“أن تموت بسلاح النسيان في السجون”.. رسالة من متهمين في قضية “فض رابعة”
 
 

قبل يوم واحد من جلسة نظر القضية رقم 34150 لسنة 2015، والمعروفة بـ “قضية فض اعتصام رابعة”، بعث عشرة من المتهمين المحبوسين على ذمة القضية برسالة من محبسهم، حصل “مدى مصر” على نسخة منها، يشتكون فيها من التجاهل الذي يعانونه داخل السجن، وفي المحكمة، رغم أنهم، بحسب الرسالة، غير ذوي صلة بالقضية، وليس لديهم انتماءات سياسية، فضلًا عن شكواهم مما يعانونه في تعامل المتهمين المنتمين لجماعة الإخوان معهم.

وبعث المتهمون بالرسالة، التي ننشرها كما وردت إلينا، بعد مرور 1000 يوم على إلقاء القبض عليهم، وسردوا فيها ما أسموه “قصة الموت البطيء بسلاح النسيان”.

كان المتهمون قد بعثوا في أبريل الماضي برسالة سابقة، نشرت “الأخبار” اللبنانية تقريرًا عنها في السادس من أبريل الماضي، طلبوا فيها مقابلة القاضي الذي ينظر قضيتهم، المستشار حسن فريد، بعد مرور أكثر من ثلاثة سنوات على حبسهم.

وكانت النيابة العامة قد أحالت 739 متهمًا إلى محكمة جنايات مدينة نصر أول، في منتصف أغسطس الماضي، قبل  أيام من تجاوز المدة القصوى للحبس الاحتياطي، وخلا بيان النائب العام في ذلك الوقت من أسماء وأعداد المحالين للمحكمة.

واتهم بيان “النائب العام” المحالين إلى الجنايات بتهم: التنظيم والاشتراك في “اعتصام مُسلح” في ميدان رابعة العدوية، وحيازة أسلحة ومفرقعات وذخائر بغرض الاعتداء على الأشخاص، وقطع الطريق وتقييد حرية الناس في التنقل، والقتل والشروع في قتل المواطنين وأفراد الشرطة المُكلفة بفض الاعتصام، واحتلال المباني والمنشآت العامة والخاصة وتخريبها، تنفيذا لأغراضهم الإرهابية.

فيما عقدت المحكمة أولى جلسات نظر القضية -في مقر معهد أمناء الشرطة- في الثاني عشر من ديسمبر الماضي، وأجلتها “لحين تجهيز وتوسعة قفص الاتهام بقاعة المحكمة لكى تستوعب أعداد المتهمين فى القضية” إلى جلسة السادس من فبراير الماضي، والتي تم فيها تأجيل نظر القضية إلى جلسة 26 مارس الماضي، “للانتهاء من تجهيز وتوسعة قفص الاتهام”، وفي جلسة 26 مارس، التي كانت أولى الجلسات التي يحضرها المتهمون، قررت المحكمة التأجيل إلى 23 أبريل الماضي “للاطلاع ومطالبة النيابة بإحضار الأحراز وتوقيع الكشف الطبي على بعض المتهمين”، قبل أن تؤجل المحكمة في 23 أبريل نظر القضية إلى جلسة الغد، العاشر من مايو، لفض الأحراز.

وشملت قائمة المتهمين في القضية عددًا من قيادات الإخوان المسلمين، من بينهم المرشد العام محمد بديع، وعصام العريان، وعاصم عبد الماجد، وعبد الرحمن البر، ومحمد البلتاجي، وصفوة حجازي، وأسامة ياسين، وباسم عودة، وطارق الزمر، وعصام سلطان، وأسامة محمد مرسي، ووجدي غنيم.

فيما ضمت قائمة المحالين إلى المحكمة آخرين من بينهم المتهمين العشرة الذين بعثوا بالرسالة، فضلًا عن المصور الصحفي محمود عبد الشكور أبو زيد عطية “شوكان”، وآخرين ممن تم إلقاء القبض عليهم يوم 14 أغسطس 2014، على خلفية فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وهو الفض الذي أسفر عن وفاة أكثر من 600 شخصًا، من بينهم ثمانية من قوات الأمن، بحسب التقديرات الرسمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أن تموت بسلاح النسيان في السجون .. قصة لا تسلية فيها على الإطلاق

من نحن؟

نحن مجموعة شباب لا يزيد عددنا عن أصابع يدك عزيزي القاريء، نعاني بسبب حبس احتياطي في قضية كبيرة، ورقمها 34150 لسنة 2015 جنايات مدينة نصر، وبعد 1000 يوم من دفننا أحياء بدأت محاكمتنا في قضية اعتصام رابعة أمام قاضي لا يعرف عن حالة كل واحد فينا شيئًا.

