«تكافل وكرامة».. دعمٌ لا يدفعُ فقرًا
أربعة ملايين أسرة قد تسقط تحت خط الفقر بسبب التعويم ورفع أسعار الطاقة
 
 
 

من المتوقع أن يؤدي تخفيض الجنيه أمام الدولار ورفع أسعار الطاقة إلى آثار سلبية على مستويات معيشة 27.8% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر. وفي المقابل تعوّل الحكومة على التوسع في برنامج للدعم النقدي للفقراء، تقول إنه يحل مشاكل نظام الدعم العيني عن طريق تقديم السلع، والذي يفتح باب الفساد ويعيق وصول أموال الدعم لمستحقيه.

بالنسبة لوزارة المالية، فإن علاج الآثار المباشرة لسياسات التقشف المالي على الفقراء هو في الانتقال التدريجي للدعم النقدي وتقليص الدعم السلعي، «مع الإبقاء على الجانب  الضروري من الدعم السلعي الذي لا يمكن استبداله»، بحسب محمد معيط نائب وزير المالية لشئون الخزانة.

ويضيف معيط لـ «مدى مصر» أن وزارة المالية تلقت تعليمات من رئيس الوزراء بزيادة مخصصات معاشي «تكافل» و«كرامة» خلال العام المالي الحالي بقيمة نصف مليار جنيه ليبلغ إجماليها 6 مليارات جنيه.

وشملت موازنة العام الحالي 2016/2017 مخصصات موجهة للبرنامجين بقيمة 4.1 مليارات، بخلاف 1.4 مليار جنيه تمثل شريحة من قرض من البنك الدولي لهذا الغرض، ما يعني أن الإجمالي وصل إلى 5.5 مليارات جنيه -قبل الزيادة الأخيرة التي قررها رئيس الوزراء.

وأعلنت الحكومة قبل أيام أيضًا عن خفض سن المستفيدين من معاش «كرامة» إلى 60 عامًا بدلًا من 65 عامًا، ضمن عدد من الإجراءات التي اعتبرتها «حمائية» للفقراء، على رأسها رفع قيمة الدعم على البطاقة التموينية للفرد من 18 جنيه إلى 21 جنيه، وهي الإجراءات التي تأتي في سياق التراجع المتوقع في مستويات المعيشة مع  قراري رفع أسعار المواد البترولية و تعويم الجنيه الخميس الماضي.

ويتيح برنامج «كرامة»، الذي يستهدف كبار السن والمعاقين، 325 جنيهًا شهريًا لكل فرد تنطبق عليه شروط البرنامج داخل الأسرة، ومبلغ 425 جنيهًا للفردين داخل الأسرة الواحدة، و550 جنيهًا لثلاثة أفراد (وهو الحد الأقصى للبرنامج) داخل الأسرة الواحدة، بينما يوفر برنامج «تكافل»، الذي يستهدف الأسر التي تضم تلاميذ في المدارس، 60 جنيهًا شهريًا لتلاميذ المرحلة الابتدائية، و80 جنيهًا لتلاميذ المرحلة الإعدادية، و100 جنيه لتلاميذ المرحلة الثانوية.

وبرغم أن موازنة السنة المالية الماضية قد تضمنت 4.7 مليارات جنيه موجهة لـ «تكافل» و«كرامة»، إلا أن ما تم إنفاقه عليهما فعليًا «لم يتجاوز غالبًا 3.5 مليارات جنيه متضمنةً شريحتين من قرض البنك الدولي الموجه للبرنامج بقيمة 260 مليون دولار تقريبًا»، وفقًا لمعيط. فيما قال مصدر وثيق الصلة ببرنامج معاش «تكافل وكرامة» في وزارة التضامن الاجتماعي إن اجمالي التحويلات المالية التي صُرفت فعلًا منذ مارس 2015 وحتى نهاية أكتوبر 2016 بلغت حوالي 3.185 مليار جنيه فقط، وهو ما يقل عن المخصص بأكثر من مليار ونصف المليار جنيه.

وأبرم البنك الدولي اتفاقًا مع مصر في 2015 لإعطائها قرضًا قيمته 400 مليون دولار لمساندة مشروع «تكافل وكرامة».

بالرغم من ذلك، تقول هبة الليثي، أستاذة الإحصاء في جامعة القاهرة، والمشرفة على بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن صرف معاشي تكافل وكرامة «ساهم في وقف ارتفاع نسبة الفقر في مصر إلى مستوى 30% تقريبًا بنهاية عام 2015، وهو المستوى الذي كان ليبلغه لولا صرف تلك المعاشات».

