فاز بوب ديلان بنوبل للأدب.. فما هو الأدب؟
 
 
المصدر: wikimedia
 

لو كان بوب ديلان مجرد كاتب متوسط لمرَّ حصوله على جائزة نوبل للأدب مرور الكرام، فكثيرًا ما خرجت علينا نوبل باختيارات غير مفهومة.

ولكن لا خلاف على قيمته الفنية، يقول الجميع، الفكرة تتعلق بالتعريف، ما هو الأدب وما هي الأغاني؟ أين ينتهي هذا لتبدأ تلك، أو العكس.

كان فوز المغني والموسيقي وكاتب الأغاني بجائزة نوبل في الأدب، في الأسبوع الماضي، أضخم مناسبة أثير فيها النقاش حول حدود الأدب، وبالتالي النقاش حول من بيديه رسم هذه الحدود، ما قاد في النهاية بدوره للنقاش حول سلطة جائزة نوبل نفسها.

عندما يتحدث الأدباء عن «نوبل»، فهم غالبًا ما يقصدون «جائزة نوبل للأدب»، لا للسلام، أو الكيمياء، أو الفيزياء، أو غيرها من فروع الجائزة العريقة، ما يعني بدوره أن جائزة نوبل للأدب تحولت لشأن شخصي لدى الأدباء، حتى وإن كان شديد البعد، مجمع العظماء الذي يعدهم بدخوله لو مشوا في الطريق الصحيح، ولا ينفذ وعده إلا لمامًا وبشكل شديد الندرة. هذه مفارقة الجائزة.

بوب ديلان هو كاتب أغاني ومطرب، وكاتب أمريكي، من مواليد 24 مايو 1941، بدأت شهرته في العام 1959، وحصل منذ ذلك الحين على العديد من الجوائز، من أبرزها: أوسكار أفضل أغنية أصلية، وجولدن جلوب لأفضل أغنية، وكلتاهما عن أغنية “Things Have Changed“، فضلًا عن قرابة 12 جائزة جرامي.

في هذا التحقيق طرحنا على عدد من الأدباء المصريين -أحمد شافعي، أهداف سويف، إيمان مرسال، إيهاب عبد الحميد، محمد خير وهيثم الورداني- هذه الأسئلة، منطلقين من فوز المغني الأمريكي بأرفع جائزة أدبية في العالم، ولكن للوصول لأفكار كل منهم حول «نوبل»، وحدود الأجناس الأدبية، والسلطة والديمقراطية في الأدب، وبالتحديد: من يملك سلطة تحديد ما هو أدبي وما ليس كذلك.

بعد نهاية العالم، كل ما سيحتاجه الأدب هو لغة

يدافع الشاعر أحمد شافعي عن الشعر، كمجال خاص وله تقاليده المنفصلة عن تقاليد كلمات الأغاني. يقول إن جائزة نوبل في النهاية لم تغير اسمها لتصبح جائزة للفنون، وإنما لا تزال جائزة لـ «الآداب» كما هي. وهو شديد الدقة في هذا. لا ينفي عن بوب ديلان الفنية، وإنما الأدبية. الشعر فن لغوي محض، يقول، ليس لغويًا وحركيًا، ولا لغويًا وتشكيليًا أو لغويًا وموسيقيًا. ولا بد أن يعرف الناس أن الشعر في حد ذاته قادر على إمتاعهم.

ahmed shafi.jpg

أحمد شافعي

الموضوع إشكالي بالفعل بالنسبة لشافعي: هل قصيدة أبو فراس الحمداني هي أدب طالما أنها تُقرأ، ولكن عندما غنتها أم كلثوم لم تعد أدبًا؟ يجيب عن هذه المعضلة، أو بالأحرى يفصّلها أكثر: ”قصيدة أبو فراس الحمداني تتحرك في سياق كتابي كامل وتتفاعل معه، لكن عندما تُغنّى تُعامل معاملة أخرى، دخل عليها عنصر آخر غير كتابي، وجعل الحكم عليها كنص مكتوب أمرًا فيه تعسف، لأنني أستبعد عناصر أخرى مثل الموسيقى والتوزيع والغناء البشري. إذا استبعدتها أظلم فن الغناء، وإذا استحضرتها أظلم فن الشعر“.

