كم يساوي نشاط الجيش الاقتصادي عندما يقدره السيسي بـ1.5% من الاقتصاد؟
 
 

في حديثه إلى الشباب خلال المؤتمر الذي عُقِد في شرم الشيخ اﻷسبوع الماضي، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الأنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة المصرية تعادل ما بين 1 إلى 1.5% من الناتج المحلي اﻹجمالي في أول بيان رسمي يشير إلى نسبة اﻷنشطة الاقتصادية التي تقوم بها القوات المسلحة المصرية، وهو اﻷمر الذي أثار نقاشًا كبيرًا شغل الرأي العام المصري مؤخرًا دفع الرئيس للتعليق على اﻷمر في خطاب سابق له.

وطبقًا لبيانات وزارة التخطيط المصرية، بلغ الناتج المحلي اﻹجمالي لمصر خلال الشهور التسعة اﻷولى من العام المالي 2015-2016 حوالي 2 تريليون جنيه. يعني هذا، طبقًا للنسبة التي أعلنها الرئيس، أن نصيب النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة ما بين 20-30 مليار جنيه خلال نفس الفترة. ويقترب هذا الرقم من ثلث إلى نصف الاستثمارات الحكومية المتوقعة في كامل العام المالي نفسه، والذي يرصده مشروع موازنة العام المالي الحالي عند 71.29 مليار جنيه.

وأشار السيسي في حديثه إلى أن القوات المسلحة تمول مشترياتها من الأسلحة والعتاد من ميزانيتها الخاصة. وتتجاوز ميزانية قطاع الدفاع واﻷمن القومي 47 مليار جنيه في ميزانية العام المالي 2016-2017.

تشارك القوات المسلحة المصرية في مختلف النشاطات الاقتصادية عبر أربع هيئات تتبع وزارتي الدفاع واﻹنتاج الحربي، هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة العربية للتصنيع، والهيئة القومية للإنتاج الحربي، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

وأوضح تقرير نشره «مدى مصر» في سبتمبر الماضي عن القطاعات الاقتصادية التي دخلها الجيش في 12 شهرًا مدى اتساع هذه اﻷنشطة وتوغلها في عدد كبير من القطاعات من بينها قطاع الصحة والطرق والتعليم والكهرباء والطاقة والاستزراع السمكي والمقاولات الحكومية ومجالات أخرى.

وتختلف التقديرات حول حجم هذا النشاط الاقتصادي. طبقًا لتقدير أحمد النجار، الباحث الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة اﻷهرام، يقل حجم النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة عن 5% من إجمالي الناتج المحلي اﻹجمالي، بينما تصل بها تقديرات متداولة، لكن أصلها العلمي غير ثابت، ما بين 35-40% من الاقتصاد.

ويرى يزيد صايغ، الباحث الرئيسي بمركز كارنيجي للشرق اﻷوسط والمختص بالدور السياسي للجيوش العربية، أن النسبة التي أعلن عنها السيسي دقيقة بالنسبة للقيمة الدفترية للهيئات الاقتصادية العسكرية المسجلة، لكنها محصورة في جزء معين من النشاط الاقتصادي. ويستدرك صايغ قائلًا إن السؤال المهم يتعلق بباقي النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة الذي لا نعرف حجمه.

يضرب صايغ مثلًا بدخول القوات المسلحة في شراكات مع القطاع الخاص باعتباره مالكًا لمساحات كبيرة من اﻷراضي. ففي ديسمبر الماضي، أصدر السيسي القرار رقم 446 لسنة 2015 لتنظيم قواعد التصرف في الأراضي والعقارات التي تخليها القوات المسلحة، وتخصيص عائدها لإنشاء مناطق عسكرية بديلة. وأتاح القرار للقوات المسلحة تأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

يوضح صايغ أن القرار أتاح للقوات المسلحة امتلاك حصة من رأسمال الشركات التي يتم تأسيسها باعتباره مالك اﻷرض، وفي حالة بيع هذه الشركات يحصل الجيش على حصة من حصيلة البيع باعتباره شريكًا، لكنه يظل محتفظًا بملكية هذه اﻷراضي ﻷنه لا يمكن بيعها. «هل يدخل هذا في الإحصاءات؟ لا أعتقد هذا»، يقول صايغ.

يضيف صايغ أيضًا أن حجم المشروعات التي تتولى القوات المسلحة تنفيذها كبير للغاية، وأن سعتها اﻹدارية لا تمكنها من تنفيذ كل هذه المشروعات بمفردها، وهو ما يدفعها إلى إدارة هذه العقود وتوزيعها على شركات أخرى لتنفيذها مقابل عمولة تحصل عليها القوات المسلحة.

وفي أكتوبر 2013، وافق مجلس الوزراء على منح التزام باستكمال وإدارة وتشغيل وصيانة طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوى للشركة الوطنية لإنشاء وتنمية الطرق، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع. وسمح العقد الملحق بنص القرار المنشور في الجريدة الرسمية للجهاز التابع لوزارة الدفاع بالتعاقد من مع أي شركات أخرى متخصصة للاستعانة بهم في مجال اﻹدارة أو التشغيل أو الصيانة أو الدعاية أو اﻹعلان وغيرها.

وأضاف صايغ أن إحصاء السيسي لا يشمل المشروعات التي تنفذها القوات المسلحة للجهات الحكومية اﻷخرى. كما يعتقد صايغ أن هذه العمولات لا تدخل في اﻹحصاءات حول حجم النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة.

