ارتفاع أسعار الطباعة يعمّق جراح الصحافة الورقية
 
 

تواجه الصحف المطبوعة أزمة جديدة، بعد الإعلان عن رفع أسعار الطباعة بدءًا من منتصف الشهر المقبل، في الوقت الذي تعاني فيه من تراجع نسب التوزيع، فكيف سيؤثر القرار الأخير على تلك الصحف، وهل يمكنها الخروج من هذا المأزق؟

كانت الإدارة العامة للمطابع في مؤسسة الأهرام قد أرسلت، أمس الأول، الأحد، خطابًا إلى المؤسسات الصحفية المتعاملة معها، حصل «مدى مصر» على نسخة منه، قالت فيه إنها سترفع تكاليف الطباعة بنسبة 80% من القيمة المتعاقد عليها، بسبب ارتفاع قيمة الدولار الأميركي في مقابل الجنيه المصري.

وقال خطاب الأهرام «نظرًا لما طرأ من تطور في سعر العملة الحرة منذ 1/12/2014، حيث كان سعر الدولار 7.18 جنيهًا بينما تجاوز سعره اليوم 17.5 جنيهًا (+140%)، وكانت آخر زيادة في 1/4/2016 بقيمة 12%، وما يمثله ذلك من قوة ضاغطة على عناصر التكلفة، وما ترتب عليها من زيادة في تكاليف الطباعة، ولوازم إنتاج ممثلة في خامات وقطع غيار يتم استيرادها من الخارج، فضلًا عن توالي الزيادات السنوية في سعر الطاقة الكهربائية، إضافة إلى المحور الآخر من عناصر الإنتاج ممثلا في قوة عاملة ترتفع تكلفتها بصورة سنوية مستمرة، وهو ما تحملناه بالكامل خلال الأشهر الماضية، ونظرًا للظروف القهرية السابق ذكرها والتي طالت وأثقلت علينا، فإننا نجد أنفسنا آسفين لطلب مشاركتكم في تحمل قدر من تلك التكاليف الإضافية بنسبة 80% فقط من قيمة تعاقدكم معنا (..) وذلك بدءًا من 15/12/2016».

وفيما تعاني الصحف المطبوعة من انخفاض ملحوظ في معدل توزيعها، بحسب دراسة أخيرة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أوضحت أن معدل التوزيع انخفض في عام 2015 عنه في العام السابق بنسبة 14.4%، يرى الكثير من ذوي الصلة أن القرار الأخير يشكل أزمة وجودية أمام صناعة الصحافة الورقية، إن لم يكن نذير بانتهائها بالأساس.

رئيس تحرير جريدة الشروق عماد الدين حسين قال لـ «مدى مصر» إن «الأمر يوضح مدى الأزمة التي تعاني منها الصحافة الورقية. سيتعين على الصحف آجلًا أو عاجلًا رفع أسعار البيع، وهنا سنواجه تراجع التوزيع، المتراجع أصلًا».

ورأى حسين أنه «لا بد من إيجاد طرق تحمي استمرارية النسخ الورقية للصحف. علينا أولًا تحويل بعض المواد المقدمة إلكترونيًا إلى مادة باشتراك مادي وليست مجانية في المطلق»، مضيفًا: «أعتقد أيضًا أنه يجب إيجاد مناخ من الحرية يسمح للصحافة بخلق محتوى أكثر جذبًا للقارئ، يجعله يتعمد شراء جريدة».

وكتب حسين في عموده اليومي في «الشروق» إن «مظاهر الأزمة تتبدى كل يوم بأكثر من طريقة، قبل شهور لجأت صحف كثيرة إلى عمليات تقشف كثيرة، بعضها خفض المرتبات، وبعضها قلل العمالة، والبعض الثالث اتخذ الإجراءين معًا (..) الجميع دفع ثمنا، من ملاك الصحف إلى أصغر العاملين فيها، لكن الثمن كان مضاعفًا، خصوصًا على صغار الصحفيين الذين يعيشون في ما يشبه المفرمة».

من الناحية الفنية، رأى العضو المنتدب السابق لجريدة المصري اليوم، شريف ودود، أن تحرير سعر الصرف كان له آثارًا واضحة على تكاليف الطباعة والتوزيع. وقال لـ «مدى مصر» إنه «لو تحدثنا عن تكاليف الطباعة، فأغلبها يذهب إلى تكاليف الورق نفسه؛ سعر الورق يشغل ما نسبته من 66% إلى 70% من إجمالي تكلفة الطباعة، والمتبقي كله للأحبار وقطع الغيار والمعدات والعمالة والكهرباء وما إلى ذلك من تكاليف. مع تحرير سعر الصرف فإن سعر الورق تقريبًا تضاعف، أي أنه لو كانت تكلفة طباعة النسخة الواحدة من الجريدة 100 قرش، باتت الآن 170 قرشًا، هذا بخلاف ارتفاع أسعار الطاقة وقطع الغيار، بالإضافة إلى تكاليف التوزيع».

وأكمل ودود: «بعد القرار الأخير قد تلجأ الصحف إلى رفع أسعار النسخ المطبوعة إلى سعر 4 جنيهات مثلًا، والسعر الحالي (جنيهين لمعظمها تقريبًا) مرتفع أصلًا، مقارنة بدول أخرى. لنقيس مثلًا على سعر رغيف الخبز. السعر الحالي للجريدة يساوي ثمانية أرغفة من الخبز غير المدعم، و40 رغيف من الخبز المدعم، بالسعر المتوقع سيساوي 80 رغيفًا مدعمًا، بينما في لبنان مثلًا يساوي سعر الصحيفة تقريبًا أربعة أرغفة، وعلى الرغم من ذلك، فإن الصحف المطبوعة لا تزال تواجه تراجعًا».

التحديات التي تواجهها الصحافة المطبوعة لا تقف فقط عند حدود القرار الأخير، والذي ينضم إلى مجموعة من التحديات الموجودة بالفعل، أضاف ودود: «هناك العديد من المسائل التي تشكل أسئلة وجودية حول استمرارية الصحافة المطبوعة. أولًا، قرار القراءة في حالة الصحافة المطبوعة قرارًا نهائيًا، عندما تشتري النسخة تكون امتلكتها دون فرصة لإرجاعها، بينما الصحافة الالكترونية تعطي القارئ الفرصة لاستعراض كل المنتجات، ثم تقرأها، أو تقرر أنها لا تستحق القراءة فتصرف نظر عن ذلك. ثانيًا، الصحافة الإلكترونية تعطيك إمكانيات حصرية في عرض مقاطع الفيديو والملفات التفاعلية وما إلى ذلك من المواد التي يستحيل استخدامها في حالة المطبوع، وهو ما يشكل بدوره محدودية إمكانيات أمام الصحافة المطبوعة.. هذه بضعة عوامل تفرض ضرورة البحث عن إجراءات تدفع بالصحافة المطبوعة إلى الأمام، مثل أن تحول المنصات الإلكترونية محتواها إلى محتوى مدفوع».

إلى ذلك، يرى ودود أن الشريحة التي ستقصد شراء الصحف المطبوعة ستشهد تقلصًا كبيرًا، مختتمًا حديثه بقوله: «من الصعب حاليًا أن تجد شخص سنه أقل من الأربعين عامًا يشتري صحيفة مطبوعة.. في السوق المصرية هناك شريحة من 20 إلى 30 ألف قارئ تعتاد على شراء الصحف، ربما ستكون هذه هي الشريحة الأكثر تمسكًا بها، وعلى أساس العادة الاجتماعية أكثر من كونها مسألة شراء منتج تجاري».

اعلان