من انفتاح السداح مداح إلى النيوليبرالية المتوحشة: تغيير الخطاب وثبات المضمون

في يوليو 1974، كتب الصحفي الكبير أحمد بهاء الدين في الصفحة الأولى من الأهرام مقالًا بعنوان «الانفتاح ليس سداح مداح»، هاجم فيه القانون رقم 43 لسنة 1974 والذي أصدره حينها عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء في حينه ويقضي بفتح باب الاقتصاد المصري لرأس المال العربي والأجنبي في شكل استثمار مباشر، ورغم أن مضمون مقال بهاء الدين لم يكن أكثر من انتقاد للأسلوب أكثر من المضمون، إلا أنه قوبل بغضب ساداتي كبير. ولكن بعد أحداث 17 و18 يناير 1977 وجدت السلطة في فكرة أحمد بهاء الدين ضالتها لتهدئة وتمرير مثل هذه القوانين، وبهاء الدين منها براء؛ لوم المسمى والأسلوب، مع الاستمرار في نفس المنهج والسياسات. فمن «انفتاح» إلى إصلاح إلى تكيف هيكلي إلى إعادة هيكلة إلى خصخصة إلى تعويم، تغيرت الأسماء والفعل واحد. ومن سداح مداح عبد العزيز حجازي، كان عدم تخصص ممدوح سالم سببًا في الحالة الاقتصادية السيئة، قبل أن يرحل في 1978، ويأتي مصطفى خليل لينفذ السياسات بشكل أكثر كفاءة تقنية، كما طرح آن ذاك، فتتراجع مؤشرات التنمية ويصبح استغلال أصحاب الحظوة والنفوذ هو السبب، فيأتي عاطف صدقي ويرحل في 1996 ملومًا على الفساد، ويتولى الجنزوري لثلاث سنوات منفّذًا نفس ذات السياسات، لكن الفشل يكون هذه المرة بسبب تباطؤ التنفيذ، وعندما يأتي عاطف عبيد ويسرع في السياسات يصبح التسرع هو سبب التدهور الاقتصادي. ويأتي أحمد نظيف لضبط الإيقاع ولكن يا للأسف، فإقحام رجال الأعمال يجعل الفساد يُفشل السياسات ويمنع تساقط الثمار الذي بشروا به، وبعد 2011 يأتي هشام قنديل ليطرح ذات السياسات، ولكنه يفشل بسبب الأخونة، أو هكذا قالوا، ليأتي شريف إسماعيل وتستمر المسيرة.

للأسف، فخلال أكثر من أربعين عامًا والسؤال لا يزال هو: لماذا تفشل السياسات الرأسمالية؟ ولم يفكر أي نظام سياسي إذا كان الداء في السياسات أم في المنظومة ككل. إحدى الخلاصات الهامة لكتاب توماس بيكتي «رأس المال في القرن الواحد والعشرون»، الكتاب الاقتصادي الأكثر مبيعًا في عام 2014، هو أن النظام الرأسمالي طوال تاريخه أدى لتراكم في نفس الضفة، وأن تساقط الثمار لم يحدث داخل نفس المجتمعات. ويمكن الجزم من خلال خبرات تطبيق روشتات الصندوق والبنك الدوليين أن انعدام العدالة المشار إليه في داخل الدول عند بيكتي هو ذاته المنطبق على المجتمع الدولي، فالتراكم يحدث في الدول الأكثر غنى بينما أجندة المؤسسات الدولية لا تزيد الدول النامية إلا فقرًا. هذا ليس بسبب سرعات التطبيق أو الفساد أو الكفاءة، إنما بسبب طبيعة النظام الذي يقوم بالأساس على ضرورة وجود هذه الطبقات سواء داخل الدولة أو بين الدول، فبدون عاطلين لا يمكن توفير أيدٍ عاملة رخيصة، وبدون دول فقيرة لا يمكن الحصول على المواد الخام الرخيصة كمثال. وبالتالي تحافظ طبيعة النظام على هذه الفجوات، بل وتقويها ولا تساعد على تجاوزها إلا في استثناءات قليلة، بتطلبها تغيرات في طبيعة السوق أو الترتيبات الخاصة بالنظام الدولي، بمعنى أنها بسبب تغيرات تطرأ عليه، أو احتياجات لتجاوز أزمته، أي بالأساس لأسباب ذاتية. أما الدول التي تمكنت من الانطلاق في القرن الواحد والعشرين وأبرزها دول أمريكا اللاتينية فهي لم تتمكن من الانطلاق إلا بعد التخلص من قيود المؤسسات الدولية وأجندتها الرأسمالية، ومن النكات التي كانت تطلق في بدايات القرن في دول أمريكا اللاتينية التي عانت طويلًا من هذه الروشتات، أن المكسيك قد نجحت في تطبيق سياسات الإصلاح الخاصة بالبنك الدولي لدرجة جعلتها تكرر نفس الروشتة ثلاث مرات. ويبدو أن المأساة الأكبر التي قد يرونها في منطقتنا هي أن دولًا ظلت تطبق الإصلاح إلى أبد الآبدين.

