صراع “الخطبة المكتوبة” بين الأوقاف والأزهر
 
 

لم يتوقف الجدل الرافض لقرار وزارة الأوقاف بتعميم خطبة الجمعة موحدة ومكتوبة منذ أسبوعين على غضب أئمة وزارة الأوقاف، بل امتد ليشمل قمة هرم القيادة داخل الأزهر الشريف، خاصة بعد تصريحات وكيل الأزهر والرجل الثاني بالمؤسسة، الشيخ عباس شومان، برفض تعميم القرار على وعاظ الأزهر الشريف.

وقال شومان في بيان على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك الأسبوع الماضي أن قرار تعميم الخطبة المكتوبة لن يشمل وعاظ الأزهر الذين تستعين بهم وزارة الأوقاف لإلقاء خطب الجمعة في منابر المساجد التابعة للوزارة، وأضاف: “ما يتداول بشأن خطبة الجمعة المكتوبة لا علم للأزهر به بشكل رسمي وهو غير ملزم لوعاظ الأزهر، حيث تم تزويدهم بمكتبة تجمع أمهات الكتب لثقل معارفهم فضلًا عن التدقيق في اختيارهم وامتلاك غالبيتهم لخبرات طويلة في مجال الدعوة في الداخل والخارج، وحتى يكون خطابهم في مجالسهم والوزارات والمؤسسات التي يتعاونون معها مناسبا لسامعيهم على اختلاف مواقعهم الجغرافية وتباين ثقافاتهم وتقالديهم وعاداتهم”.

كانت وزارة الأوقاف قد قررت تعميم نص مكتوب لخطبة الجمعة على جميع الأئمة التابعين لها بعد أن كانت الوزارة تفرض عليهم فقط الالتزام بموضوع موحد للخطبة أسبوعيًا. وقالت الوزارة إن الهدف من تعميم الخطبة المكتوبة هو التيسير على الأئمة وتحقيق الرسائل المرجوة من الخطبة على أفضل وجه ممكن.

ووجه بيان الوزارة وقتها انتقادات حادة لآداء الخطباء والأئمة أثناء خطبة الجمعة، مشيرًا إلى أن هذا الآداء هو السبب الرئيسي للقرار الأخير: “بعض الخطباء لا يملكون أنفسهم على المنبر سواء بالإطالة التي تخالف سنة النبي، أم بالخروج عن الموضوع إلى موضوعات أو جزئيات متناثرة لا علاقة لها بالموضوع بما يربك المستمع ويشتت ذهنه، ويضيع المعنى المقصود من وراء الموضوع، أم بالدخول في أمور سياسية أو حزبية لا علاقة لها بمضمون خطبة الجمعة”.

لم يقتصر رفض الأزهر للخطبة المكتوبة على تصريحات شومان، بل امتد ليشمل أعضاء هيئة كبار العلماء الذين وجهوا انتقادات لاذعة لوزير الأوقاف، محمد مختار جمعة. في حوار مع جريدة الوطن قال الدكتور محمود مهنا عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، إن جمعة “يهاجم الأزهريين”، مضيفًا: “أنا حزين من موقف الوزارة، فالصراع مع الأزهر يسبب ضياع البلد، فمصر بدون الأزهر تساوى صفرًا، لأن الأزهر أوصل الإسلام إلى القارات الست، ويسأل الوزير عن صراعه وحربه معنا، وعن مصدره الذى يأخذ منه التعليمات”، مشيرًا بشكل غير مباشر لاحتمال تدخل الأمن في فرض مثل هذه القرارات. وأضاف مهنا أن وعاظ الأزهر قد يتركون منابر الأوقاف في حال فرض الخطبة المكتوبة عليهم.

ويقول رئيس شئون القرآن الكريم بمديرية أوقاف القليوبية، محمد نصار، في حوار مع “مدى مصر” أن وزارة الأوقاف تستعين بحوالي 3000 واعظ من الأزهر لإلقاء خطبة الجمعة بنظام المكافأة، بالإضافة إلى الدروس الدينية التي يلقيها هؤلاء الوعاظ بشكل مستمر داخل مساجد الأوقاف، مضيفًا أن وزارة الأوقاف اتخذت قرارها الأخير بشكل منفرد دون العودة للأزهر، حيث ترى الوزارة أنها وزارة سيادية تتخذ قراراتها بشكل مستقل وعلى من يخطب على منابرها أن يلتزم بتعليماتها.

ويضيف نصار: “يقع موطن الخلاف بين الأزهر والأوقاف أن الأزهر يرى الخطبة المكتوبة كخطوة للوراء فيما يخص تجديد الخطاب الديني في مصر، حيث يعتقد قادة الأزهر أن تعليم وتثقيف الأئمة هو الخطوة الصحيحة في سبيل تجديد الخطاب الديني”.

ويتوقع نصار أن يتطور الخلاف بين الأزهر والأوقاف لمنع وعاظ الأزهر من اعتلاء منابر الوزارة حال امتناعهم عن الالتزام بالخطبة الموحدة.

بينما يرى الباحث في شئون الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عمرو عزت، أن الخلاف يأتي على “خلفية من التوتر” بين الأوقاف والأزهر، ويدور حول التنافس بين الجهتين على إدارة السيطرة على المجال الديني في مصر، ويستدرك: “شيخ الأزهر له السطوة والمكانة العلمية والتاريخية، بينما تقع السيطرة على المجال الديني فعليًا وإداريًا بين يدي وزارة الأوقاف”. ويرى عزت أن الخلاف يعود إلى مشاركة شيخ الأزهر أحمد الطيب بشكل فعال ورئيسي في تحالف 30 يونيو الذي أسقط الرئيس الأسبق محمد مرسي، وفتح المجال لخطط الطيب لإحكام السيطرة على المجال الديني بعد زوال حكم الإخوان المسلمين. ويقول عزت: “كان جمعة يعمل بالمكتب الفني لـ(أحمد) الطيب (شيخ الأزهر)، وهو الذي رشحه لتولي حقيبة الأوقاف [لذي ظل فيها جمعة من يوليو 2013 حتى الآن] إلا أن المنافسة بين جمعة والطيب اشتدت بعد ذلك”.

وكان توحيد موضوع خطبة الجمعة -من بين خطوات أخرى عديدة- أحد أهم وسائل الوزارة للسيطرة على المجال الديني في مصر، خاصة مع إصرار الوزارة على إلزام كل إمام بإلقاء خطبة الجمعة في مسجد واحد فقط ومنع الأئمة من الخطابة في مساجد أخرى، وهو ما سرى أيضًا على الوعاظ.

وربما تكون طبيعة التركيبة السياسية للأزهريين وتنوع انتماءاتهم الفكرية سببًا مباشرًا لعدم ثقة الدولة في الأزهريين، على حد قول عزت، بالمقارنة بأئمة الأوقاف الذين تسيطر عليهم الوزارة إداريًا. فعلى العكس من التقدير العلني للدولة لمكانة الأزهر كمنبر للوسطية الإسلامية وحاجتها لدعم الطيب للمسار السياسي بعد 30 يونيو، إلا أن هيئة كبار العلماء وعلى رأسها الطيب ربما لا تمثل الغالبية العظمى لجموع الأزهريين. ويوضح عزت: “هيئة كبار العلماء فئة قليلة جدا من الأزهريين الذين يتم انتقائهم بعناية، بينما ينتمي جموع الأزهريين للمذاهب السلفية والإخوانية المختلفة، والبعض منهم له مواقف معارضة لتوجهات الأزهر بشكل عام وبالتالي فهم غير موالين للدولة أو للنخبة الحاكمة داخل الأزهر”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين