الاقتصاد بين مصر والسعودية.. الأوراق في يد المملكة
 
 

سلط قرار شركة أرامكو السعودية الأخير، بحجب شحنة شهر أكتوبر من المواد البترولية إلى مصر، الضوء على حجم العلاقات الاقتصادية بين مصر والسعودية، ومدى قدرة الأخيرة على استخدام تلك العلاقات في سياق خلافاتها مع النظام المصري من عدمه.

وفي حين قال رئيس الوزراء شريف إسماعيل لرويترز يوم الخميس الماضي إن مصر تسلمت وديعة بملياري دولار من السعودية في سبتمبر الماضي -قبل نشوب الأزمة التي أدت لحجب الشحنة، قال أنور عشقي، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية، لـ “مدى مصر” إن المملكة “لن تتخلى عن مصر مهما شكك المشككون لأن أمن مصر من أمن الأمة العربية”، وأضاف عشقي، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة السعودية، ومقرب من الأسرة المالكة، أن “ما حدث هو خلاف في وجهات النظر وليس خلافًا في المبادئ”.

الوديعة والبترول ليسا كل شيء

تكتسب تحويلات المصريين في الخارج أهمية بالغة بالنسبة للاقتصاد المصري في ظل ما تمثله كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بلغت 6.8% في العام 2014، تبعًا لتقرير الهجرة والتنمية عن عام 2015، والصادر في أبريل الماضي.

وتمثل تحويلات المصريين العاملين في السعودية 40% من حجم تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي تتلقاها مصر، وذلك بحسب أحدث بيانات البنك الدولي.

ويتوقع البنك الدولي أن تُحصّل مصر 18.4 مليار دولار كتحويلات من العاملين في الخارج بنهاية العام 2016، من ضمنها حوالي 7 مليارات دولار من المصريين العاملين في السعودية.

من جانبه، استبعد عمرو عادلي وهو باحث في الاقتصاد السياسي في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، أن يكون هناك تأثير سريع لأي خلاف سياسي على أوضاع العاملين المصريين في السعودية.

ومع ذلك، وفي ظل ظروف مالية مزدهرة تمتعت بها المملكة النفطية وبلدان مجلس التعاون الخليجي في 2013، قبل موجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط في 2014، أقدمت المملكة على تنظيم حملات مشددة للتفتيش على العمال الأجانب، وسمحت لهم مؤقتًا بتوفيق أوضاعهم، وهو ما أدى عمليًا إلى عودة 300 ألف مغترب إلى مصر، كما يقولالبنك الدولي في تقرير”موجز الهجرة والتنمية” عن العام 2013.

وبصورة أوسع، ووفقا لبيانات البنك المركزي، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2.79 مليار دولار خلال الفترة ما بين يوليو من العام 2015 ومارس الماضي، أي 5% من حجم التبادل التجاري بين مصر والعالم. وشهد التبادل التجاري بذلك انخفاضًا بواقع 1.5 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

غير أن الميزان التجاري يبقى مختلًا لصالح السعودية، إذ بلغت الصادرات المصرية في تلك الفترة 733.9 مليون دولار قياسًا إلى واردات من السعودية بلغت حوالي ملياري دولار.

المنح والضغط

يقول عادلي إن “ثمة جوانب في علاقة مصر الاقتصادية بالسعودية هي الأكثر تعرضًا لآثار خلاف سياسي، وهي في الأساس المساعدات والقروض والمنح”.

كانت سحر نصر وزيرة التعاون الدولي قد قالت في تصريحات صحفية، مطلع يوليو الماضي، إن مصر تلقت 500 مليون دولار من منحة سعودية بقيمة 2.5 مليار دولار، فيما لم يتضح موعد وصول باقي الدفعات.

وأتت تلك المنحة ضمن الاتفاقيات التي شملتها زيارة الملك سلمان للقاهرة في أبريل الماضي، وهي الزيارة التي شهدت توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والتي تضمنت التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

وسبق زيارة الملك لمصر الإعلان عن توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين في العاصمة السعودية، الرياض، كان من بينها توقيع وزارة التعاون الدولي المصرية اتفاقًا مع الصندوق السعودي للتنمية، أقره البرلمان لاحقًا، لتنفيذ “برنامج الملك سلمان لتنمية سيناء”، عبر قرض بواقع 1.5 مليار دولار.

ويقول مسؤول سابق في وزارة التعاون الدولي، طلب من “مدى مصر” عدم الإفصاح عن اسمه، إن “الصندوق السعودي للتنمية هو أحد جوانب الضغط المحتمل استخدامها (من قبل السعودية) في ظل أي خلاف معها”.

ويعتبر مسؤول التعاون الدولي أن “الصندوق السعودي للتنمية اتبع إجراءات غير اعتيادية، بل واستثنائية لصالح مصر… فحجم القرض ضمن أعلى القروض في تاريخه بل ويرجَح أن يكون الأكبر في تاريخ الصندوق، متعديًا بذلك مساعدات أتاحها للبحرين إبان الانتفاضة هناك (في 2011)”.

وبحسب المسؤول الحكومي السابق، تضمنت إجراءات إتاحة القرض تجاوزًا لقواعد راسخة يلتزم بها الصندوق كمؤسسة تنموية شبيهة بالبنك الدولي، “على سبيل المثال، تسلمت مصر بالفعل أول شريحة من القرض (بواقع 300 مليون دولار) دفعة واحدة في صورة تحويل على حساب حكومي، دون الالتزام بالإجراء المتبع في هذه الحالات الذي يقضي بإتاحة الأموال تبعًا لمدى الإنجاز في كل مرحلة من مراحل أي مشروع”، على حد تعبيره.

