حكاية نسوية معيوبة: تشريح لفيلم «يوم للستات» لكاملة أبو ذكري
 
 

يلمع جسد عزة البني الشاب في ضوء الشمس الذابل بينما تنزلق عبر المياه التركوازية الهادئة في المسبح الخالي. صدريتها البيضاء ظاهرة تحت زي سباحتها ذي القطعة الواحدة. لا يمكنها الاكتفاء بارتداء زي سباحة وحسب في مساحة عامة، حتى وإن خلت من رجال حولها ليروه. هي لا تعلم أن صبية الحي يراقبونها من نقطة مختبئة، ورغم سخريتهم ومضايقاتهم اليومية لها، فإن رؤية سعادتها الخالصة غير المكدرة في الماء أمر مبهج، حتى أنهم لا يملكون سوى الابتسام في هدوء مستمتع.

يعد هذا أحد أكثر المشاهد تأثيرًا في فيلم كاملة أبو ذكري يوم للستات، والذي افتتح الدورة السابقة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وكان أحد فيلمين مصريين وصلا للتشكيل النهائي للمسابقة.

أشهر أفلام أبو ذكري هو واحد صفر (٢٠٠٩)، دراما مقدرة نقديًا تحمل رسالة سياسية مشابهة، لكن المحفز الدرامي الرئيسي فيها هو الطبقة وليس الجندر. مع إسهاميها التليفزيونيين اللاحقين، ذات (٢٠١٣) وسجن النسا (٢٠١٤) –وكتبت كليهما مريم نعوم، نفس الكاتبة وراء واحد صفرظهرت ميول أبو ذكري النسوية للعيان كقوة دافعة خلف أعمالها. يعتبر «يوم للستات» خطوة أخرى في هذا الطريق، ليس فقط من حيث محتواه، ولكن أيضًا في طريقة إنتاجه. فالفيلم أنتجته إلهام شاهين (وهي البطلة أيضًا) وكتبته هناء عطية وصوّرته نانسي عبد الفتاح. يشهد الفيلم أيضًا تطوير أبو ذكري لأدواتها كصانعة أفلام وحكاءة، الأمر الذي أنتج فيلمًا، رغم مواضع ضعفه، فهو أكثر إنتاجاتها تطورًا على مستوى التقنية والثيمة.

تعاني عزة (ناهد السباعي) من حالة عقلية، ربما كنتيجة للصدمة التي لحقت بها من جراء موت والديها في حادثة. تتصرف بنزق طفولي غير محسوب رغم كونها امرأة ناضجة، ولذلك لحقت بها سمعة «عبيطة» الحي. لكن ذلك لا يمنع إبراهيم (أحمد داود)، الميكانيكي الشاب الوسيم المتلصص مع أطفال الحي، من الوقوع في حبها.

ربحت السباعي جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن دورها في الفيلم، إلا أن أداءها لم يكن الأداء المتميز الوحيد، فقد أتت ضمن ثلاثي من الشخصيات النسائية المميزة في قلب الفيلم، إلى جانبها ليلى (نيللي كريم) وشامية (إلهام شاهين). تجري أحداث الفيلم في نهاية عصر مبارك، تحديدًا في العام ٢٠٠٩، حيث تعيش الثلاث نساء في حي قاهري فقير بجوار القلعة. افتتحت الحكومة لتوها حمام للسباحة في مركز شباب الحي، وحينما يعلن حارس النجاة الكابتن بهجت (إياد نصر) أن كل أحد سيكون يومًا مخصصاً للنساء، تكون عزة –غير محملة بموانع النسوة الأخرياتالأولى في المشاركة.

أشد المقاوِمات للفكرة هي ليلى، التي فقدت ابنها وزوجها في البحر في حادثة عبارة السلام المشينة في عام 2006، وتظل في الحداد. تعول ليلى وتعيش مع أبيها المحب للمرح فرغلي (فاروق الفيشاوي) وأخيها السلفي المستهجِن علي (أحمد الفيشاوي). تقضي أغلب وقتها في محل صغير للعطور حيث تمزج الروائح وتبيعها، لكنها فيما عدا ذلك فاقدة للرغبة في أي تواصل إنساني. غير أن شامية تبقى على صحبتها، محاولة تشتيتها بحكاياتها، حيث أمضت أغلب حياتها الناضجة في العمل كموديل عار للرسامين. شامية واثقة بنفسها، وهي أكثر نساء الحي تمردًا في العلن. فهي تدخن، وتصبغ شفتيها بالأحمر الزاهي، تاركة حجابها الأسود ينزلق كاشفًا عن شعرها، كما ترتدي كعوبًا عالية مثيرة تقترب منها الكاميرا، بينما تناور لتتفادى الوطء في مياه الصرف التي تغطي الأرض. المشي ذاته، لامرأة في مكانها، هو بمثابة كفاح.

لذلك، فحينما تتوافد نساء الحي في نهاية الأمر على المسبح ويخلعن ملابسهن، وتتراكم أحجبة رؤوسهن فوق بعضهن البعض، نعرف أنهن يزلن ما هو أكثر من ملابسهن. تدريجيًا يتحول المسبح غير المألوف لمنطقة أمانهن، المكان الوحيد الذي يمكنهن فيه ببساطة، بعيدًا عن توقعات المجتمع، أن يكن هن. يتحدثن، يأكلن، يضحكن، يُزلن شعر أرجلهن، ينمصن حواجبهن. يبكين ويرقصن. يصبح الذهاب للمسبح كل أسبوع عملية تطهر جماعي. تبدأ ليلى في التعافي، وتساعد شامية، التي هجرها منذ سنوات رجل لم تتوقف أبدًا عن الاشتياق له، على التعامل مع ألمها.

