لجنة “حق الشعب”.. بين مكافحة الفساد وتعارض المصالح
 
 

استرداد 58 ألف فدان، و164 مليون جنيه حصيلة بيع نحو 950 فدان منها في مزاد علني، ومزاد منتظر في أكتوبر المقبل لبيع 2500 فدان أخرى، فضلًا عن النظر في طلبات تقنين لما يزيد على 200 ألف فدان، كلها أرقام كشف عنها التقرير الأخير للأمانة الفنية للجنة استرداد أراضي الدولة، المعروفة باسم “حق الشعب”، والتي أصبحت أخبارها مادة هامة في ملف “مكافحة الفساد”، غير أن ما لم يتم الحديث عنه هو وجود تعارض مصالح يشوب تشكيل اللجنة وآدائها، فضلًا عن ضعف تمثيل الأجهزة الرقابية بها.

وتعرف منظمة الشفافية الدولية “تعارض المصالح” باعتباره “الموقف الذي يتضمن تعارضًا يستلزم اختيار طرف ما، سواء في الحكومة أو في القطاع الخاص أو الإعلام أو المجتمع المدني، بين واجباته ومصالحه”.

فيما عرفه قانون حظر تعارض المصالح، والذي أصدره الرئيس السابق عدلي منصور في نوفمبر 2013، بأنه: ” كل حالة تكون للمسؤول الحكومى أو الشخص المرتبط به مصلحة مادية أو معنوية تتعارض تعارضاً مطلقاً أو نسبياً مع ما يتطلبه منصبه أو وظيفته من نزاهة واستقلال وحفاظ على المال العام، أو تكون سبباً لكسب غير مشروع لنفسه أو للشخص المرتبط”.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر في فبراير الماضي قرارًا بتشكيل لجنة تكون مهمتها الأولى هي “حصر كافة الأراضی التی يثبت الإستيلاء عليها بغير حق وإستردادها بكافة الطرق القانونية”، وهي اللجنة التي شكّلها السيسي برئاسة إبراهيم محلب، رئيس الوزراء السابق ومساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، وعضوية كل من وزيرالتنمية المحلية، وممثل لوزارة العدل، وممثل لوزارة الداخلية، وممثل للمخابرات العامة، وممثل للرقابة الإدارية، وممثل لمباحث الأموال العامة، وممثل للشهر العقاري، وممثل لهيئة المساحة المصرية، فضلًا عن عضوين تم تسميتهما، هما: اللواء أحمد جمال الدين، مستشار الرئيس لشئون الأمن ومكافحة الإرهاب،  واللواء عبد الله عبد الغني (مستشار وزير الدفاع لشؤون أراضي الدولة) ممثلًا عن وزارة الدفاع، والذي حدده القرار كرئيس للأمانة الفنية للجنة.

من جانبه، قال أسامة دياب، مسئول ملف الفساد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن تشكيل اللجنة على هذا النحو “لا يشير فحسب إلى شبهة تضارب مصالح، بل إلى تضارب مصالح فج في السماح للجنة ذات طابع تنفيذي بأن تباشر عملًا شبه رقابي”، مضيفًا: “وجود ممثل للرقابة الإدارية في اللجنة لا يغير في الأمر شيئًا”.

وأوضح “دياب” قائلًا: “لا تتمتع الرقابة الإدارية بأي ضمانات للاستقلال فعليًا، بالرغم من كونها أحد الجهات الرقابية الأربعة المنصوص عليها في الدستور (مع البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات)”، مضيفًا: “هيئة الرقابة الإدارية تابعة لرئيس مجلس الوزراء الذي يملك سلطة مباشرة على العاملين فيها، تفوق في بعض التفاصيل سلطة رئيسها”.

أما المستشار هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، فعلّق على تشكيل اللجنة على هذا النحو قائلًا  إنه “يشوبه خطأ واضح”، مضيفًا: “أعضاء الرقابة الإدارية كضباط سابقين في الجيش والشرطة -مع كامل احترامي وتقديري لهم ولعملهم- لا يمكن أن يختص عملهم بالعمل المحاسبي… حتى خريجي كلية التجارة يحتاجون لتدريب على العمل الرقابي”.

واستكمل رئيس الجهاز الرقابي –المعفي من منصبه بقرار رئاسي في مارس الماضي- في تصريحات لـ “مدى مصر”، قائلًا: “هذا الخطأ يبدو شبيها بالخطأ في تشكيل لجنة تقصي الحقائق التي شُكلت للتحقيق في التقرير الذي أثار حفيظة المؤسسات التي أبلغت عن تصريحاتي”، موضحًا: “لا يصح أن يتاح لمن كشفت مخالفاته أن يقيّم عملك… كيف يتسنى، عقلًا  ومنطقًا، أن يتاح لمن كشفت مخالفاته أن يبدي رأيه في عمل الشخص الذي كشف المخالفات”.

كان رئيس الجمهورية قد شكّل، في ديسمبر من العام الماضي، لجنة للتحقيق في التصريحات الصحفية الخاصة بتجاوز تكلفة الفساد داخل مؤسسات الدولة 600 مليار جنيه خلال عام  2015، والتي نُسبت لـ “جنينة” باعتبارها فحوىتقرير للجهاز المركزي للمحاسبات، وترأس تلك اللجنة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وضمت ممثلين لجهات تنفيذية، فضلًا عن نائب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات وقتذاك، هشام بدوي، الذي كان “السيسي” قد عينّه في منصبه، قبل أن يتولى رئاسة الجهاز بعد إقالة “جنينة”، وانتهت تلك اللجنة لإصدار تقرير شكك في صحة تصريحات “جنينة” ودقة “الدراسة” التي أعدها، واتهمهم بـ “التضليل والتضخيم وفقدان المصداقية”، وهو ما تلاه اتهام جنينة ببث أخبار كاذبة، وإحالته للمحاكمة التي انتهت لإدانته والحكم بحبسه لمدة سنة وتغريمه عشرة آلاف جنيه.