وعلى الضفة الأخرى ومع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، بدأت تُطرح أسئلة حول نجاح النظام الاقتصادي الرأسمالي، خاصة مع أزماته المتكررة، وحاول الكثيرون من داخل التيار الرأسمالي وحتى من خارجه إيجاد إجابات لهذه الأسئلة. إلا أن الإجابة التي طغت جاءت عبر حركة بهلوانية لبعض منظري التيار، من خلال إحياء سيرة مدرسة شيكاغو، وهنا نقول «إحياء سيرة» لأنها كسياسات كانت متواجدة، ثم ربطها بسياسات ريجان وتاتشر رغم أنهما لم يدعوا إلى أكثر من تطبيق نظام السوق الحر، ثم تلبيس هذه السياسات الأزمة الاقتصادية في تجاهل للتغيرات التي قام بها الديمقراطيون بعد ريجان وحزب العمال بعد تاتشر. وهكذا أصبحت هذه النوعية من الرأسمالية والتي أطلقوا عليها «النيوليبرالية» سبب الأزمة بدلًا من النظام الرأسمالي. وقد حلى لبعض العرب تسمية هذه السياسات بـ«الليبرالية المتوحشة» مستخدمين عنوان كتاب رمزي زكي، والذي هو كما أحمد بهاء الدين في موضوع «السداح مداح» بريء من هذا المصطلح، فـ«المتوحشة» في عنوانه كان وصفًا للرأسمالية وليس صكًا لمفهوم.

بالتأكيد هذا الأسلوب هو نتاج جهد بحثي وفكري تحت رعاية أصحاب المصالح الكبرى في العالم من شركات ودول ومؤسسات دولية مستفيدة من النظام القائم، وعندما يحاج خصومهم الأفكار التي يطرحونها بازدياد أرقام الفقر حول العالم وازدياد الفجوات الطبقية ونسب البطالة، عندما يطرحون بالحجج والبراهين عليهم تراجع مستوى الخدمات العامة عندما تركت للسوق الحر في أقصى الدول الرأسمالية، يُظهر أنصار النظام الرأسمالي ثلاث حجج لترويج بضاعتهم لحل أزمة النيوليبرالية من خلال إجراءات الرأسمالية وهي:

التأكيد على ضرورة «الواقعية» وقبول أية مشاكل ناجمة عن تطبيق سياسات الخبراء (كتفاقم الخلل في توزيع الثروة، أو ارتفاع معدل البطالة)، باعتبارها كلفة إنسانية لا بد منها حتى تؤتي السياسات «العلمية» ثمارها، وليست نتيجة لانحياز اجتماعي كامن في هذه السياسات العلمية ذاتها. ولنا في تبرير أثار تعويم الجنيه في مصر مثال.

تحديد «مناطق فنية آمنة» يختص بها الخبراء وحدهم ولا ينبغي أن يتطرق إليها الساسة. فما أن يدور الحديث عن قضايا التنمية أو إدارة أي شأن اقتصادي حتى تتم الإحالة الفورية إلى رأي الفنيين، بل إن تطورات عديدة في العقود الماضية أدت إلى إخراج القرارات الفنية –في المسائل الاقتصاديةمن دائرة الإشراف السياسي (مثال: التوجه نحو زيادة «استقلالية» البنوك المركزية، أو نقل عملية صنع القرارات الاقتصادية في العديد من الدول النامية من البرلمانات إلى الأجهزة التنفيذية «المتخصصة»)، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى إخضاع العمل السياسي وكافة شؤون المجتمع إلى اعتبارات الكفاءة الاقتصادية بالمعنى الفني الضيق (بلغ ذلك في بعض الأحيان مستويات فجة في بعض دول أمريكا اللاتينية عندما كان البرلمانات تُحل بدعوى اتخاذها قرارات غير رشيدة اقتصاديًا). نرى هذا منسجمًا تمامًا مع تجاهل عرض قرض صندوق النقد على البرلمان المصري.

تصوير الظروف الاجتماعية في «المجتمعات التقليدية» على أن لها وجودا طبيعيًا وأزليًا. فالتفاوت في ملكية الأراضي مثلًا يجد أصوله في ظاهرة الملكية الفردية للأراضي التي تعد ظاهرة طبيعية موجودة من قدم التاريخ، والمجتمع الريفي في مصر مثلا لم تتغير أوضاعه منذ آلاف السنين، ولا يمكن للظاهرة أن تتغير إلا بتدخل «علمي» لزرع قوانين التحديث في هذا المكان المستعصي على التحديث. وهو الخطاب السائد فيما يخص نظام الدعم النقدي في مصر.

بين المطالبة بالواقعية، وبناء المناطق الفنية الآمنة، تتحقق هذه المتتالية المأساوية التي عاشها كثير من الدول النامية، ففي البدء يُفصل الحيز الاقتصادي عن أية اعتبارات سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية، باعتبار أن المسائل الاقتصادية ذات طبيعة فنية بالأساس، ثم يعاد تعريف الاقتصاد، بحيث لا يُنظر إليه كأحد جوانب الحياة، وإنما على حد تعبير الاقتصادي الشهير جاري بيكر الحائز على جائزة نوبل عام 1992- كمنطق علمي للتفكير وحساب جدوى يمكن تطبيقه على كافة مجالات الحياة، ومن ثم يُسقط على سائر قضايا المجتمع، لتخضع جميعها لحسابات الربح والخسارة،و لتكتمل الحلقة التي تبدأ بإخراج الاقتصاد من دائرة رقابة المجتمع، وتنتهي بعودته للهيمنة على كل مقدرات المجتمع.

بهذه الحيل الثلاث وتحت شعار «النيوليبرالية» تتحول الرأسمالية من أزمة إلى حل، فبدلًا من البحث عن أطر بديلة للرأسمالية يصبح الحل أبسط وأيسر وهو التخلي عن النيوليبرالية والعودة للرأسمالية الرشيدة. وهو ما يبدو بنفس حكمة الإسراع لإغلاق النافذة في وجه لص تُرك الباب أمامه مفتوحًا، فهل سيفكر العالم يومًا في إغلاق الباب في وجه اللص؟

اعلان
 
 
محمد العجاتي