فقد كلٌ منا 1000 يوم قابلين للزيادة من أرصدتنا في بنك الحياة، في عام سماه الرئيس “عام الشباب”، وقصتنا تبدأ من تصادف وجود كل واحد فينا في مناطق بحي مدينة نصر كان يوجد به اعتصام جماعة الإخوان وأتباعها في رابعة العدوية، تواجدنا إما لغرض العمل أو المرور العابر، أو حتى لمشاهدة فض أفراد الجيش والشرطة لهذا الاعتصام في هذا اليوم الذي لم نتوقع أن يكون بداية لسجن آمالنا في الحياة والزواج والعمل، وببطء قاتل يدهسنا قطار الزمان في مقابر طرة.

بعد يومين من الفض، كان هناك ممثل للنيابة في كل قسم شرطة تم احتجازنا فيه، وفي ظروف تحقيق غير قانونية وبحضور أفراد وضباط شرطة القسم وبدون وجود محامي، تم التحقيق مع كل منا، ومع ذلك كان ممثل النيابة متعاطفًا دائمًا مع حالة كل واحد فينا، مؤكدًا أنه لا يوجد احتمالية إدانة أو احتمالية توقيع العقاب.

بعد يومين من تحقيق النيابة بدأت قصة الموت البطيء بسلاح النسيان، تم ترحلينا إلي سجن أبو زعبل، وأجبرنا انعدام خبرتنا بأي موقف مشابه، وتأخر وصول أهالينا على أن نبتلع معسول الكلام من المعتصمين الذين أصبحوا فجأة رفاق القضية، خدعونا لعدة أشهر، بالتأكيد على أن المحامين المتطوعين من جانب جماعتهم وأتباعهم سوف يتولون كل إجراءات إخلاء سبيلنا لأننا لسنا أصحاب شأن في القضية ولا دخل لنا بالمعتصمين؛ وبالتالي ستضعنا النيابة على رأس قائمة إخلاء السبيل والاستبعاد من القضية.

تعاقبت الأيام وكانت أثقل من الجبال على أرواحنا وقلوبنا، واكتشفنا أن كل جهود وتلاعبات هؤلاء المحامين والمتهمين «الرفاق» كانت لصالح أتباع الجماعة ومن يدور في فلكهم، ولم يفلت إلا من استطاع أهله الوصول إليه مبكرًا.

وعندما تنبهت الجهات الأمنية لهذه الثغرة الأمنية وخروج هؤلاء، وهم أشد خطرًا في السوابق والأفكار، توقفت عجلة إخلاء السبيل على ذمة القضية وكان ختامها بخروج صحفي قناة قطر المعادية للنظام الحاكم ومؤسساته.

وطوال هذه الفترة، العام الأول تحديدًا، كان الأمل يقترب أكثر من درجة التجمد.

ومنذ عام ونصف العام ظهرت في السجون مبادرة التوقيع على إقرار بعدم الانتماء لأي جماعة أو تيار معادٍ لدولة، وقبول التصالح مع الحكومة، كان أول من تقدموا من قضيتنا هم نحن، وبتشجيع من الرائد محمد العشري، رئيس مباحث استقبال طرة وقتها، وبعدها حقق معنا ضباط من جهة سيادية، وأكدوا علمهم اليقين بعدم انتماء أي واحد فينا لأي جماعة أو فكر متطرف وبراءتنا من أي عنف أو مخالفة للقانون، انتعش الأمل في قلوبنا الذابلة وانتظرنا ظهور نتيجة أول تحقيق فعلي، وأن يترتب على مواجهتنا بأن تحريات الأجهزة المتخصصة في صالحنا، أن يترتب على ذلك استعادة حريتنا وحقنا في الحياة الآدمية.

نفترش الأرض وتحتضن الخرسانة المسلحة أجسادنا التي قد تبدو متماسكة في الظاهر، ويتم معاملة أهالينا في تفتيش الزيارة نفس معاملة أهالي الخطرين على المجتمع، فالقائم على إدارة عدة ألوف في سجن واحد لا طاقة لديه للتميز بين المظلوم والجاني، بين أهل البريء وأهل المجرم خصوصًا إذا انعدمت خبرة أهالينا بالمواقف المشابهة وضاقت اليد بتكاليف شراء القائمين على التفيش للحفاظ على كرامتهم لا لتهريب أي ممنوعات.

كل ثانية تمر علينا تنهب بعضًا من أرواحنا وقلوبنا وعقولنا، وتتداعي أجسادنا التي كانت تتمتع بحيوية الشباب قبل ألف يوم.. فما بين آلام العظام والمفاصل الدائمة في أجساد عمرها بين عشرين وثلاثين عامًا، وبين الإصابة بالجلطة أو فيروس سي أو التهابات القولون وقرحة المعدة أو الفشل الكلوي أو الضغط والسكر وما بين محاولة الانتحار ومحاولة أحدنا أن يتنصر لأن تفكيره البسيط أوهمه بأن ذلك هو باب الخروج الأخير من نفق الظلم القاتل، ولولا أن ضابط الأمن الوطني أقنعه بعدم فائدة ذلك الفعل لكان تغيير دينه هو آخر محاولاته بعد اليأس وانسداد الأفق.

وما بين الديون المتراكمة والدمار المعنوي يغرق أهالينا بدون أي ذنب، وبين هروب أحدنا للحبس الانفرادي اختياريا لأكثر من 26 شهر، تحاشيًا منه لحصار الفكر المتطرف وأمراض السيطرة والتحكم في الآخرين داخل الزنازين، وبين هروب بقيتنا إلي زنازين الدواعي الأمنية التي لا تزيد مساحتها على مساحة السرير في غرفة النوم الدافئة، وأفضلنا حظًا هو القادر على الهروب إلي النوم طوال الليل، وسماع الراديو في النهار.

هذا هو حال طاقات عطلها الظلم، صارت طاقات غير منتجة في أجساد متداعية، أو مترهلة تحوي أراوح مكبلة.

باعتبارنا غرباء ولم يسبق لأي المتهمين أن تعرف علينا في الاعتصام، فإنه قد تصنيفنا منذ أول لحظة «دخلاء- جواسيس»، ومع مرور الوقت حاولوا احتوائنا وفشلوا بصورة أو بآخرى في تحويلنا إلي مجرد صورة جديدة من صورة “الأخ الفلاني”.

ومنذ عام ونصف العام، بعد توقيعنا على مبادرة عدم الانتماء لهم وقبول التصالح، تم نقلنا إلي مستوى حزب الشيطان أعوان الطاغوت، وتعددت محاولات الضغط والإيذاء من خلف الابتسامات والكلمات المعسولة، ولولا بعض العقلاء لتم الفتك بنا، على يد المتحمسين بعد فشل محاولات الشراء بمعونة شهرية رخيصة مقابل تحولنا إلي أتباع، وفشل محاولات الاحتواء.

وبعد كل هذا بدأت المحاكمة بعد 950 يومًا على ذمة التحقيق، وتم وضعنا في أقفاص جنبًا إلي جنب معهم ومع قيادتهم التى تزعمت الهتافات الحنجورية في جلسة 26 مارس 2016، الجلسة الأولي في قضية قد تستمر في حبال الإجراءات الشكلية والتلاعبات والدفوع والطلبات والمرافعات حتي نصل للجلسة الأولي بعد المائة معرضين للموت البطيء في قضية لا علاقة لنا بها ويعاني أهلنا كأنهم أهل العدو، ومعرضين للحكم علينا بسبب إهانة القضاء في كل جلسة نظرًا لتصرفات الأتباع الغوغائية الذين ينساقون بدون تفكير خلف القيادات الفخورة بالبدلة الحمراء أو الزرقاء. القيادات التي تأبي أن تدفع وحدها ثمن الأخطاء والخطايا بل يسحبون أتباعهم خلفهم ونذهب نحن كخسائر جانبية في صراع لم ولن نكون أبدًا أحد أطرافه.

هل مطلوب منا عزيزي القاريء وعزيزتي القارئة أن ننتظر إلي الأبد ونتحمل الموت البطيء كي نتمتع بحقنا في الحرية نظرًا لبرائتنا من هذا الصراع براءة الذئب من دم يوسف؟

هل مطلوب منا أن ننتظر محامي يمتص دماء أهلنا للقيام ببعض الإجراءات الشكلية التي لن تفيد حالتنا الاستثنائية وتميزنا أمام القاضي، المستشار حسن فريد، عن باقي المتهمين التابعين للجماعة وللقيادات والفخورين بوجودهم خلف الأسوار؟ هل مطلوب منا أن نيأس أم أن ننتظر الحرية التي يبدو أنها ستأتي بعد فوات الأوان ونفاذ كل معاني الأمل والحياة داخل قلوبنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد طه محمود أحمد (المتهم رقم 169)
محمد السعيد عبده راجح (المتهم رقم 166)
أحمد محمد أحمد على (المتهم رقم 187)
ضياء أحمد عبد الرحمن أبو العينين (المتهم رقم 127)
أحمد رزق حسين حسين (المتهم رقم 453)
إيهاب محمد على الجندي (المتهم رقم 340)
محمد السيد أحمد عبد العزيز نجم (المتهم رقم 138)
عمر أحمد بدوي حسانين (المتهم رقم 690)
إسلام أحمد خلف (المتهم رقم 135)
تامر خميس جمعة صباح (المتهم رقم 526)

اعلان