ويشير مسؤول التعاون الدولي إلى تجاوز الشروط المتعلقة بتنفيذ المشروعات عبر مناقصات يشترط فيها تقدم ثلاثة متنافسين على الأقل، والسماح بإسناد المشروع للهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالأمر المباشر، مشيراً إلى إمكانية عرقلة “سير الأمور عمليًا” من قبل السعودية فيما يتعلق ببقية شرائح القرض، “فقط عبر إحكام تنفيذ القواعد عمومًا، كما كان ينبغي فعلًا”، على حد قوله.

ويضيف المصدر في هذا السياق: “نعلم جيدًا ما يبدو الأمر عليه حينما تقرر السعودية أن تسير الأمور على نحو بطيء، فهو أمر اختبرناه بعد ثورة يناير، حينما أعلنت المملكة عن حزم كبيرة من المساعدات لمصر، لكننا كنا نحصل عليها فعليًا بصعوبة شديدة، قبل أن يختلف الأمر بالكامل بعد 30 يونيو، حينما أصبح أداؤها سخيًا للغاية”.

وكان تقرير عرضه البنك المركزي على البرلمان، في أغسطس الماضي، قد أظهر أن مصر تلقت من السعودية إجمالي مساعدات بواقع 8 مليار دولار منذ العام 2011 من ضمنها مليارا دولار فقط في الفترة بين ثورة يناير إلى 30 يونيو.

ويقول عمرو عادلي إن “ما يزيد من حساسية المساعدات السعودية للخلافات السياسية هو وضع المالية العامة السعودية المتدهور أصلًا؛ في ظل التزامات سياسية على الأنظمة السياسية في الخليج كله تفرض نمط إنفاق توسعي كشرط لاستمرار الرضا الشعبي هناك”.

و”أدى التراجع الكبير والمستمر في أسعار النفط منذ النصف الثاني من ٢٠١٤ إلى تحويل فوائض المالية العامة في المملكة العربية السعودية لأكثر من عقد من الزمان إلى عجوزات”، وذلك بحسب تقرير“قضايا مختارة” الصادر عن صندوق النقد الدولي في 30 يونيو الماضي، والمعني بالاقتصاد السعودي، والذي أوضح أن الحكومة هناك “استخدمت ودائعها لدى مؤسسة النقد العربي السعودي لتمويل عجز المالية العامة، ومنذ يونيو ٢٠١٥، بدأت في إصدار الأوراق المالية الحكومية المحلية. ووقعت الحكومة على قرض مشترك مع بنوك دولية للحصول على ١٠ مليارات دولار في الربع الثاني من ٢٠١٦”. كما بلغ عجز الموازنة السعودية 15.9 % في العام 2015، تبعا لبيانات صندوق النقد الدولي.

الاستثمارات أقل عرضة لآثار الخلاف

يعتبر عمرو عادلي أن الاستثمارات السعودية المباشرة قد تكون غير معرضة بصورة مباشرة لتأثير الخلافات السياسية، بالرغم مما قال إنه “علاقة متشابكة وقوية بين القطاع الخاص السعودي والأسرة المالكة هناك، على نحو لا يمكن معه تصور استقلال كامل لقرار القطاع الخاص هناك عن الإرادة السياسية”.

ووصل صافي تدفقات الاستثمارات السعودية المباشرة إلى مصر في العام المالي 2014/2015 إلى 649 مليون دولار، تبعًالبيانات البنك المركزي، وهو أعلى مستوى لها منذ العام المالي 2011/2012، بينما بلغ إجمالي الاستثمارات السعودية في مصر 6.1 مليارات دولار، تبعًا لبيانات من الهيئة العامة للاستثمار اطلع عليها “مدى مصر”.

ويستبعد عادلي في المقابل الإقدام على تنفيذ وعد سعودي سابق بزيادة الاستثمارات السعودية المباشرة بنسبة 30%، “فالخلاف السياسي مقترنًا بالمصاعب المالية السعودية لا يمكن أن يشي بأن الوعد سينفذ”، على حد قوله.

كان أحمد صبري درويش، رئيس جمعية رجال الأعمال المصرية السعودية، قد قال لـ “مدى مصر” في تقرير سابق إن الاتفاق المبدئي بين مصر والسعودية حول آلية رفع حجم الاستثمارات السعودية يتضمن أن توفر الحكومة السعودية تمويلًا لشركات خاصة تنفذ الاستثمارات، بينما رجح “عشقي” وقتها تنفيذ الاستثمارات الجديدة عبر القطاع الخاص بتسهيلات وحماية من الدولة.

ومن ناحية أخرى، تتصدر المملكة قائمة دول العالم من حيث استثمارات الحافظة المالية في مصر، التي بلغت في سبتمبر من العام الماضي 364.8 مليون دولار، من ضمنها 335.7 مليون دولار تمثل حجم استثمارات مواطنيها في سوق الأسهم المصرية، و26.9 مليون دولار تمثل استثماراتهم في الدين المصري طويل الأجل، و2.2 مليون دولار هي استثماراتهم في الدين قصير الأجل، تبعًا لبيانات البنك المركزي.

وتعد استثمارات الحافظة عمومًا ضمن القطاعات المعرضة للتأثيرات السريعة؛ لسهولة تدفقها للخارج.

اعلان