ومع ذلك، لم تفلح المعاشات الجديدة في منع تدهور مؤشرات الفقر تمامًا، كما تقول الليثي: «فلم تتمكن تلك المعاشات من منع ارتفاع نسبة الفقر من 26.3% (في 2013) إلى 27.8% (في 2015)». بل إن الإجراءات الاقتصادية الجديدة تهدد بتوسيع دائرة الفقر على نحو غير مسبوق بحسب الليثي: «ستؤدي الإجراءات الجديدة بطبيعة الحال للمساس بمستوى معيشة أربعة ملايين أسرة يمثلون من هم على حافة الفقر، على نحو قد يرجح سقوطها في الفقر».

دعم البترول يتراجع والدعم النقدي لا يغطي التراجع

شهد الدعم -السلعي- الموجه للمواد البترولية في الأساس تراجعًا ملموسًا منذ العام المالي 2014/2015، مع بدء تنفيذ سلسلة من الإجراءات التقشفية التي جرى تبنيها الواحدة تلو الأخرى، إذ قال البيان المالي لموازنة عام 2014/2015 إن الحكومة تستهدف التخلص التدريجي من بنود «الدعم غير الفعال»، وعلى رأسها دعم الطاقة، وإعادة توزيع الموارد لصالح الفقراء والسيطرة على تسرب الدعم لغير مستحقيه.

وتراجع دعم المواد البترولية من 126.18 مليار جنيه إلى 73.91 مليار جنيه، بانخفاض نسبته 41.4% في مقابل ارتفاع كبير في مخصصات معاش الضمان الاجتماعي في موازنة 2015/2014 لتصل إلى 10.7 مليارات جنيه من 4.9 مليار جنيه في العام السابق.  لكن ما جرى إنفاقه فعليا لم يتجاوز 6.7 مليارات جنيه تقريبًا، أي أن الزيادة بلغت 36.7% تقريبًا.

أما السنة المالية اللاحقة -2016/2015- فقد شهدت للمرة الأولى إطلاق برنامجي «تكافل وكرامة»، لتضاف مخصصاتهما إلى مخصصات معاش التضامن الاجتماعي في بند واحد يسمى في الموازنة «معاش التضامن الاجتماعي»، بلغت قيمته 11.2 مليارات جنيه، لكن ما جرى إنفاقه فعلًا لم يتجاوز سبعة مليارات جنيه، وهو ما يعني أن الإنفاق على إجمالي المعاشات الضمانية ارتفع بواقع 3.8% فقط، في الوقت الذي شهد فيه العام نفسه تراجع دعم المواد البترولية بنسبة 16.5%.

الإجراءات الاقتصادية الجديدة تهدد بتوسيع دائرة الفقر على نحو غير مسبوق بحسب الليثي: «ستؤدي الإجراءات الجديدة بطبيعة الحال للمساس بمستوى معيشة أربعة ملايين أسرة يمثلون من هم على حافة الفقر، على نحو قد يرجح سقوطها في الفقر».

«تكافل» و«كرامة» يتوسعان.. ولكن

الآن، تسعى الحكومة إلى رفع عدد المستفيدين من برنامجي «تكافل وكرامة» إلى 1.5 مليون أسرة بنهاية يونيو 2017، بدلًا مما كانت موازنة العام الحالي تستهدفه من رفع أعداد الأسر التي يغطيها البرنامج إلى مليون أسرة فقط، وذلك حسب بيان من وزارة المالية في سبتمبر الماضي. وكان برنامجا «تكافل وكرامة» وقت إطلاقهما يستهدفان أن تتسع مظلتهما لتغطي 1.5 مليون أسرة خلال ثلاث سنوات مقسمة بالتساوي: 500 ألف كل سنة، كما تقول شيرين الشواربي، الرئيسة السابقة لوحدة العدالة الاقتصادية بـ «المالية».

كان من المخطط أن يمتد الدعم النقدي في نهاية سبتمبر الماضي، بحسب البيان، إلى 950 ألف أسرة، لكن المصدر القريب من البرنامجين في وزارة التضامن الاجتماعي قال إن «بيانات الوزارة تشير إلى أن إجمالي عدد الأسر التي استفادت منهما حتى بدء نوفمبر الحالي بلغ 804 ألف و274 أسرة فقط».

وسواء تمكنت الحكومة من تحقيق هدفها، بزيادة أعداد الأسر التي يغطيها برنامجا «تكافل وكرامة»، أم لا، فالعدد المستهدف لن يغطي أغلب الأسر الفقيرة التي تقدر هبة الليثي عددها بما بين خمسة إلى ستة ملايين أسرة.