أكثر من مجرد رقم

يعتبر الدكتور أحمد عبد ربه، الباحث الزائر في مركز دراسات الشرق اﻷوسط بجامعة دنفر، أن نسبة النشاط الاقتصادي التي أعلن عنها السيسي لا تعد مشكلة في حد ذاتها، لكن السؤال اﻷهم بالنسبة إليه هو تنظيم المنافسة بين الكيانات الاقتصادية الخاصة وبين الجيش. «في مصر هذه هي المشكلة، لا توجد قوانين ولا معادلة سياسية للتأكد من عدالة التنافس بين الكيانات الاقتصادية وبين المؤسسة العسكرية»، على حد تعبيره.

ويضيف صايغ أنه ليس لديه علم بأي جهاز رقابي تخضع له أنشطة القوات المسلحة الاقتصادية، قائلًا إنه «ليست هناك قوانين تخول إشراف رقابي مدني على القوات المسلحة».

كان السيسي قد صرح في حديثه أن «القوات المسلحة في مشروعاتها الاقتصادية بتتراقب من الجهاز المركزي للمحاسبات». وتتفق تصريحات السيسي مع تصريحات شهيرة سابقة للواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس اﻷعلى للقوات المسلحة سابقًا، في 2012 اعتبر فيها النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة «عَرق الجيش»، وأن الجهاز المركزي للمحاسبات يقوم بالرقابة على أعمال القوات المسلحة عبر مئات اللجان التي يرسلها سنويًا.

يعلق صايغ أن الفواتير والحسابات التي تخص أنشطة القوات المسلحة الاقتصادية تخضع للتدقيق الداخلي، موضحًا أنه يعلم أن هناك مكتبًا تابعًا لوزارة المالية يختص بكشف الحسابات لهيئات الجيش الاقتصادية. «لما الجيش ياخد مقاولة طريق من الحكومة بيقدم لها أوراق، لكن لا توجد طريقة نتأكد بها من صحة هذه اﻷوراق من عدمه».

ويتفق عبد ربه مع صايغ قائلًا إن هناك فارقًا كبيراً بين الرقابة، والتي قد يترتب عليها محاسبة ومساءلة، وبين الإطلاع. «أعتقد أن الأجهزة الرقابية في مصر تطلع بالفعل، لكن أشك أنها تراقب، فهي غير مخولة ولا تملك أدوات قانونية أو دستورية لهذه الرقابة».

ويشير صايغ إلى التعديلات التي أجراها مجلس الشعب المصري في أبريل 2012 على قانون القضاء العسكرى الصادر برقم 25 لسنة 1966، وتقضي باختصاص القضاء العسكري دون غيره بنظر قضايا الكسب غير المشروع التى تقع من ضباط القوات المسلحة ولم يبدأ التحقيق فيها إلا بعد إحالتهم للتقاعد. بالنسبة إليه، فإن القانون مثال واضح على غياب أي رقابة مدنية على أعمال القوات المسلحة الاقتصادية.

يشير صايغ إلى تجارب دول أخرى في تقليص اﻷنشطة الاقتصادية لجيوشها، وعلى رأسها الصين وتركيا. في تركيا، قررت الحكومة التركية منذ عامين تخلي الجيش التركي عن أنشطته الاقتصادية. وقبلها بعدة أعوام، قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني تفكيك الجيش ﻹمبراطوريته الاقتصادية الضخمة.

هل هناك ما يبرر اتساع النشاط؟

يقول صايغ إن السيسي فوّض الجيش بكل هذا النشاط الاقتصادي في سعيه ﻹنجاز مشروعات ضخمة بشكل سريع باعتباره المؤسسة الوحيدة من مؤسسات الدولة القادرة على إنجاز هذه المشروعات والانتهاء منها. بالنسبة إليه، فإن هذا يعني أن جهاز الدولة الضخم الذي يعمل به 6 ملايين موظف غير قادر على القيام بوظائفه. «كل مرة الجيش يتولى فيها دورًا جديدًا فإن هذا دليل إضافي على أن أحد أجهزة الدولة المدنية غير قادر على القيام بدوره».

كان رئيس الوزراء، شريف إسماعيل، قد صرح قبل يوم واحد من حديث السيسي أن دور الجيش في الاقتصاد سيتقلص في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام، وذلك في مقابلة مع قناة سي بي سي التليفزيونية.

ويرى صايغ أنه من الصعب افتراض تخلي الجيش عن دوره ﻷنه يصعب تخيل أن تبدأ اﻷجهزة المدنية في القيام بعملها خلال عامين أو ثلاثة.

من جانبه، اعتبر عبد ربه تصريحات رئيس الوزراء «أمرًا إيجابيًآ». بالنسبة إليه، لا توجد أي مشكلة في تقليص الأنشطة الاقتصادية خلال مدة سنتين أو ثلاثة. «بالعكس هذه مدة ممتازة لو هناك نية سياسية بالفعل لذلك»، يقول عبد ربه مؤكدًا أنه «لا يجب أن نطالب الجيش بالتخلي عن الأنشطة الاقتصادية، ولكن يجب أن نطالب بالرقابة والتوازن والشفافية، فقط هذا هو المطلوب».

*تم تصحيح هذا الموضوع الساعة 1:50 دقيقة، لتصويب الرقم المخصص لميزانية قطاع الدفاع والأمن القومي في ميزانية 2016-2017، من 4 مليارات إلى 47 مليار جنيه.

اعلان