يؤكد: ”الوسيط جزء من الفن. وعندما يتغيّر الوسيط يتغيّر الفن. هل حصل بوب ديلان على نوبل لأنه كتب قصائد جميلة؟ بالطبع لا، وإنما لأنه مغن مهم. كشاعر، هو ليس أفضل من جون آشبري، ولا من تشارلز سيميك، ليس أفضل من أدونيس حتى بالمناسبة“.

يرى شافعي أن الشعر صارع طويلًا حتى يتخلص من «الشفاهة» ويصبح «فنًا مكتوبًا»، وانتصر، وذلك لأن ما يمكن قوله لقارئ أعمق وأكثر تعقيدًا مما يمكن قوله لمستمع: “يمكنني وضع هوامش في الكتاب، والإحالة لقصائد أخرى، يمكنني الاعتماد على أن القارئ سيغلق الكتاب قليلًا ليفكر فيه“.

يرسل لي رابط مقال على موقع «نيو ستايتسمان» بعنوان لافت ”لو كان هناك شعر في عمل بوب ديلان، فهو في غنائه“، ويضيف: ”توسيع مفهوم الأدب مسألة تحدث طول الوقت، ببطء ومن هوامش الأدب، ولكن المشكلة أن نوبل موجودة في المركز بصورة لا تسمح لها أخلاقيًا في رأيي باتخاذ قرار منفرد بشأن توسيع مفهوم الأدب“.

لو حصل ناعوم تشومسكي على جائزة نوبل للأدب لن يغضب شافعي، ﻷنه عالم لغويات عظيم، وصحيح أن إسهامه ليس أدبيًا، وللدقة ليس فنيًا، ولكن لا بد أن تتسع نوبل لتكريم أمثاله. كذلك لو حصل عليها عبد الرحمن بدوي أو طه حسين كان سيتفهم هذا، كما لا يرى مشكلة في أن نوبل في بداياتها كرّمت مفكرين وفلاسفة، ولكن على ألا تكون هذه هي القاعدة، يجب أن يكون الميزان أكثر حساسية.

”نوبل جائزة مهمة، وجودها مهم. مهم أن نكرم قدرة الإنسان على التخيل والإضافة للواقع. الصيت الرهيب للجائزة يجعلني أنتظر منها الاستمرار في تأسيس canon عالمي (صعب ترجمة هذه الكلمة)، ليس ضروريًا أن نعبده ونقر بما فيه، ولكن أن يتواجد كطرح على الأقل. هذا الـ canon هو سلسلة أدبية تمتد لتشمل شكسبير ودوستويفسكي وتوماس مان فصاعدًا، ونوبل تساهم في هذا“.

-أسأله: هذه السلسلة كانت موجودة من قبل نوبل؟

فيرد: طبعًا، وتتواجد الآن أيضًا بمعزل عن نوبل. بورخيس موجود في هذه السلسلة، وكازنتزاكيس. لو لم تكن نوبل موجودة، ستتواصل السلسلة ولكن بشكل أبطأ، ربما أصدق. ولكن وجودها هو ميزة يحسن أن نستغلها بشكل أفضل.

أتخيل أنه بعد نهاية العالم بأسبوع، سيجلس شخص وحده، بلا أي آلة لإنتاج الفن إلا اللغة. هذه هي عظمة الأدب في رأيي، ويجب أن تلح نوبل على تكريم هذا

”نوبل في أحسن الحالات تشير لناس معينين؛ تقول اسم ماركيز، وإذا رأت الإنسانية أنه جدير بالدخول لمجمع العظماء، يدخل. وتقول يوسا، ولو رأت الإنسانية ألا يدخل فلا يدخل. لا تضمن نوبل الخلود أبدًا. هي تقترح أسماء. من كل قائمتها لن تخرج إلا بخمسة أو ستة أسماء مؤكد خلودهم من وجهي نظري أو نظرك“.  

