الاستغناء للاستمرار: كيف تعيد اﻷسر ترتيب ميزانياتها
يستعرض «مدى مصر» قصص ست أشخاص ذوي دخول متفاوتة لمعرفة تأثير ارتفاع الأسعار عليهم
 
 
 
صورة: بسمة فتحي
 

منذ ما يزيد على عامين يواجه المصريون موجة من زيادة اﻷسعار وانخفاض قيمة الجنيه، وصلت ذروتها في أعقاب قرار تعويم الجنيه، الذي اتخذته القيادة السياسية ضمن قرارات أخرى في نوفمبر الماضي، لتترك المصريين بمختلف مستوياتهم في مواجهة تضخم طحن ميزانية معظمهم، ولم يعد أمامهم سوى محاولة إعادة توزيع بنود تلك الميزانيات بما يسمح لهم بالاستمرار في المعيشة.

سد العجز في الموازنة والدين العام، كانت هذه هي أهم اﻷسباب التي ساقتها الحكومة في محاولة إقناع المصريين بأهمية الحصول على قرض صندوق النقد الدولي، البالغة قيمته 12 مليار دولار، والذي كان المحرك الرئيسي للكثير من قراراتها الاقتصادية التي بدأتها في عام 2014 تحت مسمى خطة الإصلاح الاقتصادي، وفي الوقت نفسه كان المصريون يحاولون سد العجز في موازناتهم الخاصة بشتى الطرق، والتي تمحور جلها حول إعادة تحديد أولويات الإنفاق، في مواجهة أسعار لم تعرف سوى الارتفاع، ومصادر دخل أرهقها انخفاض القيمة الشرائية، وتضخم بلغ معدله السنوي أعلى مستوياته منذ ثمان سنوات، ومن المتوقع أن يواصل الارتفاع.

هنا؛ نحاول التعرف على أمثلة للتغير الذي شهدته ميزانيات المواطنين، من خلال ست أسر من شرائح اجتماعية متفاوتة.

أحمد «بيبسي» – اللحمة رفاهية

بعد ست سنوات من العمل في شركة بسكو مصر في القاهرة يحصل أحمد«بيبسي» على 1250 جنيه، مقابل العمل من الساعة الثانية ظهرًا حتى العاشرة مساء، ومنذ عامين، وفي محاولة لتحسين دخله، بدأ في عمل إضافي كحارس أمن في أحد الفنادق، من الحادية عشر مساءً وحتى السابعة صباحًا، إلا أنه لا يمكنه الاستمرار في العمل بلا توقف على هذا النحو.

«حاسس إني تعبان وعاوز أرتاح. مش عارف أكمل على الوضع ده، علشان كده عاوز أعيش على مرتب الشركة وخلاص»، يشرح أحمد.

تمثل مصاريف الطعام والمواصلات أعلى أوجه الإنفاق في ميزانية أحمد، تليهما فواتير الخدمات الأساسية، التي تتراوح من عشرات إلى مئات الجنيهات، وتحت وطأة هذه النفقات يقول أحمد إنه يضطر للاستدانة في بعض الشهور.

أحد اﻵثار اﻷوضح لتغير أوجه إنفاق أحمد، القاطن في شبرا، كان في عاداته الغذائية، يوضح: «كنا بنشتري سندوتش فول أو طعمية أو باذنجان بجنيه واحد، لكن بعد تعويم الجنيه، أصغر سندوتش بقى بجنيه ونص. وكان أصغر طبق كشري بثلاثة جنيه، دلوقتي وصل خمسة جنيه. مش قادرين نشتري الحاجات دي زي زمان».

ويضيف: «اللحمة بقت رفاهية ما نقدرش على تمنها. دلوقتي باشتري عضم الفراخ وعضم اللحمة من وقت للتاني علشان نعمل بيه شوربة».

وبعيدًا عن الطعام، يشعر «بيبسي» بالقلق إزاء ارتفاع تكاليف العلاج مُستقبلًا، ويقول: «عندي 29 سنة، بس حاسس إني راجل عجوز وضعيف. والمشكلة إني ممكن أحتاج فلوس أكتر للعلاج».