الضجة والفوضى الفائضة من شوارع وأزقة الحي الضيقة وكذلك المسبح، غالبًا ما يجري التركيز عليهما في لقطات طويلة، تقابلها لقطات مقربة طويلة ومتأملة تضفي على الفيلم بمزجها مع موسيقى تامر كروان المؤثرة والمرحة بشكل غريبنعومة تساهم في «نسائيته». لكن بعض تلك المشاهد تطول بأكثر مما ينبغي، مبرزة مشاكل أعمق في إيقاع الفيلم. يقال على نطاق واسع إن أبو ذكري اختارت محو جزء معتبر من فيلمها في مرحلة ما بعد الإنتاج بعدما رُفِض من مهرجان فينيسيا لكونه شديد الطول. إلا أن القرار، للأسف، أتى على حساب انسيابية الفيلم وكذلك تطور شخصياته، في حين يفشل المونتاج في مواراة الندوب.

لكن أوضح مواطن الضعف في الفيلم هي الرجال. نتيجة لمحو أغلب مشاهده يأتي دور فاروق الفيشاوي، فرغلي، غير مجد وعديم المذاق. علاقته بليلى غير مفهومة (بلا سبب محدد، لا نتأكد من كونه والدها سوى بعد مرور جزء غير هين من الفيلم)، كما أن شخصيته لا تخدم أي غرض درامي. أخو ليلى، على الناحية الأخرى، لديه وظيفة واضحة، فهو يمثل «التطرف الديني»، وهو مفهوم مُسلَّم بصعوبة التغاضي عنه، لو كانت النسوة المقهورات في مدينة مثل القاهرة هي محط تركيزك. لكن، وكأغلب الأفلام المصرية حتى تاريخه، فإن «يوم للستات» يفشل في تصوير الشخصية المتطرفة دينيًا بعمق وتعقيد، جانحًا باتجاه القالب المعتاد للذكر الفظّ المحبط جنسيًا، الأمر الذي يزداد ضحالةً بالأداء أحادي البعد للفيشاوي الأصغر. هذه العيوب في تصوير الأب والابن تجعل المواجهة الميلودرامية النهائية بينهما، والتي تهدف بلا شك لأن تكون مؤثرة لحد البكاء، تبدو مقحَمة وغير مقنعة.

كذلك يفسد مشهد محوري ومشحون عاطفيًا بين أحمد (محمود حميدة) وشامية، نتيجة لغياب البناء التصاعدي اللائق. كل ما نعرفه عن أحمد حتى تلك النقطة نكون قد عرفناه عن طريق الحوار، الذي يستدعي فيه قصصًا من ماضيه؛ نحن لا نعرف حقاً من هو. سماع الشخصية بدلًا من رؤيتها قد ينجح في الأدب، ولكن في السينما قلما تكون فكرة جيدة.

لا نقول هذا قاصدين أن مثل هذا الكشف غير مرحب به دائمًا. إحدى أهم لحظات الفيلم تأتي في هيئة مونولوج تندب فيه شامية السكرانة وحدتها واختيارات حياتها التي قادتها لتلك الوحدة. تشكو من الهبات الساخنة التي تصيبها نتيجة انقطاع الطمث، وترثي جسدها الجميل، الذي يترهل الآن تحت وزن سنها المتقدم، دون أن يعرف أبدًا لذة الجنس. حينما تتحدث شامية عن قرارها بالبقاء عذراء يقطر صوتها ندمًا: «جسمي دا أنا اللي ذليته»، تقول. عادة حينما تستخدم هذه اللغة من قبل امرأة في فيلم مصري، قد تتوقع أنها تشير إلى عار الجنس خارج الزواج، ولكن هنا الأمر معكوس. شامية تعتقد أنها أهانت جسدها عبر حرمانه من تجربة هو مصمم للاستمتاع بها. هذا التقدير الخالي من الأحكام لجنسانية الأنثى، خاصةً في منتصف العمر، غير مألوف في السينما المصرية.

هذه ليست اللحظة الوحيدة التي يعطي فيها «يوم للستات» الأمر حقه. فرغم أن الفيلم يدور بالأساس حول أجساد النساء، إلا أن الكاميرا لا تقع أبدًا في فخ اتخاذ نظرة الرجل كوجهة نظر. فأجسام النساء في الفيلم ليست مجملة ولا مبالَغ في إبرازها بشكل جنسي، بل تظهر في كل الأشكال والأحجام، مرتدية أزياء غير متناسقة ولا جذابة، حركتها مرتبكة وعفوية؛ هي أجسام حقيقية. ورغم الشهوة في عين إبراهيم وهي تتابع عزة في المشهد المذكور سابقًا فإن الأمر متبادل؛ لاحقًا تختبئ عزة هي الأخرى وتشاهده برغبة مساوية، معجبة بحركة ذراعه المليء بالعضلات بينما يغير إطار سيارة. ربما كان العالم مكانًا للرجال، لكن هذا الفيلم حتمًا لا ينتمي لرجل.

«يوم للستات» فيلم ناقص، ونواقصه في القلب منه. إلا أنه يكرِّم موضوعه، وهو في النهاية على قدر اسمه.

_________________

ترجمة: محمد الحاج

اعلان
 
 
ياسمين زهدي