كما أنه من غير المطروح على الإطلاق رفع قيمة معاشات «تكافل وكرامة» على نحو يرتبط بالتضخم. يقول محمد معيط إن «المعاشات الضمانية تختلف في هذا السياق عن الأجور والمعاشات، ولا يمكن توقع زيادتها بشكل دوري بناء على التضخم أو غيره من الأسباب». من ناحية أخرى، تنتقد هبة الليثي الدعم النقدي من حيث أنه يتضمن في حد ذاته تأثيرًا تضخميًا، ولهذا «فهو أسوأ أنواع الدعم»، على حد قولها.

وتتوقع الحكومة في موازنة العام المالي الحالي أن يرتفع معدل التضخم في 2016/2017 ليصل إلى 11.5%، من 10.6% في العام المالي الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وتدافع هانية شلقامي، وهي أستاذة في مركز البحوث الاجتماعية في الجامعة الأمريكية، وكانت قد صممت أول برامج الدعم النقدي في عين الصيرة والصعيد قبل ثورة يناير ثم برنامجي «تكافل وكرامة»، عن ضرورة تعديل حجم تلك المعاشات، خاصة وأن تصميمها جاء قبل «تدهور الأوضاع الاقتصادية والإجراءات التقشفية المتوالية»، على حد قولها، مضيفةً أن «ثبات حزمة الحماية الاجتماعية عند حالتها الحالية دليل على فقر الإدراك الحكومي، وأن الجانب الاجتماعي في برنامج الحكومة عمومًا لا يتعدى برنامجي تكافل وكرامة».

وتضيف هانية شلقامي، مستنتجة: «لا يجب النظر إلى تكافل وكرامة باعتبارهما علاجًا لآثار الفقر، ولا التعويض عن رفع الدعم السلعي. الهدف من البرنامج هو علاج عيوب برنامج معاش الضمان الاجتماعي غير القادر على تغطية عدد كبير من الأسر الفقيرة بسبب صعوبة شروط صرفه».   

جزء بسيط من الحماية الاجتماعية

«يُفترض أن يمثل برنامجا تكافل وكرامة جزءًا بسيطًا من منظومة واسعة النطاق للحماية الاجتماعية تقلل من آثار الفقر عمومًا من قبيل نقص التعليم والرعاية الصحية مثلًا، وهي أمور يفترض أن تعالجها أنماط أخرى من الدعم لا يشترط أن يكون نقديًا بالضرورة، من قبيل خدمات نقل مجانية لطلبة المدارس مثلًا أو ما يعادله من دعم نقدي في المناطق الريفية التي لا تشملها شبكة النقل العام، والوجبات المدرسية المدعومة»، وفقًا لهانية شلقامي.

وتجاهلت الموازنة العامة للدولة الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتخصيص حدٍ أدنى للإنفاق على التعليم والبحث العلمي والصحة. وتقدرالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حجم الموارد الإضافية اللازمة لتطبيق تلك الاستحقاقات بما بين 61 مليار جنيه و96 مليار جنيه.

«ثبات حزمة الحماية الاجتماعية عند حالتها الحالية دليل على فقر الإدراك الحكومي، وأن الجانب الاجتماعي في برنامج الحكومة عمومًا لا يتعدى برنامجي تكافل وكرامة».. هانية شلقامي

وتعتبر هبة الليثي أنه «لا يمكن النظر لدعمٍ نقدي على هذه الشاكلة إلا باعتباره مسكنًا لبعض أعراض الفقر. لا بديل في هذا السياق عن توسيع الإنفاق على الصحة والتعليم».

كانت شلقامي قد تقدمت باقتراح ثالث مع معاشي تكافل وكرامة هو برنامج «فرصة»، قالت إنه يمثل نوعًا من إعانة البطالة. «البرنامج المقترح كان يقوم على إتاحة تحويلات نقدية لمدة ستة شهور كل خمس سنوات تتيح لمن يتلقاها تأهيل نفسه للبحث عن عمل والتدريب المهني، لكن المقترح رُفض». وتضيف قائلة إنها علمت مؤخرًا «أن الحكومة قررت تبني برنامج جديد بنفس الاسم لكن بمضمون مختلف تمامًا، يقوم على القروض متناهية الصغر، وهو أمر أرفضه تمامًا لأن السوق لا يمكن أن يستوعب كل هذه القروض، التي تعيد تكرار تجربة الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي أقرض الشباب لتنفيذ مشروعات لتوزيع أنابيب البوتاجاز انتهت عمليًا إلى ارتفاع أسعارها بشدة».

ووفقًا للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء سجل معدل البطالة فى مصر 12.5% خلال الربع الثانى من عام 2016 مقابل 12.7% فى الربع الأول من العام نفسه.

وتعتقد هانية شلقامي أن صندوق النقد نفسه يضغط على الحكومة المصرية لإتاحة نظام للحماية الاجتماعية في ظل شروط القرض، «بينما لا تبدي الحكومة نفسها اهتمامًا يذكر بجوانب الحماية الاجتماعية».

اعلان