الانتفاضة لم تُصوَّر: تمثيل سينمائي لمظاهرات الخبز في عام 1977
 
 

أربعون عامًا مرت منذ يناير 1977.

في السابع عشر من ذلك الشهر، وبناء على تعليمات البنك وصندوق النقد الدوليين، أُعلن فجأة عن رفع الدعم عن مواد غذائية أساسية مثل الخبز والسكر والأرز. نزلت الملايين إلى الشوارع للاحتجاج. وفي ظهيرة يوم 19 يناير جرى تعليق السياسة الجديدة حتى إلغائها تمامًا يوم 20 يناير، ولكن أنباء وردت في هذه الأثناء عن مقتل 79 متظاهرًا وإصابة 556 والقبض على 1250.

الأهرام، 21 يناير 1977

يمكننا القول إن الاحتجاجات وذروة الصراع الطبقي في تاريخ مصر الحديث، مثل الكثير من أحداث تاريخنا، لم توثَّق أو يؤرخ لها، ما يتركنا دون معرفة بسياقها السياسي والاجتماعي، فلم أجد سوى سبعة أفلام مصرية تناولت تلك الاحتجاجات، وبعضها بشكل عابر، في حين لم يُنتج أول هذه الأفلام سوى بعد الأحداث بعشر سنوات.

صحوة البرجوازية

أكثر الأفلام شمولًا في تناوله للانتفاضة هو فيلم «الهجّامة» (1992) الذي أخرجه محمد النجار وألفه أسامة أنور عكاشة، حيث تنتهز سيدة (ليلى علوي) فرصة زيارة ريتشارد نيكسون للقاهرة في عام 1974 لتسرق، فيجري القبض والحكم عليها. ولكن قبل انتهاء فترة سجنها تصطحبها الشرطة إلى احتجاج طلابي يوم 19 يناير 1977 لتقنع الطلاب بأن لصوصًا ومثيري شغب هم من كانوا وراء الانتفاضة.

على خلفية أغاني الشيخ إمام، يتضمن «الهجامة» عناصر طالما ظهرت في السينما المصرية في السبعينات، مثل الاستهلاك الترفي والأثرياء الجدد وسلاطين العقارات، ولكن هذا أيضًا بالإضافة إلى تصوير أحوال السجون وزيادة الوعي الطبقي والعلاقات الوثيقة بين الدولة ورجال الأعمال، وذعر «القطط السمان» من الجماهير ومن فكرة أن «الرجل الكبير» قد يضطر لترك البلاد.

المصور، فبراير 1977

في الواقع، فقد اضطر السادات لقطع أجازته في أسوان والعودة إلى القاهرة لإعادة فرض النظام. إذ يتابع «الهجامة» صعود المقاولين ورجال أعمال الاستيراد والتصدير، ونشاهد حوارات تعزز الخوف من إضرار تلك المظاهرات بالأرباح. حيث يعلق «هجّام» تحول إلى رجل أعمال، قائلًا بغضب: «اللي مش عارفين ياكلوا حتة من التورتة دلوقتي جايز ما يقدروش ياكلوها أبدًا».

لقطة من فيلم «الهجامة» تعتدي فيها الشرطة على المتظاهرين

كذلك يتحدث هؤلاء الرجال عن «بوتيكاتهم» المنهوبة، والحقيقة أن أي إشارة للانتماء إلى الطبقات العليا في الشوارع، ووقت أعمال الشغب، كانت خطرة. نشرت مجلة «آخر ساعة» في عددها الصادر يوم 19 فبراير 1977، أن فؤاد المهندس، الفنان الكوميدي المعروف، قد تعرض لاعتداء في سيارته الجديدة باهظة الثمن. وكان المهندس واحدًا ممن أطلقوا على المظاهرات اسم «انتفاضة الحرامية».

يطرح فيلم «الهجامة» بشكل علني أن الشرطة دفعت بمسجلين خطر بين صفوف المتظاهرين، واختلقت أدلة لإقناع الرأي العام بأنها كانت فعلًا «انتفاضة حرامية». وقد عمل إعلام الدولة والمجلات واسعة الانتشار على ترويج هذا الاتهام.

