«أموال النديم» وقانون النواب.. تصعيد نوعي في المعركة مع المجتمع المدني
 
 

اتخذ هجوم أجهزة الدولة على منظمات المجتمع المدني منحى أكثر حدة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث فوجئ مركز النديم لتأهيل ضحايا التعذيب والعنف البدني يوم الخميس الماضي بتجميد أرصدته بناء على قرار من البنك المركزي دون صدور حكم قضائي واجب في مثل هذه الحالات. واليوم وافق مجلس النواب على مشروع قانون جديد لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية. ظهر مشروع القانون الذي أعده نواب بالبرلمان فجأة بعد مناقشته سرًا على مدار شهور، وتضمنت مواده قيودًا شديدة على عمل هذه الجمعيات.

كان مركز النديم قد أعلن يوم الخميس الماضي في بيان له أن «بنك كريدي أجريكول جمّد حساب المركز لديه بعد قرار وصله من البنك المركزي لحين توفيق أوضاعه بحسب القانون رقم 84 لسنة 2002 [قانون الجمعيات اﻷهلية]».

وقالت الدكتورة عايدة سيف الدولة لـ«مدى مصر» إن موظفًا في بنك كريدي أجريكول أخبرهم بالقرار بشكل شفهي، وأوضح لهم أن حسابات عدد آخر من منظمات المجتمع المدني تم تجميده.

وأوضح طاهر أبو النصر، محامي المركز، أنهم تقدموا بطلب لبنك كريدي أجريكول للحصول على إيضاح رسمي بالموقف لتحديد الإجراءات القانونية التي تليها.

تأتي الخطوة كتطور نوعي جديد تشهده في الصراع بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني حول مسألة التمويل الأجنبي، ﻷنها لم تستند إلى حكم قضائي كما كان معتادًا. وتشترط المادة 208 (مكرر أ) من قانون اﻹجراءات الجنائية حكمًا قضائيًا من محكمة الجنايات المختصة فيما يخص تجميد اﻷموال.

وقال المحامي نجاد البرعي، رئيس المجموعة المتحدة للمحاماة، لـ«مدى مصر» إن البنك المركزي يمتلك سلطة تجميد التعامل على أرصدة معينة كإجراء تحفظي إذا تلقى من وحدة مكافحة غسيل اﻷموال التابعة له ما يفيد بتورط صاحب الحساب.

وأضاف البرعي أنه يتحتم على البنك اللجوء إلى محكمة الجنايات لاستصدار حكم بتجميد الرصيد في حال ما إذا استمر اﻹجراء.

وأضاف البرعي أنه على الرغم من ضبابية المشهد القانوني والسياسي المتعلق بالخطوة، إلا أنها تمثل في كل اﻷحوال نوعًا من «التحرش» بعمل منظمات المجتمع المدني في مصر.

ونال مركز النديم نصيبًا كبيرًا من تركيز الدولة في معركة المجتمع المدني. في فبراير الماضي، توجهت قوة من حي الأزبكية بصحبة موظف من وزارة الصحة وأميني شرطة إلى مقر المركز لتنفيذ قرار إداري من إدارة العلاج الحر في وزارة الصحة بإغلاق المركز. وبررت وزارة الصحة المصرية في بيان لها الخطوة بأن «العيادة [التابعة للمركز] ارتكبت مخالفتين، الأولى هي تغيير المسمى من عيادة إلى مركز، حيث أن التراخيص الخاصة بكل حالة تختلف عن الأخرى، والثانية تغيير النشاط من نشاط طبي إلى نشاط حقوقي وهو الأمر الذي اقتضى إغلاق المنشأة وفقًا للقانون رقم 153 لسنة 2004». من جانبه، اعتبر المركز أن قرار اﻹغلاق سياسي وأنها أخبرت أن «سلطة عليا تتجاوز كل الوزارات» تقف وراء إصداره.

كانت وزارة التضامن الاجتماعي قد أصدرت عام 2014 تحذيرًا إلى منظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، ويتجاوز عددها 40 ألفًا، لتسجيل أعمالهم وتسوية أوضاعهم طبقًا لقانون 84 لسنة 2002. ومنحت الوزارة مهلة إلى هذه المنظمات -من ضمنها مركز النديم- تنتهي في شهر سبتمبر من العام ذاته، ثم قررت تمديد المهلة 30 يوم عمل إضافي لتنتهي في أوائل نوفمبر. وتنتقد الكثير من المنظمات قانون 2002 بسبب قيود عديدة يفرضها على نشاط المجتمع المدني. ولجأ عدد كبير منها للتسجيل كشركات قانونية أو شركات غير هادفة للربح للتمكن من مواصلة نشاطها.

وفي فبراير من العام الحالي، قررت الحكومة استكمال التحقيقات في القضية 173، المعروفة باسم قضية تمويلات المجتمع المدني.

وترجع القضية إلى ديسمبر 2011 حين اتهم 43 من العاملين في المنظمات غير الحكومية بإدارة منظمة والحصول على تمويل من حكومات أجنبية دون ترخيص بذلك. وانقسمت القضية إلى شقين، أحدهما مستهدفًا المنظمات غير الحكومية الأجنبية والآخر المنظمات المحلية.

وفي يونيو 2013، حكم على جميع المتهمين، من بينهم 17 مواطن أمريكي وأجانب آخرين ومصريين، بالسجن لفترات تراوحت ما بين سنة إلى خمس سنوات، وكان الحكم غيابيًا في عدد كبير من الحالات. كذلك أمرت المحكمة بإغلاق المنظمات غير الحكومية المتهمة ومنها المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الوطني الديمقراطي و«فريدوم هاوس».

وتقدم قاضي التحقيقات في القضية بطلب لمحكمة جنايات القاهرة للتحفظ على أموال عدد من الحقوقيين والمنظمات في إطار التحقيقات في القضية. وفي سبتمبر الماضي، أيدت المحكمة طلب التحفظ على أموال خمسة حقوقيين وثلاث منظمات، باﻹضافة إلى حكم آخر بالتحفظ على أموال مركز اﻷندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف.

وإلى جانب معركة تمويل المنظمات، تتقدم الدولة المصرية على جبهة إصدار قانون جديد لتنظيم عمل الجمعيات اﻷهلية ومنظمات المجتمع المدني. ففي تطور مفاجئ، وافق مجلس النواب من حيث المبدأ في جلسته العامة اليوم على مشروع قانون جديد للجمعيات اﻷهلية تقدم به عدد من نواب البرلمان بشكل سري في سبتمبر الماضي. ووصف محمد زارع، مدير مكتب مصر في مركز القاهرة لحقوق اﻹنسان، مشروع القانون الجديد بأنه «تخطى كل الحدود» فيما يتعلق بتنظيم عمل الجمعيات اﻷهلية. واعتبر زارع، الذي شارك في لجنة صياغة مشروع قانون للجمعيات اﻷهلية التي شكلها الوزير السابق، أحمد حسن البرعي في 2013، أن مشروع البرلمان «أشد قمعًا» من مشروع الحكومة، وهو المشروع الذي وافقت عليه الحكومة بالتزامن مع المناقشة السرية لمشروع قانون البرلمانيين.

على سبيل المثال، تغيرت العقوبات التي يقرها مشروع القانون على المخالفات لتصبح الحبس بدلًا عن الغرامة التي نص عليها قانون الحكومة.

طبقًا لنص المادة 87 من المشروع الجديد، تتراوح عقوبة الحبس من سنة إلى خمس سنوات، باﻹضافة إلى غرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه. وتتمثل الجرائم التي يعاقب عليها المشروع الجديد بالسجن 5 سنوات في معاونة أو مشاركة منظمة أجنبية في ممارسة نشاط أهلي في مصر دون الحصول على تصريح، أو إجراء أو المشاركة في إجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأي في مجال العمل اﻷهلي دون الحصول على موافقة مسبقة.

كما يُعاقب بالحبس لمدة لا تزيد عن سنة وغرامة تتراوح بين 20 ألف و 500 ألف جنيه من ارتكب «جرائم» أخرى كنقل مقر الجمعية إلى مقر جديد بخلاف المكان المُخطر به، طبقًا لنص المادة 88 من المشروع.

واعتبر زارع أن مشروع القانون الجديد لا يستهدف فقط منظمات حقوق اﻹنسان وإنما يستهدف كل جمعيات التنمية المحلية والصغيرة والمبادرات الفردية.

اعلان