الفكرة هي ماذا نكرم؟ يتساءل ويجيب: ”أتخيل أنه بعد نهاية العالم بأسبوع، سيجلس شخص وحده، بلا أي آلة لإنتاج الفن إلا اللغة. هذه هي عظمة الأدب في رأيي، ويجب أن تلح نوبل على تكريم هذا“.

 

تعليق حول الخفة

محمد خير

محمد خير

يعلق الشاعر محمد خير بشكل مختصر، بسبب سفره خارج مصر حاليًا. يقول إنه على قدر ما جعلنا فوز ديلان بنوبل نقلق على أهلية نوبل كـ ”برهان مطلق عى قيمة الأديب الفائز بها“، فهي أيضًا، ونظرًا لجائزة العام الماضي، فتحت بابًا يجعل تعريف الأدب أكثر خفة بالمعنى الإيجابي، بمعنى أن الحظ قد يصيب الفن كيفما كان شكله ما دام صادقًا ومؤثرًا.

 

الأدب في كل مكان

لا تنشغل الأديبة أهداف سويف بالتصنيف. وهي ترى أن فوز ديلان بجائزة نوبل أمر إيجابي: ”هذا فنان أثرت أغانيه تأثيرًا كبيرًا في أعداد ضخمة من الناس عبر الكرة الأرضية كلها وعبر عقود من الزمن. والكلمات عنصر أساسي في أغانيه. وأنا عدت لمعايير جائزة نوبل للأدب فوجدت فيها أن الجائزة تُمنح للعمل ”الأكثر بروزًا وتألقًا في اتجاه مثالي“، وللعمل ”الأكثر إفادة للناس“، و”اللجنة أعطت جائزتها لديلان لأنه أبدع وخلق تعبيرات شعرية جديدة داخل التراث الغنائي الأمريكي“، وهذا صحيح“.

أهداف سويف

أهداف سويف

– على الناحية الأخرى، فربما هو لا يحتاج من نوبل أن تعرّف الناس به، لأنهم يعرفونه أصلًا.

”ليس ضمن أهداف نوبل تعريف الناس بالفنان. المفترض في الحقيقة أن حجم العطاء الأدبي للفائز بنوبل يجعله معروفًا أصلا من قبل الجائزة، مثل نجيب محفوظ عندنا. الجديد في موضوع منح نوبل لديلان أن هذا يعني اعتراف المؤسسة بفنه، وهذا جيد، وإن كنت لا أعرف إن كان سيعني شيئًا لديلان نفسه“.

تستكمل: مع الثورة ظهرت أشكال فنية كثيرة قد تعد أدبًا، فبالإضافة للشعر مثل ديوان “مانيفستو” لمصطفى إبراهيم، ترى سويف صياغات أدبية في تدوينات الفيسبوك والجرافيتي المرسوم على جدران الشوارع، بل وحتى في هتافات المظاهرات ورسائل المعتقلين. تشير للطالب عبد الرحمن الجندي، المعتقل من أكتوبر 2013: ”هو يكتب نصوصًا تأملية من سجنه، ليست تخيلية وإنما تنبعث عن الواقع، ويصيغ لغة تنقلك لمساحات تأملية واسعة“. كل هذا في نظرها -الجرافيتي والهتافات والأقوال والنكات، ”يصنع تكوينات جديدة في اللغة، ينقلها لمنطقة أخرى. بالنسبة لي وللكثيرين كان هذا فنًا متدفقًا قادمًا من لحظة إعجازية“.

بالمثل، فقد خرج بوب ديلان من رحم لحظة 1968 والاحتجاج في أمريكا ضد حرب فيتنام. لم يكن ممكنًا له الظهور في التسعينيات مثلًا، كما تقول: ”أرى في بوب ديلان هذا الفنان الموهوب الذي يظهر في لحظة بعينها، مرحلة جديدة يتصور فيها الشباب أنهم قادرون على تغيير العالم وإنهاء الحروب والوصول إلى حرية حقيقية“.

