داخل الثقب الأسود

على البوابة الحديدية لمنطقة سجون طرة (ب). تنتهي الرحلة إلى الثقب الأسود، لتسلمني إلى ثانية، داخل الثقب نفسه هذه المرة. في هذه اللحظة، ينقطع اتصال الزائرة بالعالم الخارجي. لا هواتف، وإن وُجدت فمن الواجب تسليمها لـ”الأمانات” قبل تسليم الأمتعة، ثم الجسد للتفتيش.

ومنذ هذه اللحظة، بالضبط قبل أن توضع الأمتعة تحت جهاز الكشف بالكمبيوتر، يبدأ التفريق بين الزائرين والزائرات. يسأل المخبر: “زيارة لسجن إيه؟” فهناك معاملة مختلفة لزائر كل سجن من السجون الستة. حين أجيب: “سجن المزرعة”، أشعر باسترخاء المخبر مباشرة.

يمر الرجال من على يمين الجهاز، في حين تمر النساء من اليسار، حيث تنتظرهم غرفة تفتيش مغلقة بستارة. للموظفة طريقة في التفتيش، وخبرة بطرق تهريب الممنوعات، تختلف من زائرة لسجين جنائي إلى زائرة لسجين سياسي. أثناء هذا التفتيش الذي تتعمد فيه الموظفة الضغط على مظانّ تهريب الممنوعات، لا بأس أن تلقي كلمة هنا وكلمة هناك من نوعية “كل سنة وانتي طيبة”، وأحيانًا معاتبة “مش بتفتكرينا بحاجة خالص”. أرسم على وجهي شبه ابتسامة باهتة، وأشعر بالازدراء.

الكافتيريا

يسلمني جندي الأمن المركزي أمتعة الزيارة التي نالت الإذن بالمرور، وأنتقل إلى المحطة الثالثة من محطات الزيارة، الكافتيريا، وهي حجرة كبيرة للانتظار، بها ركن للشاي والقهوة والسجائر والعصائر، وبها دكك متراصّة لانتظار الزوار.

أمام باب هذه الكافتيريا، عُلّقت لوحة كبيرة خضراء، يغشاها التراب، مكتوب عليها:

“أخي المواطن: إن رسالة السجون رسالة سامية. رسالتنا العمل والإنتاج والتنمية. نهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي (زراعي، داجني، حيواني)”.

يتملكني اللاشعور، إحساس كبير بالخواء. يا إلهي! إنّ زوجي هنا، ومعه الآلاف من المعتقلين السياسيين، لأجل أداء رسالة سامية. فضلًا عن أنّ هذا المكان يعترف بمواطنتي الكاملة، ويخاطبني بـ”أخي المواطن”!

على باب الكافتيريا، يقف مخبر صغير الرتبة. يطلب منّي بفظاظة بالغة دفع جنيه واحد، ثمن تذكرة الطفطف، ويعطيني التذكرة المكتوب عليها “100 قرش: رسم دخول اختياري”. في الكافتيريا، تظهر أكثر الفروق بين زائري السجون المختلفة. ففي حين أن لديّ أنا زائرة سجن المزرعة الرفاهية للوصول متأخرة في العاشرة صباحًا، وهو الوقت الذي تغلق فيه بوابة السجن الخارجية، لا تملك رفيقاتي من زائرات سجني الاستقبال والعقرب هذه الرفاهية، إذ يأتين في السادسة والسابعة صباحًا، ليتمكنَّ من الدخول مبكرًا، حيث ينتظرهن موظف يجلس على مكتب صغير في ركن من أركان الكافتيريا، ويقفن في طابور جديد لتسجيل أسمائهن وأسماء السجناء المزارين. هذا الإجراء ضروري لزائرات سجن الاستقبال شديد الزحام، و سجن العقرب شديد الحراسة.

الزحام في الكافتيريا يقلّ ويزيد، بحسب زوار وزائرات سجن “العقرب.” في معظم الأحيان؛ يُمنع سجناء العقرب، وهم سجناء الإخوان المسلمين، من الزيارة، فيقل الزحام. وأحيانًا أخرى تفتح الزيارة، فتمتلئ الحجرة عن آخرها.

الطفطف

نبقى في الانتظار حتى يصل “الطفطف”، وهو أشبه بقطار خشبي مثل ما كنّا نركبه في الملاهي ونحن صغار. حين يصل الطفطف الأصفر، ينادي جندي الأمن المركزي: “استقبال، شديد 1” فيتكالب الزائرون. وحين يصل الطفطف الأخضر، ينادي الجندي “شديد 2 ومزرعة” فيمشي إلى الطفطف بعض الزائرين. مرحلة انتظار أخرى في الطفطف، حيث لا يتحرك إلا بعد امتلائه عن آخره.

في الطفطف، تُحكى حكايات تشبه تلك التي تحكى في الطابور. سمعت في الطفطف حكايات عن سجناء نُقلوا من وادي النطرون أو من سجون محافظات أخرى إلى طرة، ويتكبَّد أهاليهم عناء السفر لزيارتهم. وسمعت حكايات عن سجناء من الشباب الذين لا يعلم أحد عنهم شيئًا.

ذات مرة، كان في الطفطف زائر، جاء لغرض مختلف عن غرضنا. هو مهندس معدّات طبية، يأتي ليعقد صفقات بيع وشراء معدات طبية تبلغ قيمته الملايين لسجون طرة.

وفي الطفطف، سمعت عدّة مرات أنّ الإخوان هم من اشتروا هذا الطفطف، لينقل ذويهم من الكافتيريا إلى السجون ويخفف عنهم مشقة المشي هذه المسافة الطويلة.

في الطريق إلى سجن المزرعة، أسلي نفسي بالنظر يمنة ويسرة، بينما الطفطف يذرع هذا المجمع الكبير الواقع في جنوب القاهرة على طريق الأوتوستراد، بين المعادي وحلوان. والذي لا يعني إلا القليلين من سكّان المدينة، ممّن قادهم حظهم العاثر ليكون “طرة” جزءًا من حياتهم.

فور تحرك الطفطف، تقابلني على اليمين بوابة كبيرة، مكتوب على لافتتها “الإدارة العامة لسجون المنطقة المركزية”، ثمّ يواصل الحركة، لنقابل على اليمين كذلك، بوابة كبيرة مكتوب عليها “كتيبة تأمين سجون طرة ب”، ثم “وحدة إنتاج الخيول”، أما على اليسار فيقابلنا “تدريب المجندين”. وبالضبط قبل وصول الطفطف إلى سجن شديد الحراسة 2، أرى ساحة كبيرة بها عشرات الجنود ممن يرتدون البدل البيج، يتدربون ويهتفون. لا أعرف أيّ نوع من التدريب هذا.

السجون الستة

يصل الطفطف الأخضر إلى “سجن شديد الحراسة 2″، و هو سجن افتُتح حديثًا، بعد أحداث صيف 2013، ونُقل إليه الكثير من المعتقلين السياسيين “الخطرين” الذي يستحقون تشديد الحراسة عليهم. السجن الإسمنتي القبيح كاسمه تمامًا، يتوسطه باب حديدي صغير أسود، وتعلو أسواره الإسمنتية إلى ارتفاع لا يمكن تسلقه، وتعلوها بدورها أسلاك حديدية. هذا السجن الحديث الذي بُني ليستوعب الأعداد الكبيرة للمعتقلين، هو أول السجون الستة في منطقة سجون طرة ب.

ينزل الزائرون والزائرات، ليجلسوا تحت “مظلة” أمام السجن في انتظار سماع أسماء ذويهم المسجونين.

يستمر الطفطف في رحلته، لتقابلنا على اليمين منطقة بها بعض الزراعات البسيطة الذابلة، يبدو أنّها هي المقصودة برسالة السجون! ثم يصل إلى المحطة الثانية والأخيرة، وهي محطة سجون ثلاثة “سجن عنبر الزراعة” والذي يقبع فيه كلٌّ من علاء عبد الفتاح، وأحمد ناجي؛ و”سجن المزرعة العمومية”، والمسجون فيه إسماعيل الإسكندراني، إسلام البحيري، ومحمود السقّا؛ و”سجن ملحق المزرعة”، وهو المسجون فيه الرئيس الأسبق محمد مرسي، وحازم صلاح أبو إسماعيل، وغيرهما من قيادات سياسية أخرى.

في حين يصل الطفطف الأخضر إلى هذه السجون الأربعة، يكون الطفطف الأصفر قد وصل لسجن الاستقبال، وهو السجن الذي قضى فيها شوكان ثلاث سنوات من الحبس الاحتياطي، ولشديد الحراسة 1 وهو سجن 992، والشهير بسجن العقرب.

للسجون تصنيف سياسي، وإيداع السجين في أيٍّ منها يحمل دلالات. فعادة ما يوضع كبار قيادات الإخوان في سجني ملحق المزرعة، وسجن 992 (سجن شديد الحراسة 1)، أمّا السجناء ذوو التوجه السلفي، وصغار الإخوان، وسجناء قضايا العنف الصغير فيسجنون في سجني الاستقبال، وشديد الحراسة 2، ويُسجن النشطاء وسجناء الرأي والصحافة، و سجناء قضايا الأموال العامة من شرطة وقضاء ومناصب حكومية ورجال أعمال، عادةً في سجني عنبر الزراعة والمزرعة العمومي.

سجن المزرعة العمومي

أصل أخيرًا إلى بوابة سجن المزرعة العمومي، تستقبلني لافتة خضراء كبيرة: “أخي المواطن: الالتزام بالتعليمات في صالح النزيل”!

أسلم بطاقتي واسم زوجي، وأنتظر مدّة زمنية، بدأت بساعتين في بداية الاعتقال، وتناقصت إلى نصف ساعة حين أثبتُّ حسن السيرة والسلوك. أنتظر في الشمس الحارقة، حتّى يُنادى على الاسم، وتُفتح البوابة. أدخل لتستقبلني جولة جديدة مع الموظفين والمخبرين. عربي ونادر وسناء وإيمان، الضابط لؤي، والضابط منصور، والضابط وسام، أسماء اعتدت عليها.

يقول عربي لنادر: “سيب من ايدك الزيارات دي، وشوف الزيارات المهمة الأول.” يبدأ تفتيش الأمتعة، مرة تحت الجهاز، ومرة أخرى باليد. ينتهي المخبر من دوره، ليأتي دور تفتيش الجسد، على يد الشاويشة سناء.

الشاويشة سناء، موظفة تعرف عملها جيدًا، تأتي في التاسعة صباحًا، وتغادر في الثانية ظهرًا. وتقوم بعملها بأمانة في تفتيش أجساد وحقائب الزائرات الخاصة. وعندما تجد شيئًا تشكّ فيه لا تتواني عن مصادرته مباشرة، لتسلّمه إلى ضابط المباحث، لتثبت جدارتها ومهارتها في أداء عملها.

ينتابني دوار العبث!

دولاب الموظفين والبيروقراطية يعمل بانتظام وروتينية قاتلة. يصادر حياتي وحياة زوجي، وحيوات أخرى، ليجعلها مادة لبقائه واستمراره. قد تزيد أعداد الحيوات المصادرة، فيحتاج الدولاب لمزيد من الموظفين الأكفاء مثل سناء. الدولاب عاجز عن التفكير، أو الإحساس، وعاجز عن الحكم، بل وعاجز عن معرفة ماهية الحيوات المصادرة هذه!

في حين يبدو هذا الدولاب البيروقراطي منزوع الإنسانية، عديم الإحساس، خالي العقل، إلا أن الإنسانية تداهم بعض تروسه في لحظات. لا تتردد إيمان في إظهار التعاطف في بعض المرات، وتقول سناء ذات مرة حين كانت تسجل اسمي وبيانات بطاقتي في سجل الزيارات: “قولي بس ربنا يفرجها عليه”. وفي عدة مرات، حين يكون أطفال صغار في الزيارة، ألمح التأثر على وجه نادر وعربي! بل، ولا يناديني المخبرون، حين يطلعون على بطاقتي، إلاّ بـ”يا دكتورة”.

غاب عربي فترة طويلة عن السجن، فتساءلت عن سبب غيابه، فقيل أنه يؤدي امتحانات ليسانس الحقوق في التعليم المفتوح أملاً في الترقية الوظيفية. عربي الذي كان من مهامه أن يجلس بيني وبين زوجي في الزيارة مدة أربعة شهور ليكتب ما نقول، تحسبًا لنقل رسائل، لا أدري ما هي، يدرس بجد في هذه السن المتقدمة، أملًا في الترقية الوظيفية.

هذا المكان الذي اخترق حياتي، فسلبها وصادرها، هو مكان عادي جدًا لكثيرين من المواطنين المصريين الباحثين عن وظيفة “ميري”، مكان عادي جدًّا للحصول على راتب وتأمين ومعاش وترقية!

في حين أحاول جاهدة استيعاب فكرة أن هذا المكان قائم هنا في المعادي، في جنوب المدينة الكبيرة، كان فصلًا من حيوات كثيرة قبلنا، وسيظل فصلاً من حيوات كثيرة بعدنا، يبدو وجوده أمرًا ضروريًا لاستمرار حياة الكثيرين من المعتمدين في بقائهم ومعاشهم عليه. وفي حين تبدو لي اعتيادية هذا المكان أمرًا غارقًا في العبث، أحاول جاهدة البحث عن معنى لما يعنيه “الاعتياد” الذي لا يسلب الآخرين حيواتهم “العادية”!

_____________________
جميع اسماء الواردة في المقال أسماء مستعارة

اعلان