مساء الخير.. ماذا أفعل لو قابلت إسرائيليًا في الخارج؟

في حدود ما أعرف، كان الجدل المصاحب لهزيمة لاعب الجودو المصري إسلام الشهابي أمام نظيره الإسرائيلي ثم رفضه مصافحة خصمه، أوسع جدل يثار في مصر حول كيفية التعامل مع الإسرائيليين. فاق ما سبقه بسبب عالمية الأولمبياد الذي يشاهده كل العالم، ولأنه جاء بعد نقاشات أصغر تدور منذ سنوات في مصر بين دوائر مختلفة، على المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي وفي الأحاديث الخاصة، حول مفهوم التطبيع. وفي كل الجدل القائم، بين مهاجم للاعب المصري أو مدافع عنه، لم يكن هناك سوى مشترك واحد: الشعور بالخجل. لم يكن بيننا من يرون أن الشهابي بطل يجب الاحتفاء به. هاجم الكثيرون اللاعب، والأقل منهم تعاطفوا معه. أي أن الشهابي في أحسن الأحوال كان مثيرًا للشفقة. هذه نقطة يمكن البدء منها.

كان يمكن لعدم مصافحة الإسرائيلي أن تصبح لحظة فخر وطنية، شيئًا على غرار؛ “اللاعب المصري يرسل رسالة قوية ضد إسرائيل”، ولكنها لم تكن. كانت لحظة شعور بالخجل، خاصة مع توالي شماتة الإعلام الإسرائيلي في “العرب المهزومين أبناء ثقافة الكراهية”.

جزء أساسي من الخجل أتى من الهزيمة، فلو كان المصري انتصر ثم رفض المصافحة، لما كان الأمر ليثير نفس المشاعر بالتأكيد، أولًا من جانب الشهابي الذي كان ليتمكن من إخراج المشهد بشكل أحسن وأكثر ثقة بالنفس، ثم من جانب متابعيه الذين كانوا ليصبحوا أقدر على حصر موقفه في خانة “الموقف السياسي”، وأخيرًا من جانب الصحافة الصهيونية التي كان رد فعلها سينحصر في “الغضب” من المصري، لا “الاستهزاء” به.

ملامح وجه إسلام الشهابي تخبرنا بأنه ارتبك بعد هزيمته ولم يعرف كيف يتصرف، تعطل عقله لثانية أنهت كل شيء. لماذا تعطل عقله؟ لأنه لم يكن يعرف ما الصائب، أي ما الذي يجب عليه فعله. وبالمناسبة أيضًا، يبدو لي أن الكثيرين من منتقدي تصرفه هم كذلك لا يتخيلون أنفسهم في هذا الموقف. ماذا تفعل لو انهزمت أمام إسرائيلي في نشاط ما، وكان العلم المصري مرفوعًا وراءك، وكاميرات العالم كلها مسلطة عليك؟

***

دائمًا يتكرر سؤال بسيط ومنطقي: ماذا أفعل لو قابلت إسرائيليًا في الخارج؟ هل أتجاهل وجوده؟ وكيف؟ هل أضربه؟ هل أعامله بشكل طبيعي؟ ماذا لو طلع جاري الإسرائيلي في الخارج من شقته وقال لي صباح الخير. بالمناسبة، الغالبية العظمى من أبنائنا في الخارج ترد على الإسرائيلي بصباح النور، بغض النظر عما في القلب، لأنه هكذا تسير التعاملات بين البشر. يعرف الخطاب القومي هذا جيدًا ولكنه يرفض التصريح به، لأن السؤال في حد ذاته، ومن وجهة نظره، يشجع الناس على فتح العلبة التي احتكرها في حوزته طويلًا، ويثير مزيدًا من الأسئلة المنطقية. رفض الخطاب القومي الإنصات أصلاً لسؤال “ماذا تفعل لو كنت مكاني” هذا، لأنه اعتبر سائله متذاكيًا يريد هدم الموقف الوطني الموحد عن طريق أسئلة خبيثة.

كثيرًا ما يرفض الخطاب القومي سماع هذا السؤال، ولكن أحيانًا، وردًا عليه، يرفع أنصاره صور الشهداء المصريين، في محاولة للابتزاز العاطفي الذي يصبح بديلًا عن النقاش بالمنطق والتفكير المشترك، في حركة تشابه قليلًا من يرفعون صور شهداء الهولوكست لإفحام من يشير للجرائم الصهيونية. وفي الحالتين ينسدّ النقاش، ويصبح السؤال كأن لم يُسأل.

***

يُخطر اللاعبون المصريون، قبل مشاركتهم في فعاليات من هذا النوع، بأنهم سيشاركون في الأولمبياد، لا بأنهم سيشاركون في الأولمبياد الذي يشارك فيه لاعبون إسرائيليون. هكذا تصل الأخبار في المساحات الواسعة من مصر.

بالنسبة للموقف من إسرائيل، يقف عموم الشعب في مكان مختلف تمامًا عن المكان الذي يقف فيه الخطاب القومي. لا يهتم أغلبهم بمواضيع المشاركة مع إسرائيليين في أي مكان، وإذا اهتموا فلا يهتمون إلا بالزاوية الأمنية لهذا الموضوع، هل هذا خطر عليّ أم غير خطر؟ أغلبية الشعب لا ترى في كلمة “إسرائيل” سوى تهديد محتمل بتدخل أمن الدولة في حياتهم. بغض النظر عن صحة هذا من عدمه، فالموضوع ليس عقائديًا جدًا في أدمغتهم، كما هو في أدمغة النخبة.

الموضوع عقائديًا محسوم في عقل النخبة، عقائديًا فقط، وليس من ناحية التفاصيل. الدولة تقيم سلامًا، ويطبع مسئولوها مع إسرائيل، بينما لا تملك النخبة أي رد على هذا سوى تخويف الناس من الإسرائيليين والتعامل معهم. يتساوى في هذا أفراد النخبة الأكثر تأثيرًا في التليفزيون والسينما، والأقل تأثيراً بين دوائر الناصريين واليسار. لا يملكون ردودًا مقنعة على إجابات بسيطة، لا يملكون إلا التخويف من اقتحام المقدسات. وماذا إن لم تعد المقدسات مقدسات؟ ماذا إن فقدت قداستها وبدأ أناس أكثر وأكثر يسائلونها؟ هنا يقف الخطاب القومي مهزومًا. لأنه لم يفكر من قبل في الأسئلة وإجاباتها.

مثل هذا، تلفت نظري فكرة أن الخطاب القومي، ولعقود طويلة، لم ينشغل بإمكانية الانتصار على إسرائيل، وإنما بمقاطعتها. والمقصود بكونه “لم ينشغل” أنه لم ينشغل، ليس أنه لم ينتصر على إسرائيل، وإنما أصلاً لم يفكر في احتمالية الانتصار عليها. لعقود طويلة ظل العقل القومي يخاف التفكير في الانتصار على دولة إسرائيل، لأن هذا ربما يعني في نظره احتكاكًا ما بالإسرائيليين. هذه مفارقة مضحكة، ولكنها تلامس خوفًا حقيقيًا لدى المهزومين والصغار من النظر في أعين أعدائهم، فيفضلون النظر في الأرض أو توجيه الأعين بعيدًا، يفضلون القمصة عمومًا على التفكير الجاد في إمكانية الانتصار.

وكما لم يتخيل العقل القومي الكبير احتمالية الانتصار على دولة إسرائيل، فهو لم يتخيل احتمالية الانهزام أمام أفراد إسرائيليين. كثيرًا ما تخيلت الدراما أبطالًا مصريين انتصروا على الإسرائيليين في حقول مختلفة، ولو على صعيد امتلاك مطعم في هولندا كما في فيلم “همام في أمستردام“، بينما لم تخبرنا بالوجه اﻵخر للعملة: إذا كان لابد من ملاعبة الإسرائيليين، بسبب الضغوط الدولية أو الضغوط الرسمية، أو كانت اللعبة تتضمن احتمالية الانتصار واحتمالية الهزيمة، فما هو التصرف الصائب للمهزوم المصري؟ والمقصود بـ”الصائب” هنا هو “الأكثر فائدة بالنسبة للفلسطينيين والأقدر على تحريرهم”، إذا كان أحد قد نسى أن هذا هو الهدف الأساسي من كل قصة المقاطعة. أهمل الإعلام هذا الاحتمال لأنه لم يتصور مصريين مهزومين. لا نرضى في أي حرب متوقعة بين فرد مصري وآخر إسرائيلي سوى بالانتصار الكاسح، لا نريد تخيل احتمال الهزيمة أصلًا، وبالتالي لا نعرف كيف نتعامل معها. لم يتعلم الشهابي كيفية التصرف في احتمال الهزيمة.

هناك بيننا أناس ضعفاء ومهزومون ومقموصون، نعرف هذا ولسنا ضده، فنحن نرى كيف يتصرف الأطفال كل يوم، ولا غبار على أن يكون المرء طفلاً وعاجزاً، ولكن لماذا يُسمح له بالقيادة وتوجيه الدفة؟ لماذا يُتصور أن له سلطة أخلاقية على غيره؟ لماذا يُسمح له بتخويف غيره، من غير الإسرائيليين، ومن غير نظامه الحاكم بالطبع، من أية خطوة تخالف النموذج الواحد والوحيد الذي تربى عليه؟ هذه هي المعضلة ببساطة.

***

النخبة تخوّف الناس من الإسرائيليين، ولا أعتقد أن في هذا تلاعبًا بالجماهير أو ما شابه، وإنما لأن النخبة نفسها خائفة، وخائفة لأنها لا تعرف. نحن نحارب عدوًا لا نعرف عنه شيئًا، نحارب شبحًا في الغرفة لا نعرف عنه شيئًا. ومن يفتح النور ليقول “هكذا يبدو الشبح في الحقيقة” يُتهم بـ”أنسنة العدو”.

تصرفت النخبة في العقود الأخيرة بهلع، خافت وارتبكت ولم تعرف كيف تتصرف قبالة إسرائيل، انهزمت ورفضت مصافحة إسرائيل، ولكنها لم تفعل هذا برأس مرفوع، وإنما منكس. لأن زعمائها السياسيين كانوا يطبّعون مع العدو. ولأنها لم تنشغل بمواجهة زعمائها السياسيين هؤلاء، ولا انشغلت بمواجهة إسرائيل نفسها طبعًا، وإنما انشغلت بمواجهة الأفراد المطبعّين بينها، انشغلت بمواجهة الكلمة المُطبّعة عن مواجهة الوضع القائم التطبيعي، إذا جازت صياغتها هكذا. تتساءل النخبة باستنكار “هل أصبحت الخيانة وجهة نظر؟”، أي أنها لا تحارب إلا “الخيانة” التي يمكن اعتبارها “وجهة نظر”، منشغلة بإخراجها من حدود وجهة النظر التي يلزم الرد عليها ومجادلتها، وإدخالها ضمن حدود الخيانة التي تجب محاربتها. وأصبح هذا هو الصراع الأساسي.

كنت شخصيًا من الفريق الذي أشفق على إسلام الشهابي، ولم أستسغ الهجوم المفرط ضده، لأنني أراه، وبجد، “ضحية المجتمع”. ولكن تصرفه يعني أن هناك مشكلة ببساطة، ويلزم التفكير فيها وحلها.

***

جرت مؤخرًا، وعلى يد “حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان”، محاولة لتعريف ماهية “التطبيع”. ما كان جيدًا في الوثيقة التي أصدرتها الحملة هو الإنصات للسؤال المتكرر حول تعريف التطبيع، الذي قالت الحملة إنه “المشاركة في أيّ نشاطٍ يَجمع بين عربٍ وإسرائيليين ما دامت “إسرائيلُ” قائمةً. وينطبق هذا على كلّ أشكال “التعاون” العلميّ أو المهنيّ أو الفنّيّ أو النسويّ أو الشبابي”.

أكدت الحملة على لفظ “إسرائيليين”، لتتميز بهذا عن حركة مقاطعة إسرائيل، الـBDS العالمية، فقالت: “كما أنّنا غيرُ ملزمين بالاقتداء بمعايير حملة بي. دي. أس. التي تطلب إلى المتضامنين الدوليّين حصرَ مقاطعة إسرائيل “بالمؤسّسات الإسرائيليّة” المتواطئة مع نظام الاضطهاد الاستعماريّ الإسرائيليّ…في رأينا أنّ مسؤوليّة الاحتلال لا تقع على المؤسّسات الإسرائيليّة وحدها؛ ذلك لأنّ أفرادًا يهودًا إسرائيليين، وبمساعدة وكالاتٍ ومؤسّساتٍ صهيونيّةٍ وداعمةٍ للصهيونيّة، هم الذين يحتلّون أراضي الفلسطينيين أو منازلَهم”.

وعلى كون موقف الحملة موقفًا جديدًا في تعامله مع السؤال الصعب “ما هو التطبيع”، فإنه لم يضف جديدًا لما يحدسه الخطاب القومي بالسليقة وبدون محاولات للتعريف: الإسرائيليون مثل إسرائيل، كلهم أشرار بالضرورة، وما يستبطنه العقل الجمعي هو أن كلهم مخيفون بالضرورة. والنتيجة أن دولة إسرائيل تتعملق ويتعملق دورها في المنطقة؛ ينشغل عنها حزب الله، غريمها اﻷقوى، بالحرب ضد السوريين، وتصبح شريكًا لا غنى عنه في الحرب ضد داعش في سيناء، وتخطب ودها مصر والسعودية، ويزداد السلام الدافئ دفئًا، بينما يخاف الأفراد المصريون من الأفراد الإسرائيليين لأسباب أسطورية. حتى بينما يرفض إسلام الشهابي مصافحة غريمه الإسرائيلي، فهو يفعل هذا بعين مكسورة وخجلانة.

لا يُفتح الجدل حول التطبيع إلا بعد قيام أحدهم بالتطبيع، فيما يبدو وكأنه يُفتح فقط لإقصاء أحدهم هذا. والوثيقة المشار إليها توًا، والصادرة عن “حملة مقاطعة إسرائيل وداعميها” لم تصدر إلا في إطار احتجاج المقاطعين اللبنانيين على حديث الأديب أمين معلوف لمحطة تليفزيون إسرائيلية.

يطبّع أحدهم، أي يزور إسرائيل أو يُترجم إلى العبرية أو يظهر في وسيلة إعلام إسرائيلية، فينتفض مثقفون ضده، وينتفض مثقفون ضد انتفاضة المثقفين ضده. والطرفان غير مشغولين بمناقشة التطبيع حقًا، بدليل أن كلامهم عنه لا يأتي إلا بمناسبة. أي أنه إذا كان لدى أحدهم وقت فائض، فلن ينشغل بالتفكير مع نفسه في ماهية التطبيع وحدوده، ولماذا هو جيد ولماذا هو سيء.

موضوع التطبيع وحسم علاقة الفرد به مؤجل لحين وقوع حدث يضطرنا لهذا، وحين يقع الحدث لا تصبح هناك إمكانية للأخذ والرد الرائقين، وإنما للهستيريا، لأننا في عز الأزمة.

في ماتش الجودو، وقع الحدث ولكن المصري لم يكن مستعدًا. لم يعرف كيف عليه التصرف. كان فردًا محاصرًا باحتمالات كلها كابوسية ومحاطًا بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كله. في ظروف أخرى، وبتاريخ آخر من النقاش العقلاني حول إسرائيل وكيفية مواجهتها، كان يمكن للاعب أن يصبح أكثر ارتياحًا مع نفسه، حتى وهو يرفض مصافحة الإسرائيلي بالمناسبة، كان ليصبح أكثر إقناعًا.

***

لا يكتسب موضوع التطبيع في منطقتنا العربية زخمًا، ويصبح عنوانًا لعلاقة الفرد بالسياسة، إلا في أوقات الاختناق السياسي، حينما لا يقوم بدور المعارضة سوى الإسلاميين والقوميين. منذ بداية وعيي وأنا أرى مصر تحت ثقل هذا الاختناق السياسي، باستثناء سنتين أو ثلاث أعقبت ثورة يناير.

لم أسمع اتهامًا واحدًا لأحدهم بالتطبيع في 2011، وإذا سمعت فلم يلفت انتباهي أو انتباه أصدقائي. ولكن في المقابل، وفي نفس العام، راح شباب الثورة لمحاصرة سفارة إسرائيل واعتصموا أمامها. كان هدفهم هو دولة إسرائيل الممثلة في سفارتها على أرضنا، لا مثقف هنا أو هناك تعامل مع إسرائيليين، ولا مثقف هنا أو هناك تعامل مع المثقف الذي تعامل مع إسرائيليين.

كنا خارجين من الثورة، ومتباهين بأنفسنا وبمصريتنا، ونعتقد أننا نطاول العالم. كان 2011 هو عام تنامي المشاعر القومية في مصر وغيرها من الدول العربية. لن يفهم هذا أعداء الربيع العربي الممانعون من أبناء بشار الأسد وجمال عبد الناصر.

واﻵن، رفض اللاعب المصري مصافحة نظره الإسرائيلي، ولكنه فعل هذا برأس منكس، ما جعل اللحظة التي يُفترض بها نظريًا أن تكون “وقفة شجاعة ضد الكيان الصهيوني”، لحظة خجل وطني وكراهية للذات.

***

الضغط يولّد الانفجار، حكمة مبتذلة ولكن حقيقية، والانفجار غالبًا ما لا يكون جميلًا، وإنما تخرج معه ديدان وصراصير مكبوتة. رأينا هذا في “سوريا والعراق”، ونراه في مصر بدرجة أقل. بسبب بلادة الخطاب القومي، وعدم حساسيته وعدم إنصاته لدبيب المعارضة، يتجاسر كل يوم مصريون أكثر وأكثر على إعلان عدم فهمهم للصراع العربي الإسرائيلي، ويتساءلون “هي إسرائيل وحشة ليه بقى؟” اﻵن لحظة يُعلن فيها فشل الخطاب القومي في مهمته، أو على الأقل تُسمع التشققات العميقة في جدرانه، ويخرج منها أشخاص لا يرون إسرائيل بلدًا معاديًا أصلًا، ولا يرون الفلسطينيين في خريطة الشرق الأوسط لديهم.

صحيح أن خطاب مقاطعة إسرائيل في شكله التقليدي يتهاوى اﻵن، ويفقد كثيرًا من قداسته، وصحيح أني لا آمل كثيرًا في أن يكون القادم أجمل، ولكن العزاء الوحيد أن الحركة بركة في أغلب الأحوال.

اعلان
 
 
نائل الطوخي