بلغت نسبة الفقر في مصر 27.88% في 2015، بارتفاع بواقع 1.5% قياسًا إلى نسبته في العام 2012/2013، لتصل لأعلى مستوياتها منذ عام 2000، وذلك طبقًا لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يوليو 2015،

وكشف البحث أن 10.8% من إجمالي الأفراد في مصر يقل إنفاقهم في الشهر عن 300 جنيه، وأن 14.2% من إجمالي الأفراد ينفقون شهريًا ما يتراوح بين 600-800 جنيه. وبالتالى فإن تراجع القيمة الشرائية لدخولهم تهدد مستويات معيشتهم المتدهورة أصلًا بشكل مباشر.

في الوقت نفسه، اعتبرت  هبة الليثي، أستاذة الإحصاء في جامعة القاهرة، والمشرفة على البحث، أن «خطوة تعويم الجنيه لن تحقق المرجو منها إذا لم تقدم الحكومة برنامجًا لحماية الشرائح اﻷفقر من آثارها السلبية»، حسبما قالت لـ «مدى مصر» في وقت سابق.

تامر- توكتوك الإنقاذ المؤقت 

1200 جنيه، هذا هو الحد الأدنى للأجور في مصر، وهو نفسه راتب تامر من شركة مصر للغزل والنسيج في مدينته؛ المحلة الكبرى، حيث عمل لمدة 18 عامًا، ونظرًا لعدم قدرته على تدبير نفقات أسرته نتيجة زيادة اﻷسعار في الشهور اﻷخير، لجأ تامر للعمل كسائق توكتوك، ما يضمن له قرابة 400 جنيه إضافية شهريًا.

يقول تامر: «باشتغل من الساعة ثلاثة الضهر لغاية نص الليل في الشركة، وباشتغل ساعتين بعدها على التوكتوك علشان بس أدبر مصاريفي».

تتكون أسرة تامر من زوجة وثلاثة أطفال، وتأتي على رأس قائمة إنفاق الأسرة بنود: الإيجار وفواتير الخدمات اﻷساسية والدروس الخصوصية لطفلين من أطفاله الثلاثة (يلتهم البند اﻷخير وحده نحو 180 جنيهًا شهريًا).

يقول تامر: «مش بناكل اللحمة الحمرا خلاص، مش قادر أشتريها. ممكن ناكل لحمة مرة في الشهر في عزومة عائلية. الأكل اليومي بالنسبة لنا هو الفول والمكرونة والبطاطس والرز. بأحاول أشتري حتة فرخة أو شوية سمك كل أسبوع، ما أقدرش أشتريها أكتر من مرة واحدة».

وفضلًا عن تغير العادات الغذائية، يشعر تامر أيضًا بالقلق إزاء ارتفاع تكاليف العلاج: «إذا حد من الأولاد تعب وراح للدكتور، ده معناه 80 جنيه كشف غير الدوا».

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أكثر من 25 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر في 2015، فيما أوضح بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك أن خط الفقر الرسمي ارتفع من 326 جنيه شهريًا في العام المالي 2012/2013 إلى 482 جنيه شهريًا في 2015، ليعكس زيادة في الحد الأدنى الكافي لحياة كريمة. ما يعني أن الأسرة المكونة من خمسة أفراد كانت تحتاج إلى 2410 جنيه شهريًا في 2015 (قبل التعويم ورفع الدعم عن الطاقة) لكي تبقى فوق خط الفقر الرسمي.

أم أحمد- الاكتفاء بعلاج القلب

أرملة في العقد الخامس من العمر تعيش في أرض اللوا بالقاهرة، هذه هي أم أحمد، التي تعمل طباخة لديها ثلاثة زبائن منتظمين أسبوعيًا، تحصل منهم هلى 1500 جنيه شهريًا، وقد تحصل على 200 أو 300 جنيهًا مقابل عمل إضافي في بعض الأسابيع.

تساعد أم أحمد ابنتيها وابنها المتزوجين في نفقات المعيشة، نظرًا لمعاناتهم صعوبات مالية، وهي جدة لخمسة أحفاد.

الطعام وعلاج القلب وفواتير الخدمات الأساسية، التي تقول إنها تضاعفت في الشهور الأخيرة، خاصة الكهرباء التي تتراوح من 40 إلى 100 جنيهًا، هي أوجه الإنفاق اﻷعلى في ميزانية أم أحمد.

«الحمد لله إننا مش بننام من غير عشا، بس ساعات الواحد يبقى عاوز يجيب حاجات أكتر لأولاده». تقولها أم أحمد وهي تشرح كيف اضطرت للتخلى عن بعض الأشياء التي يحبها أحفادها؛ مثل اللحم والدجاج.

كانت الجدة تصطحب أحفادها للتنزه كل أسبوعين، ولكنها لم تعد تتحمل مثل هذه النفقات، كما لم تعد تستطيع شراء ملابس لهم، فضلًا عن أنها أصبحت تشتري حفاضات الأطفال بالواحدة بعد أن كانت تشتري عبوة كاملة.

توضح أم أحمد أنها أصبحت تكتفي أحيانًا بشراء الأدوية الأساسية لعلاج قلبها المريض، فيما تخلت عن شراء الأدوية الأقل أهمية.

«في الظروف الاقتصادية الصعبة اللي بتمر بمصر، عينينا على المواطن المصري البيسط، اللي هو ظروفه صعبة.. لن يحدث تصعيد في الأسعار للسلع الأساسية ومطالب الناس، مهما حصل للدولار، ومش هيحصل حاجة يعني، والجيش مسؤول والدولة مسؤولة معايا.. وطبعًا ده وعد»، كان هذا نص ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي في لقائه مع ممثلي «اﻷسرة المصرية» في أبريل الماضي.

«كل شيء بقى أغلى. الأرباح بتنخفض وأحوال الشغل سيئة»، كان هذا نص ما قاله رجب، الشاب العشريني  الواقف في كشك خارج محطة مترو العتبة، لـ «مدى مصر» في مايو الماضي.

مصطفى- اﻷولوية للأطفال

زوجة، وطفلان أكبرهما عمره خمس سنوات واﻷصغر سنتين، هذه هي أسرة مصطفى البالغ من العمر ثلاثين سنة، والذي يمتلك متجرين لبيع الهدايا، أحدهما في الحسين والآخر في مدينة الرحاب.

ليس لدى مصطفى دخل ثابت، ولكن دخله الشهري يتراوح من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف جنيهًا. ونظرًا لالتهام إدارة المحلين كل وقته، فشلت محاولاته في البحث عن عمل إضافي لزيادة دخله.

أكبر مصادر إنفاق الأسرة هي مستلزمات الأطفال (اللبن، والحفاضات، والدواء، إلخ)، والأقساط المختلفة، ومصاريف وقود السيارة.

يقول مصطفى: «باحاول أنا وزوجتي تدبير الأمور علشان الأولاد ما يحسوش بالمعاناة، أنا وهي بنتحمل ونتخلى عن احتياجاتنا علشان خاطرهم». توقف الزوجان عن شراء اﻷلعاب ﻷطفالهم، ولم يعودوا يشترون الملابس إلا في حالات الضرورة القصوى، كما أصبحت النزهات العائلية أمرًا نادرًا بالنسبة لهم، لا يلجأون له إلا من أجل اﻷطفال.

يشعر مصطفى بالقلق إزاء القرارات الصعبة التي قد يُضطر إلى اتخاذها في المستقبل: «حاسس بالإرهاق، وبأعمل كل اللي أقدر عليه، بس ضهري للحيط».

رغم الانتقادات الموجهة لمنهجية مثل هذه اﻷبحاث، يرصد البحث الحكومي للدخل والإنفاق والاستهلاك انخفاض نسبة نصيب الفرد من الإنفاق على الطعام والشراب من 39.9% في 2010/11 إلى 34.4% في 2015، ونسبة نصيب الفرد من الإنفاق على المسكن ومستلزماته، من 18% في 2010/11، إلى 17.5% في 2015، ونسبة نصيب الفرد من الإنفاق على الثقافة والترفيه من 2.2% في 2010/11، إلى 2.1% في 2015.

على جانب آخر، شهد الاقتصاد المصري تباطؤًا في النمو في الربع اﻷول من العام المالي الحالي، مقارنة بمثيله في العام المالي السابق، بفعل تراجع النمو في الاستهلاك، الذي يعد المحرك الرئيسي للاقتصاد، والذي أرجعه المدير العام لمجموعة مالتيبلز الاستثمارية، عمر الشنيطي، إلى ارتفاع التضخم، وقال لـ «مدى مصر» في وقت سابق إن ذلك التضخم «أدى إلى تآكل في القوى الشرائية للناس لأن مستويات الأسعار ارتفعت جدًا، وهو الارتفاع الذي لم توازه مستويات دخول الأفراد، الذين يعملون في الأغلب موظفين سواء في القطاع الخاص أو العام».

رياض وزوجته- وداعًا لحلم السيارة

يعمل رياض صحفيًا، وزوجته معلمة، يقطنان في ضاحية المعادي بالقاهرة، ويبلغ دخلهما المشترك سبعة آلاف جنيه شهريًا من راتبيهما وفوائد مدخرات في أحد المصارف، ينفقان نصفه تقريبًا على العلاج.

يعاني رياض وزوجته من أمراض مزمنة، ويحتاجان رعاية طبية متواصلة.

بعد العلاج والاحتياجات الطبية، تمثل المواصلات وفواتير الكهرباء أكبر أوجه إنفاق الزوجين.

لم يعد بمقدورهما تناول الطعام في الخارج أكثر من مرتين أسبوعيًا، وأصبحا يشتريان الاحتياجات المنزلية مرة كل شهر، بدلًا من شرائها مجمعة مرة كل شهرين.

يقول رياض: «كنا عاوزين نحوّش علشان نشتري عربية، لكن أسعار العربيات ارتفعت 3 أضعاف، كل حاجة سعرها ارتفع».

«التأثيرات التضخمية لقرار التعويم تصيب هذه المرة الطبقات الأفقر بوضوح»، هكذا قال سامر عطا الله، الأستاذ المساعد للاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة، لـ «مدى مصر» في وقت سابق. مضيفًا أن «السلع الغذائية التي يرجح بشدة أن تتصدر قائمة السلع التي ستشهد ارتفاعًا كبيرًا في أسعارها بناءً على قرار التعويم تمثل بدورها الجانب الأكبر من استهلاك الأسر الفقيرة عمومًا».

وأضاف عطا الله أنه «على العكس من ذلك يبدو التأثير أقل بشدة على السلع الاستهلاكية غير الأساسية، من قبيل السيارات على سبيل المثال، كونها تعرضت بالفعل لتأثيرات ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، بما إن قائمة السلع الأساسية ذات الأولوية في الاستيراد لا تشمل بطبيعة الحال السيارات مثلًا».

على جانب آخر، يرصد بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك ارتفاع نسبة نصيب الفرد من الإنفاق على الخدمات والرعاية الصحية إلى 10% في 2015، مقابل 8.1% في 2010/11.

أحمد – الخوف من المدرسة

يقطن أحمد في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، ويعمل مطور برمجيات، يتراوح دخله من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف جنيه شهريًا، فيما يحاول العثور على طرق أخرى لزيادة دخله، وهو ما لم يتمكن منه حتى اﻵن.

لدى أحمد طفل عمره ثمان سنوات، ألحقه اﻷب بمدرسة خاصة للغات، تمثل مصاريفها، مع الطعام والمواصلات، أكبر أوجه إنفاق الأسرة، التي توقفت عم طلب الطعام من المطاعم، أو الخروج لتناول وجبات خارج المنزل.

يقول أحمد إنه لم يعد بمقدوره شراء احتياجات المنزل الشهرية مرة واحدة كما اعتاد سابقًا، كما توقف عن شراء ألعاب لطفله، عدا في مناسبات بعينها مثل اﻷعياد.

أصعب القرارات التي يفكر فيها أحمد في الوقت الحالي، تحت ضغط اﻷزمة المالية، هو التوقف عن إرسال ابنه إلى مدرسة اللغات الخاصة، وإلحاقه بمدرسة لغات حكومية.

يرصد بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك أن متوسط نصيب الطالب الملتحق بالتعليم الخاص من الإنفاق السنوي للأسرة، يعادل 5 أمثال نظير مثيله الملتحق بالتعليم الحكومي.

وبحسب البحث، لدى ثلاثة أرباع الشريحة الأعلى إنفاقًا بطاقات تموينية تمكنهم من الحصول على سلع مدعومة، بينما لا يستفيد 82% من الشريحة الأفقر من أي برامج ضمان اجتماعي حكومية.

وتختلف أنماط الإنفاق كذلك بين الشريحة الأفقر والأكثر ثراءً من المصريين، فقد كشف البحث عن أن الأسر الأفقر أنفقت نحو 47.7% من دخلها على الطعام والشراب، بينما أنفقت الأسر الأكثر ثراءً %22.6 فقط.

وبحسب تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ينفق المصريون الأكثر فقرًا ضعف ما ينفقه الأكثر ثراءً على ضريبة القيمة المُضافة كنسبة مئوية من دخلهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ترجمة: نصر عبد الرحمن

اعلان