فكرة منح نوبل لديلان، فيها فائدة للجائزة أكثر مما فيها لديلان نفسه، فقد تحصل نوبل هكذا على شعبية أكبر

ديلان فنان حقيقي من وجهة نظرها، يلتقط ذبذبات الناس من حوله ويستوعبها، وينتج منها فنًا يعبّر عن الناس، أو ”يجد فيه الناس أنفسهم“، بحد تعبيرها: ”رغم أننا لو قرأنا كلمات أغانيه كنصوص مكتوبة، لن نجده متميزًا كشاعر على الورق. لا أعرف أصلًا إن كان أهل المعرفة يصفونها بـ ”الأدب“، ولكن الجائزة مُنحت للحالة كلها في رأيي، الحالة التي أدت لأن تدخل كلمات ديلان كـ ”تعبيرات شعرية جديدة في التراث الغنائي الأمريكي“.

وهي ترى أن قرار منحه الجائزة هو قرار مغامر ومختلف بالنسبة للجنة نوبل، ما يصعّب على الناس التنبؤ باختيارات اللجنة في الأعوام القادمة. وفي الوقت نفسه فالقرار محسوب؛ نوبل لم تعط جائزتها لفنان تشكيلي مثلًا، وإنما لشخص تعد ”الكلمات“ أمرًا أساسيًا في عمله، وقررت أن تأثيره وحجمه كبيران بما يكفي للحصول على الجائزة“.

من ناحية أخرى، تعتقد سويف أن فكرة منح نوبل لديلان، فيها فائدة للجائزة أكثر مما فيها لديلان نفسه، فقد تحصل نوبل هكذا على شعبية أكبر، ويهتم بها جمهور أكبر مختلف عن جمهورها التقليدي، والجدل الذي يثور حول الجوائز هو في النهاية دعاية لها: ”لاحظ أننا، أنا وأنت، نتكلم عنها الآن في تحقيق صحفي!“.

 

دور تنويري وفتاة تدعّي التمرد

فور سماعهما بفوز بوب ديلان بالجائزة، تناقشت الشاعرة إيمان مرسال مع زوجها، واتفقا على أن جائزة هذا العام ”بايتة“، وليست فيها الطزاجة التي يتوقعانها من نوبل. تقول: ”أول ما شغلني ليس إن كان بوب ديلان يستحق نوبل أم لا، ولا إن كانت كلمات أغانيه شعرًا أم لا، وإنما فكرت في مهمة الجوائز، وبالأخص نوبل“.

By Lesung & Gespr. Berlin 2013.jpg

إيمان مرسال

بالنسبة لها، فالجائزة لها دور تنويري، بالمعني الإكليشيهي للكلمة كما تؤكد، كونها تؤثّر على الصناعة الكبيرة والعالمية للكتاب والترجمة والقراءة وتبادل المعرفة والتعرّف على مشاهد أدبيّة مختلفة، لمدة سنة على الأقل.

”منذ أن وعيت بها، كانت الفائدة الأساسية لجائزة نوبل أنها تجعلني أقرأ النصوص الكاملة لشخص ما. قبل أن تفوز بها، كنت قد قرأت لأليس مونرو ثلاثة كتب متفرقة، ولكن بعد نوبل قرأت كل أعمالها وحوارات معها. أصبح عندي سؤال حولها، حول هذه الكاتبة البيتية الريفية التي لا علاقة لكتابتها بتصوري عن عوالم الكتابة، ولكن الجائزة جعلتني أعيد اكتشاف أصالتها. والأصالة هنا ليست التعبير الممضوغ في الثقافة العربية، الأصالة هنا بمعنى أنه مهما كانت مفردات عالمك بسيطة أو تبدو واضحة، فبإمكانك إعادة اكتشافها وتقديم سرد مختلف عنها“.

”شيء مثل هذا حدث مع باتريك موديانو الذي فاز بها في 2014، ثم ثار جدل كبير حوله؛ انصدم القرّاء لأنهم اكتشفوا أنه لم يُتَرجم له للإنجليزية سوى كتابين أو ثلاثة. ولكن بعدها بستة أشهر أصبح القارئ يجد أعماله فور دخوله أية مكتبة“.

الموضوع بالنسبة لمرسال ليس ”هل يستحق الكاتب أم لا؟“، فبمقدورها إعداد قائمة طويلة من كتاب يستحقونها ولم يحصلوا عليها. ولكن كون الجائزة لم تقم بدورها هذا الذي تتحدث عنه.

– ليس ضروريًا موضوع ”الدور التنويري“ هذا، فالجائزة مُنحت كثيرًا لكتاب مكرسين.

توضح: حتى الكاتب المكرس يختلف عن المغني المكرس. الكاتب المكرس ليس بالضرورة مقروءًا بشكل واسع، أو ينتمي لفئة الأعلى مبيعًا. جي إم كويتزي عندما أخذ نوبل كان مكرسًا؛ بمعنى أنه كان حاصلًا على عدة جوائز قبلها، ولكنها حوّلته إلى كاتب مقروء بشكل كونيّ، وهو يستحق بلا شك، أيضًا وسّعت من الشرائح التي بدأت في قراءة المشهد الأدبي الذي أنتجه. وبالتالي عندما تُعطى الجائزة لبوب ديلان، فهذا يعطّل إمكانية اكتشاف كاتب آخر في مشهد أدبي آخر لمدة عام.

إذا كانت لجنة نوبل تريد توسيع تعريف النوع الأدبي حقًا، كان ليصبح أكبر تأثيرًا لو أنها اختارت شاعرًا يثير نقاشًا حقيقيًا عن الشعر، يطرح بكتابته أسئلة عن تعريف الشّعر نفسه

هناك نوع من الأسماء المضمونة، بمعنى أنها بديهية ولا خلاف عليها أو تمثّل ثقافة ما، مثل أدونيس مثلًا. لو أخذ أدونيس نوبل فغالبًا لن يكون هذا الاختيار قائمًا على بحث حقيقي داخل الثقافة التي أنتجته، ولكن هذا سيثير حوارًا حول الثقافة العربية، وسيشجع على اكتشاف كُتّاب آخرين منها وقراءتهم. هناك الكثير من الأسماء المضمونة في الشعر العالمي، ويجري ترشيحها لسنوات. وفي حالة حصول أحدهم على نوبل، تقوم الجائزة بدورها العالمي في توسيع مجال القراءة والترجمة. عندما تترك اللجنة كل هذا وتخرج باتجاه بوب ديلان يكون هناك استسهال مخل.

– ربما ليس استسهالًا بالضبط. الموضوع يشبه في ذهني فتاة من عائلة أرستقراطية تمردت على طبقتها وبدأت تشرب المخدرات في الشارع. هذا ليس قرارًا سهلًا.

طيب ماذا لو كانت هذه الفتاة تشرب المخدرات في الشارع، ولكنها في البيت تمثّل على أهلها أنها صائمة؟

بعد مرور أكثر من أسبوع على إعلان اختياره فائزًا بجائزة نوبل للأدب لهذا العام، لم يصدر أي تعليق من بوب ديلان حول الجائزة، فيما أعلنت إدارة الجائزة  منذ أيام أنها أوقفت بحثها عنها ومحاولتها التواصل معه. وفي السياق نفسه، قام الموقع الرسمي لبوب ديلان أمس بحذف إشارة كان قد وضعها عن كونه “الفائز بنوبل للأدب”، وهو الموقف الذي اعتبره البعض مقدمة لأن يرفض ديلان الجائزة.

تشرح فكرتها: ”نوبل منحت جائزتها لفنان مُتفَّق على عبقريته، وإن كان يبدع في مجال آخر. هو لا يحتاجها، ولن يُعاد اكتشافه بسببها، وقد أعلن بنفسه مرات أن الموسيقى عنده تسبق الكلمات. إذا كانت لجنة نوبل تريد توسيع تعريف النوع الأدبي حقًا، كان ليصبح أكبر تأثيرًا لو أنها اختارت شاعرًا يثير نقاشًا حقيقيًا عن الشعر، يطرح بكتابته أسئلة عن تعريف الشّعر نفسه. نوبل هنا منحت جائزة آمنة، رغم ادعاء أنها ”تضرب كرسي في الكلوب“، فهذا الاختيار في الحقيقة لن يُثير حوارًا حقيقيًا حول الشعر. لو كانت الجائزة مُنحت لجيمس تيت قبل موته، كان ليثور حوار عن الشعر في كل مكان. هذا شاعر سريالي علاقته باللغة وبالشعر شديدة التميّز. عندما أقرأ لغته أشعر أنني أقرأ إمكانيّات جديدة للغة الإنجليزية وأرى أفقًا مختلفًا للخيال ولبناء القصيدة. وفوزه بنوبل كان ليثير جدلًا حقيقيًا حول هذا النوع من الكتابة“.

 

صوت من بعيد ينادي

كان أول سؤال سأله الكاتب إيهاب عبد الحميد لنفسه بعد سماعه بخبر فوز بوب ديلان بنوبل للآداب هو ”هل تحاول نوبل مواكبة العصر، بمعنى الانفتاح على آفاق أكثر رحابة؟“.

إيهاب عبد الحميد

إيهاب عبد الحميد

يرى عبد الحميد أن هذه الجائزة بالتحديد لا ينبغي لها مواكبة العصر، لسبب بسيط وهي أنها ليست ملكًا للعصر الحالي، أي لـ 2016. إنها تنتمي أكثر للفكرة التي تدور في ذهن كاتب في العشرين، يحلم بأن ينالها وهو في السبعين، هي ابنة زمن ماض أصلًا. مثلما يبدأ أي لاعب كرة في دوري المدارس، ويكون حلم حياته أن يحمل كأس العالم في يديه يومًا. يضيف: ”يبدو لي أن ”احتلام“ أي كاتب هو أن يحصل يومًا ما على نوبل، ولا يغير من الأمر شيئًا كون واحد في المليون فقط هو من سينالها“.

بعيدًا عن القصص ”الهامشية لكونها مجرد قصص تاريخية“، بحد تعبيره، عن ألفريد نوبل، وعن تشكيل لجنة الجائزة، فهناك جزء كبير من نوبل خيالي، يتعلق بفكرتنا عنها، أي أن جزءًا من عظمتها لا ينتمي إليها نفسها وإنما لأفكارنا عن عظمتها.

”العظمة“ هو التعبير الذي سيستخدمه عبد الحميد كثيرًا لشرح مفهومه: ”في الماضي كان لديّ مفهوم كنت أعبر عنه بشجاعة، ثم أصبحت أخجل منه، والآن أريد العودة للتعبير عنه بشجاعة: الأدب العظيم“.

يصعب تحديد ماهية الأدب العظيم، لكننا نعرفه فور رؤيته، هكذا يشرح. فنوبل في رأيه هي تحية للأدب العظيم، ليس للأدب الجميل، أو المتميز، أو العميق، أو الهادف، أو المؤثر، إلخ، وإنما العظيم. هذا الأدب الذي يخلق فيه الكاتب عالمًا، حتى لو انطلق من شيء بحجم حبة القمح، ويفكر ويدوّر أفكاره ويتخيل ويلعب ويعاني ويجتهد.

من هنا أتت مشكلته مع فوز بوب ديلان بنوبل، وحتى مع فوز سفيتلانا أليكسييفيتش العام الماضي، ومع فوز داريو فو في 1997.

في معظم حالات الجائزة، ذهبت لأدب ليس عظيمًا، ولكن في رأسه، يبدو الوضع أكثر منطقية لو ذهبت لأديب استطاع خلق عالم في كتابته.

– ربما كان هذا بسبب فوز نجيب محفوظ بها، وهو أديب عظيم بهذا المعنى، خلق عوالم كثيرة ومختلفة بدأب شديد؟

يتذكر عبد الحميد كلمة صديقه الشاعر محمد خير: ”محفوظ ليس مجرد أديب حصل على نوبل.. وإنما هو واحد من أعظم من حصلوا على نوبل في تاريخها“، ويضيف: ”أي أديب حصل على نوبل ستجد لديه على الأكثر خمس أو ست روايات كبيرة، بينما محفوظ لديه حوالي ثلاثين رواية كبيرة، بمعنى عظيمة. ماركيز مثل هذا، ويوسا أيضًا. أصبحت نوبل هي الجائزة التي لا بد أن تكون نجيب محفوظ أو قريبًا منه، حتى تحلم بالحصول عليها“.

–  هل حاولت من قبل أن تتخيل شكل الأدب المكتوب لو لم تكن نوبل موجودة؟

– كانت الدنيا ستمشي. الشامبيونز ليج في كرة القدم أمتع من كأس العالم، ولكن الروح التي في كأس العالم مختلفة.

نوبل في رأيه هي تحية للأدب العظيم، ليس للأدب الجميل، أو المتميز، أو العميق، أو الهادف، أو المؤثر، إلخ، وإنما العظيم

الآن، مع دمقرطة الكتابة، تراجعت العظمة كما يقول: ”العصور الديمقراطية ليست عصور العظماء. العظمة هنا تبتعد عن الفرد وترتبط بالمجموع. هنا تجد ألف مغنٍ، من عمرو دياب للمهرجان، ولكنك لا تجد أم كلثوم مجددًا“.

– يلفت نظري أن الناس في وسائل التواصل الاجتماعي قتلوا جميع الآباء، لكنهم لم يستطيعوا الاقتراب من أم كلثوم أو نجيب محفوظ.

لم يستطيعوا. ليست هناك ”ديمقراطية“ تغار من العصر الكلاسيكي. هذا العصر مات ولم تعد الغيرة منه مجدية. الأفضل قولبة العظماء وتحويلهم لأصنام، لأنهم لا يهددون أحدًا.

بهذا المعنى فنوبل بالنسبة لإيهاب عبد الحميد كلاسيكية، و”الكلاسيك“ لا بد أن يظل ”كلاسيك“: ”ليس هناك ”كلاسيك“ يضخ في نفسه دماء جديدة، أو يتوسع وينفتح على آفاق رحبة. لا بد من البحث عن صيغة لأن يظل موجودًا ويظل كلاسيكيًا في الوقت نفسه“.

السؤال المهم هنا من وجهة نظره: ”هل منح الجائزة لديلان، والذي جاء تاليًا لمنحها للصحفية سفيتلانا أليكسييفيتش في العام الماضي، يمثّل توجهًا من قبل اللجنة؟ كثيرًا ما تُمنح الجائزة لكاتب عادي، أو كاتب أعلى مبيعًا، ويمر الأمر. نعتبره خطأ من اللجنة وانتهى. الأخطر أن يمثّل هذا توجهًا“.

يستكمل: ”الأحداث الآن تحظى بالمتابعة أكثر مما كان من خمسين سنة، والسنتان نشعر بهما وكأنهما عشرون سنة، وهذا له علاقة بالإعلام وبالجدل وبالديمقراطية. وهذا يجعل منح الجائزة لصحفية ثم لمغن، يبدو وكأنه تغيير يستهدف سياسة الجائزة منذ إنشائها وحتى الآن“.

– وماذا لو لم يبال الأدباء بنوبل من الأصل؟

عادي. سندخل في عصر التعددية الذي نعيشه. ستكون هناك خمسون جائزة، ولا واحدة منها ”أعظم“ من الأخرى. مع نوبل هناك فقط الشعور، بصرف النظر عن صحته من عدمها، بأن هناك شخصًا هناك، بعيدًا جدًا، يناديك: تعالَ يا حبيبي تعالَ. أنت تمشي الآن في طريق الخلود.

 

من يمنح القيمة؟

فقد القاص هيثم الورداني اهتمامه بجائزة نوبل من زمن طويل. بل وعادة لا يقرأ كتب الفائز بها إلا لو كانت لديه أسباب أخرى لقراءتها، أو كان يعرف الكاتب أو أعماله من قبلها.

etrenal-1

هيثم الورداني

أصبحت نوبل بالنسبة له مناسبة عامة ومهرجانًا تدور فيه مطابع وبيزنس، مثلها مثل المسابقات الرسمية في مهرجانات السينما الكبيرة، كان أو فينيسيا أو برلين. عادة ما تكون الأفلام الفائزة بجوائز في هذه المهرجانات، أو التي تحظى بأقصى قدر من الأضواء والاهتمام، هي الأقل إثارة للاهتمام، بالنسبة له على الأقل، من الأفلام الأخرى المعروضة في برامج موازية للمسابقة الرسمية في المهرجان نفسه.

الأدب في نظر نوبل لا يخرج عن الرواية والقصة والشعر، كما يقول الورداني، مع بعض الاستثناءات، مثل المفكر هنري برجسون الذي حصل عليها في العشرينيات، وجان بول سارتر الذي رُشح لها ورفضها، والمسرحي هارولد بنتر الذي حصل عليها في الألفينيات: ”فكرة أن الأدب مفتوح وقلق ومتغير، وليس مجرد أجناس مستقرة، هي فكرة مطروحة. ولكن تطبيقها قليل جدًا للأسف في تاريخ الجائزة. وفوز بوب ديلان بها لا يعني أن الجائزة أصبحت ثورية، وإنما ربما أنها تمر بأزمة ما وتبحث عن أسواق جديدة. ربما ما يجدر أن يثيره فوز ديلان هو مراجعة دور نوبل في ترسيخ مفهوم معين عن الأدب، أكثر من إثارة السؤال عن حدود الأدب“.

رسّخت الجائزة لفيتشية الكاتب، كما يضيف الورداني، لأنها دائمًا تُمنح لكاتب معين، وليس لعمل له، وهذه الصورة هي بنت عصرها وهي فكرة محافظة جدًا؛ أعمال عظيمة تكتبها ذوات عظيمة.

”الموضوع ليس أن هناك أشكالًا كتابية تعد أدبًا أو لا تعد، وإنما إن كانت تعد فنَا رفيعًا أم لا، وهذا حكم قيمة بالتالي. لن تجد اعتراضات كثيرة إذا  قلت مثلًا إن الكتابة على الفيسبوك شكل من أشكال الأدب، ولكنك ستقابل باعتراضات كثيرة لو قلت إن من حق أي من يكتب على الفيسبوك الحصول على جائزة نوبل. لو قلت إن بوب ديلان شاعر، لن يغضب أحد. ولكن الكثيرين غضبوا لأنه حصل على جائزة نوبل“.

لا أعرف من له الحق في تقرير ما يدخل في الأدب وما لا يدخل. الأدباء؟ النقاد؟ لجان التحكيم؟ القراء؟ جائزة نوبل؟ لا أعرف فعلًا

ربما لأن جائزة نوبل ترتبط بمقام رفيع ما؟، يتساءل، وأن الحصول عليها يعني الانتماء لطبقة أصحاب المقام الرفيع. هذا ما تفعله الجوائز، ونوبل خصوصًا؛ تخلق مكانًا خاصًا وأسطوريًا تشغله ذات عظيمة وأسطورية.

يستطرد الورداني: ”بالتأكيد أنا مع توسيع هوامش الكتابة، ولكني لا أعتقد أن الكتابة تنتظر أن نعطيها إذنًا بهذا. الكتابة حية وتتحرك ولا تنتظر أحدًا. وليست الجائزة هي ما يمكنها تغيير شكل الأدب المكتوب، وإنما ما يغيّره، أو يثوّره، أو ينقله لمنطقة جديدة، هو الميكانزمات المتفاعلة داخله. أنا لست ضد الجوائز بشكل عام، ويكفي أنها قد تسمح للكاتب بالعمل قليلًا دون ضغوط مادية، ولكن لا أعتقد أن بإمكانها تقديم فكرة جديدة عن الأدب“.

يختم الورداني: ”أنا أيضًا لا أعرف من له الحق في تقرير ما يدخل في الأدب وما لا يدخل. الأدباء؟ النقاد؟ لجان التحكيم؟ القراء؟ جائزة نوبل؟ لا أعرف فعلًا. هذا سؤال مركب، لا يدور فقط حول توسيع أو تضييق هوامش الكتابة، وإنما أيضًا حول ”من لديه الحق في رسم حدود الأدب، ومن أعطاه هذه السلطة؟“.

bob-dylan_metrolyrics

بوب ديلان

اعلان
 
 
نائل الطوخي