آخر ساعة: 2 فبراير 1977

«انتفاضة الحرامية» وطوني مونتانا مصر

مثلما حدث في ثورة 25 يناير من عام 2011، استُخدم التخويف من النهب لتوجيه الرأي العام ضد المتظاهرين. ودفعت وسائل الإعلام الرسمية بروايات عن البروليتاريا الرثة وهي تنهب الكازينوهات والملكية الخاصة، في محاولة لتقويض مطالبها السياسية ولطرح تصور مبسط ومخل للصراع الطبقي. مع ذلك، فإن بعض المباني الإدارية والوزارات ومنازل المحافظين ومراكز الشرطة ومقار الحزب الحاكم والبرلمان ووسائل النقل العام استُهدفت من قبل المتظاهرين، فضلًا عن منافذ بيع المنتجات المدعومة التابعة للدولة.

لكن ذلك لم يمنع السادات من التأكيد على أن الاحتجاجات كانت مؤامرة أشعلتها المعارضة مستغلة سوء أحوال الفقراء. يوم 18 يونيو 1977 ألقى السادات خطابًا أمام عمال هيئة النقل العام تحدث فيه عن حتمية وصف الأحداث بـ«التخريب»: «دي مش انتفاضة شعبية. دي انتفاضة حرامية»، وأعلن: «العناصر دي موجودة بينكم. تخلصوا منها».

المصور، فبراير 1977

فيلم طارق العريان «الإمبراطور» (1990) هو تقليد سخيف، ونسخة تكاد تكون طبق الأصل، لفيلم «سكارفيس» (1983). لكن عوضًا عن تصوير لاجئين كوبيين يصلون إلى الولايات المتحدة، تُظهر المشاهد الافتتاحية مظاهرات عام 1977 وعناوين الجرائد التي تدعي اختراق المخربين لصفوف المتظاهرين. ومثلما هو الحال في فيلم «الهجامة»، يُحقق مع الشخصيات الأساسية في «الإمبراطور»، حيث تجبر الشرطة زينهم (أحمد زكي) على الاعتراف بأنه كان يسرق خزينة ملهى ليلي. وحين يرفض، يُعتقل كسجين سياسي، لتبدأ حبكة فيلم سكارفيس.

انفتاح جيت

قبل الانتفاضة وبعدها، دافع السادات عن سياسة الانفتاح، الخطوة التي حملها الكثير من الأمنيات بعد حرب 1973. وتناولت وسائل الإعلام تكرارًا الازدهار الذي سيترتب عليها، وأعلن السادات في مرات عديدة أن الثراء أصبح مضمونًا لكل مواطن. فالسياسة الجديدة ستفتح أسواقًا وترحب الاستثمار الخاص وتجذب رؤوس الأموال من أسيا والغرب، وتتضمن انسحابًا بسيطًا للدولة من توفير سبل الرفاهية.

الفيلم الوحيد الذي عرض وجهة نظر السادات عن الاحتجاجات، متخذًا موقفًا محايدًا باستناده على السيرة الذاتية للسادات، كان فيلم محمد خان، الذي يمتد لثلاث ساعات، «أيام السادات» (2001). في هذا الفيلم يتوقع السادات (أحمد زكي أيضًا) أن رفع الأسعار مقدار قرشين سيكون مسألة بسيطة، كما يرفض المعارضة، خاصة الطلابية منها، باعتبارها طفولية وغير جديرة بالاهتمام. ويستمر موقفه الأبوي هذا خلال المظاهرات، فيقول لزوجته جيهان السادات (ميرفت أمين) وهما جالسان في حديقة فيلتهما: «دي مش طبيعة المواطن المصري».

الأهرام، 17 أبريل 1977

تظهر خبرة المهمشين في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي في فيلم داوود عبد السيد «الكيت كات» (1991) المقتبس من رواية إبراهيم أصلان «مالك الحزين» (1983). إلا أن الفيلم، الذي يعتبر أروع ما أخرجه عبد السيد، يتجاهل سياق الرواية التي تدور أحداثها ليلة 18 و 19 يناير 1977، حيث يشهد الراوي أن سكان إمبابة المطحونين لا يتوقفون مجرد لحظة للاحتفال. دون التطرق مباشرة للمظاهرات أو السياسة، تركز كوميديا عبد السيد انتباهها على رجل ضرير عاطل عن العمل (محمود عبد العزيز)، وفقره وصراعه الإنساني، مع الإشارة إلى الارتفاع الشديد في الأسعار وفرص العمل في الخليج، وبينما أساطين العقارات يحولون المنازل القديمة إلى عمارات سكنية فخيمة.

ذكر أصلان في مقابلة خلال عام 2002 أن الأفلام مقيدة بشكل لا يسري على الروايات. «لذلك فإن تعاملي مع السينما لابد وأن يكون غير منحاز»، قال أصلان مضيفًا أنه وافق على سيناريو داوود الذي حول شخصية ثانوية إلى بطل الفيلم «لأسباب سينمائية ورقابية».

شيوعيون ومجندون

شهد عام 1977 ذروة عداء السادات تجاه الحركة اليسارية (التي كانت أقوى بكثير وقتئذ)، بعد انتخابات عام 1976. قامت الدولة بمداهمات الفجر ومنحت الإسلاميين أكثر من منبر لممارسة السياسة في الجامعات والمجتمع المدني بهدف مواجهة اليسار. وكان العنصر الحاسم في أعمال الشغب تلك هو القوة التي واجهت المحتجين جسديًا: حيث عُبئت أعداد ضخمة من قوات الأمن المركزي، المكونة من شباب شبه أميين ومطحونين يملكون بنية جسدية قوية ويوَجَّهون إلى وزارة الداخلية ليمضوا فترة تجنيدهم في الشرطة؛ ويُمَدُّون بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية.

كتب وزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل في مذكراته المنشورة عام 1991 أنه جرى نشر قوات البلاد كلها تقريبًا في الشوارع، حتى أنه بحلول 19 كان أغلبهم قد أُجهد وأصبح غير قادر على مواجهة الأعداد الكبيرة من المتظاهرين الذين بدأوا في اللجوء إلى العنف. أمر السادات بنشر الجيش، وجابت فرق من الشرطة العسكرية والقوات الخاصة والمشاة البلاد لقمع المعارضة.

فيلم البريء (1986) لعاطف الطيب لا يتناول الانتفاضة، إلا انه يتأمل في الأحوال داخل معتقلات السادات والقسوة المستخدمة ضد الطلاب والشيوعيين والكتاب.

هو واحد من أفلام السجون القليلة التي نشاهد فيها يساريين، وليس إسلاميين، يتعرضون للتعذيب. يناقش «البريء» الجانبين الأهم في الانتفاضة؛ القبض على اليساريين واحتجاج المجندين. تصف تحفة الطيب كيف يجري اختيار مجندي قوات الأمن المركزي، وترويضهم، وتدريبهم ثم وضعهم وجهًا لوجه أمام الجماهير.

بحسب عدد من المتظاهرين، بمن فيهم أحمد بهاء الدين شعبان في كتابه «48 ساعة هزت مصر» (2009)، كان هتاف «أخويا يا عسكري، أهلك جعانين وتعبانين» محاولة لكسب تعاطف الجنود. كذلك يبحث فيلم الطيب في إمكانية انتقال المجند من حالة غسيل المخ إلى الوعي بما يتعرض له من قمع.

كذلك تناول فيلم الفاجومي (2011) لعصام الشماع الاعتقالات العشوائية في عام 1977، والفيلم هو سيرة ذاتية لشاعر العامية المصري أحمد فؤاد نجم، والذي تأثرت أشعاره بتلك الاحتجاجات. ويحمل الفيلم، الذي عُرض بعد شهور من ثورة 2011، تناولًا متفائلًا ومباشرًا ومسرحيًا لنضال نجم ورفيق عمره الشيخ إمام. كما يغطي السياق، بما في ذلك التوتر بين الناس بشأن أسعار السلع الأساسية، حيث يشتبك سكان الحي الذي يقطنه نجم في شجار ثم يبدأ النهب، إلا أن رجلًا حكيمًا يظهر من حيث لا ندري، ويصرخ فيهم بأن عليهم توجيه غضبهم نحو الحكومة. ثم يقطع الفيلم على مشاهد أرشيفية من المظاهرات.

يبرز «الفاجومي» لامبالاة الإسلاميين تجاه مظاهرات الخبز، ويدفع بأن المرتبة الاجتماعية المرتفعة التي منحها إياهم السادات كانت مقابل عدم إبدائهم أي غضب تجاه ارتفاع الأسعار. كذلك نرى في الفيلم أسرة كانت فيما سبق أسرة علمانية انضمت إلى القوافل الطبية أثناء حرب 1967، وقد تحولت إلى امرأتين ترتديان الحجاب ويتحكم فيهما رجلان رأسماليان ملتحيان، ويهددان نجم بأن الشرطة قادمة لإلقاء القبض عليه.

لقطة من الفاجومي

كذلك يضع فيلم الفاجومي الاحتجاجات في سياق المقاومة الطويلة للحركة الطلابية حول قضايا مثل القضية الفلسطينية والسياسة الخارجية للسادات، بالإضافة إلى القضايا الاجتماعية الداخلية.

ماذا كان رجل مهم ليفعل؟

حين انتهت الانتفاضة، كان هناك رد فعل عنيف من قبل الدولة، بما في ذلك حملة اعتقالات للنشطاء العلمانيين والسياسيين. وشهدت القضية الكبرى رقم 1844، 176 متهمًا يمثلون أمام محكمة أمن الدولة برئاسة القاضي حكيم صليب. ورغم إلقاء القبض عليهم أثناء، أو بعد فترة وجيزة من أعمال الاحتجاجات، فقد وُجهت للمتهمين تهمة التآمر على الدولة منذ عام 1973.

زعم الادعاء أن حوالي ثمانين منهم شكلوا جماعات سرية، بالأساس الحزب الشيوعي المصري، لقلب نظام الحكم وفرض «الحكم الشيوعي بالقوة»، منتهزين فرصة الانتفاضة. أما الاتهامات الموجهة لآخرين فتراوحت بين حيازة منشورات أو ملصقات تابعة للحزب، وقيادة المظاهرات أو الانضمام لجماعات غير مشروعة. استمرت المحاكمة على مدى سنتين، وفي يوم 19 أبريل 1980، صدر حكم صليب التاريخي بتبرئة أغلب المتهمين. وذكر الحكم، الذي نُشر في كتاب كتبه عضو حزب التجمع البارز حسين عبد الرازق في عام 1984، أنه ألقي القبض على آلاف خلال اليومين، وسرعان ما أفرج عنهم نظرًا لعدم كفاية الأدلة، وأنه كان من المستحيل تعبئة الجماهير والتخطيط ثورة شعبية في مثل هذا الوقت القصير، وأن التحقيقات التي استندت إليها اتهامات النيابة جرت خارج مقر النيابة العامة، في سجن القلعة أو مقر أمن الدولة، ما جعل المتهمين يشعرون بعدم الأمان أثناء التحقيق. احتُفي بالحكم باعتباره انتصار لليسار، ولكن بحلول ذلك الوقت، كانت المعركة السياسية الوحيدة أمام الدولة قد أصبحت مع حلفائها السابقين، الإسلاميين.

مشهد من زوجة رجل مهم

في فيلم محمد خان (زوجة رجل مهم ،1987) تسلط مظاهرات 1977 الضوء على الصدام بين ضابط الشرطة هشام (أحمد زكي) وزوجته منى (ميرفت أمين). الانتفاضة هي الصرخة الأخيرة للجيل الزوجة الرومانسي، الذي يُرمز له بالناصرية وبأغاني عبد الحليم حافظ، ضد الزوج الانتهازي، القمعي، الذي يرمز لسياسة السادات والشرطة. هشام أحد ضباط أمن الدولة المسؤولين عن الاعتقالات التعسفية المثيرة للجدل في 1977. وفي أحد المشاهد، يسأله أحد الضباط الأدنى رتبة حول جدوى هذه الاعتقالات، وكيف أنها ستضعف الاتهامات أمام المحكمة. وهشام، الذي لا تسمح نرجسيته بالاعتراف بأي خطأ، يتجاهل سؤال الضابط.

يصل الصدام بين الزوجين إلى أسوأ لحظاته مع إصدار المحكمة لحكمها في 1980، الأمر الذي يستخدمه الفيلم بشكل مذهل. (لفهم نهج خان الفريد في معالجة الأحداث، اقرأ الفقرة العاشرة من تأبين أنديل له).

بوستر تضامني من الاتحاد الوطني للطلاب

بالنسبة لليسار المصري، كانت السبعينات، بكل متغيراتها الاجتماعية الجذرية، حقبة حاسمة، شكّل عام 1977 ذروتها. منذ ذلك الوقت، وباستثناء الأفلام المذكورة أعلاه، امتنعت الحركة عن أن تعكس روايتها للأحداث من خلال الثقافة الشعبية، تاركة تراثها رهنًا لسخرية وتضليل كتاب سيناريو من أمثال يوسف معاطي، حيث اليساريون أفراد سكارى غاضبون، يرددون خطابًا سياسيًا أثناء جلوسهم، عاطلين عن العمل، في حانات وسط البلد.

كذلك، تظل ثورة 2011، بعد ست سنوات من قيامها، غير محتفى بها في الإعلام والثقافة الشعبية. بل أن أفراد الثورة المضادة يطلقون الآن على الثورة لفظ «25 خساير» بدلًا من «25 يناير». سيكون مثيرًا للاهتمام، بعد أربعين عامًا من اليوم، أن نرى أي مصطلحات سيستخدمها الإعلام الشعبي لوصف ما حدث في يناير 2011.

_____________________

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان