في أقصى نقطة غربي القارة السمراء، يقع البلد الصغير مساحةً، والقليل سكانًا (نحو مليوني نسمة)، والمتفشي بين أهله مرضا الإيدز والملاريا.

ظلت جامبيا مستعمرة بريطانية، حتى استقلالها عام 1965، لتتحول إلى ملكية دستورية، يتولى داودا جاوارا، من حزب الشعب التقدمي، رئاسة وزرائها، على رأس نظام ديمقراطي، يعتمد التعددية الحزبية، ثم ما لبثت أن تحولت لجمهورية رسمية على يد جاوارا عام 1970.

وبهذا المعنى، اعتبرت جامبيا واحدة من أقدم الديمقراطيات متعددة الأحزاب في إفريقيا، تجرى فيها الانتخابات بانتظام كل خمس سنوات، لكنها لم تسلم من داء الانقلابات العسكرية الذي تفشى في هذه البقعة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

أتى العام 1994، فقاد ضابطٌ برتبة ملازم اسمه يحي جامع، برفقة ضباط صغار آخرين، انقلابًا عسكريًا غير دموي على مؤسس البلاد السير داود جاورا، ثم ما لبث الضباط أن أعلنوا مجلسًا عسكريًا لحكم البلاد.

ولعل ما شهدته البلاد بعد ذلك ليس مفاجئًا، فلم يخرج عن اللوح المسطور في كتب الانقلابات؛ أصدر جامع قرارًا بترقية نفسه من «ملازم» إلى «عقيد» في الجيش، وضَبط مقاليد الحكم في يده، بعدما ألغى الدستور، وأقصى معارضيه، بالتصفية والقتل والاعتقال، ثم أنشأ حزبًا سياسيًا، ودعا لانتخابات بعد عامين، وصل بها رئيسًا، وظل ينجح في كل ما تلاها من انتخابات في أعوام 2001 و2006 و2011 على التوالي.

أثناء حكمه، تعرض جامع لثماني محاولات انقلاب، أبرزها ما كان في عامي 2006 و2014، فيما يُرجح أن يكون بعضها بدعم من السنغال التي ساءت علاقة جامع بها.

لم تكن هذه الانقلابات تنتهي بالفشل فقط، بل كانت تمنح جامع أيضًا فرصة للمزيد من سياساته القمعية، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية، التي أصدر لها قانونًا يحميها من أي ملاحقة قضائية.

لا يمكن اعتبار جامع ديكتاتورًا عسكريًا فحسب، بل هو قذافي الهوى -إن صح التعبير- من عدة وجوه، فقد غيّر اسمه من يحي عبد العزيز جاموس إلى يحي عبد العزيز جامع، وأضحى لقبه «فخامة رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الشيخ البروفيسور الحاج الدكتور، قاهر النهر، وناصر الدين، يحي عبد العزيز جامع».

كما اعتبر نفسه صاحبَ قدرات خارقة، وأعظم أطباء عصره، فأعلن عام 2007 اكتشافه علاجًا من الأعشاب، يقضي على مرض نقص المناعة (الإيدز)، ولا يكون الدواء ناجعًا إلا إذا تناوله المريض أيام الخميس!

وفي عام 2009، ووفق ما وثقته منظمة العفو الدولية، تُوفيت إحدى عماته، فأطلق عملية سمّاها «مجزرة السحرة»، احتجزت فيها قواتُ الأمن نحو ألف شخص، وقتلت العشرات من النساء، لاتهامهم بممارسة السحر، الذي قيل إن عمته توفيت بسببه.

هاجم جامع المثليين والمتحولين جنسيًا، ووصفهم بـ«الحشرات» التي ستتعامل معها الحكومة كما تتعامل مع البعوض الحامل للملاريا، مهددًا بقطع رؤوسهم.

بل وذهب جنونه لأبعد من ذلك، فكان يصرح بأنه لن يسلم السلطة لشخص أقل منه تدينًا، وبأن الله وحده هو القادر على نزع السلطة منه، وفي نهاية عام 2015، أعلن تحويل جامبيا إلى جمهورية إسلامية، وفَرض الحجاب على الموظفات في مؤسسات الدولة.

سجلت جامبيا في عهد «البروفيسور» مستويات متدنية من النمو، وباتت بلدًا منهكًا سياسيًا ويحتضر اقتصاديًا.

ولكن عام 2016 اقترب من نهايته، وأصبحت جامبيا على موعد مع انتخابات رئاسية، فما كان من جامع إلا أن اعتقل رئيس الحزب الديمقراطي الوحدوي المعارض، المحامي الحقوقي حوسينو داربو ، والذي صدر ضده حكم بالسجن لثلاث سنوات، لمطالبته بالتحقيق في وفاة معارض داخل السجن.

وللمرة الأولى في تاريخها، بدأت المعارضة في العمل معًا على بناء تحالف تحت اسم «الجبهة الديمقراطية المتحدة» لتقديم مرشح ضد جامع.

قدم كل حزب من أحزاب هذه الجبهة مرشحًا محتملًا، ثم جرى اقتراع داخلي، انتهى إلى ترشيح رجل الأعمال أداما بارو منافسًا رئاسيًا، والتفت الأحزاب المعارضة جميعها خلفه.

كان بارو رجل أعمال لم يشغل منصبًا سياسيًا من قبل، انتقل إلى لندن أوائل الألفية، حيث كان يعمل حارس أمن، ثم عاد إلى جامبيا عام 2006، فتعهد –أثناء ترشحه- بالعمل على إنعاش الاقتصاد، وتحديد مدة الرئاسة بولايتين، وتشكيل حكومة انتقالية لثلاث سنوات.

كان الثاني من ديسمبر عام 2016 هو يوم الاقتراع الذي شكل نقطة تحول في مصير جامع، فقطع الأخير يومها الاتصالات الدولية وخدمة الإنترنت من عموم البلاد، واقتصر حضور المراقبين الدوليين على مبعوثي الاتحاد الإفريقي.

لكن نتيجة الانتخابات جاءت صاعقة، حين أعلنت اللجنة العليا، فوز بارو وسقوط جامع من على عرش السلطة.

اضطربت تصرفات جامع إثر النتيجة، فاعترف بالهزيمة أولًا، ثم سحب اعترافه ثانيًا، ليشكك في نتيجة الاقتراع ثالثًا، ويمارس ضغوطًا على اللجنة لتغيّر نتائجها رابعًا!

وهنا، وبعد هزيمته داخليًا، بدأت معركة أخرى ضد جامع، عبر سلسلة من الضغوط الخارجية عليه لتسليم السلطة. أتت الضغوط من جهات عدة، أبرزها كان مجلس الأمن، وأشدها كان من الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس».

حاولت «ايكواس» عزل جامع عن منصبه سلميًا، ثم هدّدت بالتدخل العسكري لإجباره بالقوة، واستمر الأمر على هذا النحو لأكثر من شهر، حتى وصلت قواتها العسكرية إلى مشارف جامبيا، تمهيدًا للتدخل ودفع عملية انتقال السلطة.

عند هذه اللحظة، بدا جامع مهزومًا داخليًا، وملاحَقًا خارجيًا، فانتهى به الأمر مستسلمًا، بإعلانه ترك موقعه ومغادرة البلاد.

هكذا يبدو أن عاملين أساسين ارتكزت عليهما نقطة التحول في مصير جامع، ومن بعده مصير جامبيا، تمثلَ أولهما في الوحدة التاريخية غير المسبوقة للمعارضة، ما ساعدها على الفوز بثقة الجماهير، وتمثل ثانيهما في الضغط الإقليمي الذي مورس ضد جامع، استثمارًا لهذا النجاح الداخلي، والضغط لتحويله أمرًا واقعًا.

اعلان
 
 
عبد الهادي حريبة  heriba500