تهميش “المركزي للمحاسبات”

وفي حين قال “جنينة” إن لجنة استرداد أراضي الدولة “”لم تُشكل بقرار من رئيس الجمهورية إلا بعدما رفع الجهاز (المركزي للمحاسبات) التقارير الخاصة بالتجاوزات الخطيرة فيما بتعلق بأراضي الدولة (لرئيس الجمهورية)”، إلا أن قرار تشكيل اللجنة جاء خاليًا من عضوية أي ممثل للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو ما رآه أيضاً “خطأ”، معللًا  ذلك بأن “الجهاز الذي كشف هذه المخالفات يجب أن يكون له صوت مسموع داخل اللجنة”، كما أوضح “جنينة” أن الجهاز المركزي للمحاسبات التزم برفع تقاريره حول الاستيلاء على الأراضي للجنة منذ تأسيسها وحتى مغادرته لمنصبه، وذلك بناءً على قرار (لم يسمه) من رئيس الجمهورية.

من جهته، رأى “دياب” إن “الاستبعاد العمدي للجهاز المركزي للمحاسبات من عضوية اللجنة بالرغم من العلاقة المباشرة بين عمله وأعمال اللجنة يحتاج إلى تفسير من الدولة”، مضيفًا: “من وجهة نظري، السبب الوحيد المقنع لاستبعاد الجهاز هو كونه يعلم أكثر من اللازم عن حقيقة الاستيلاء على أراضي الدولة”.

وبسؤاله إن كان يرى في تأسيس لجنة استرداد الأراضي تهميشًا متعمدا للجهاز المركزي للمحاسبات، قال جنينة: “ثمة خطأ كبير جدًا في إنشاء كيان موازي بقصد ضرب مؤسسات الدولة بعضها ببعض.. القانون خوّل اختصاصات بعينها للجهاز المركزي للمحاسبات دون غيره”، متسائلًا: “أيجوز حينها أن ينشأ كيان موازي يهدف فقط للتشكيك في مصداقية الجهاز المركزي للمحاسبات؟”.

وأضاف: “هذا الكيان الموازي لا يتمتع طبعًا بنفس الحصانة التي يتمتع بها الجهاز المركزي للمحاسبات ولا حتى نفس القدرات الفنية”، موضحًا: “حتى مغادرتي منصبي لم تطلب اللجنة انضمام أيٍ من أعضاء الجهاز لعملها”.

لكن أحمد أيوب المتحدث الرسمي باسم لجنة استرداد الأراضي قال لـ “مدى مصر” إن الأمانة الفنية للجنة تضم في عضويتها حاليًا ممثلًا  للجهاز المركزي للمحاسبات، لكنه لم يوضح متى انضم هذا العضو.

الأراضي في تقرير “الفساد”

كان تقرير “الفساد” الصادر عن “المركزي للمحاسبات”، والذي أدى لعزل جنينة وإدانته، قد تضمن حصرًا لمخالفات عدد من أجهزة الدولة في ما يتعلق بتخصيص الأراضي، وهي الأجهزة التي كان بعضها ممثلًا  في لجنة استرداد أراضي الدولة، مثلما هو الحال مع مخالفات جمعية تعمير وادي النيل، المملوكة للمخابرات العامة، والأخيرة ممثلة في لجنة “حق الشعب”.

كما رصد التقرير على سبيل المثال تخصيص أراضي لـ “بعض أعضاء الهيئات القضائية” ضمن المساحة المتعدى عليها من شركة الوادي الأخضر للتنمية العقارية والزراعية، رغم علمهم بالتعدي على هذه الأراضي.

ورصد التقرير كذلك “ضمن المخالفات التي شابت تخصيص أراضي بالحزام الأخضر بمدينة 6 أكتوبر لشركة 6 أكتوبر الزراعية وأخرين… استفادة الأراضي المخصصة لبعض ضباط أمن الدولة بالقاهرة والجيزة من عناصر تكلفة الكهرباء والطرق والمياه، على الرغم من أن التخصيص للاستصلاح والاستزراع مما أضر بالمال العام بمبلغ ما أمكن حصره 314,566,560 جنيه”.

لكن المتحدث الرسمي باسم لجنة “حق الشعب” قال لـ “مدى مصر” إن قائمة المتورطين في الاستيلاء على أراضي الدولة “تخلو من أي جهة تابعة للدولة”، موضحاً أن عمل اللجنة “يقوم على حصر الوزارات نفسها لأراضيها المنهوبة”.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أصدر، الأسبوع الماضي، قرارًا بإعتبار توصيات اللجنة ملزمة لجميع جهات الولاية على الأراضى فيما يختص بتقنين المشاكل والصعوبات السابقة فى مجال الأراضى، كما نص القرار على أن كل ما يصدر من توصيات للجان الفرعية تكون له صفة الإلزام أيضًا بعد التصديق عليها من اللجنة الرئيسية.

من جانبه، رأى جنينة أن ما أسماه “ملف الأراضي” يعد هو الأخطر من بين ملفات الفساد التي كشف عنها تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، مرجحًا أن يكون السبب في إثارة المتاعب التي لاحقته بعدها، وأضاف: “الجميع كان يرغب في إخفاء الفساد في  قطاع أراضي الدولة لكونه يمثل أكبر مبلغ أُهدر في الـ 20 إلى 30 سنة الماضية”.

اعلان