التحديق في العين: حوار الفلسطينيين واليهود الشرقيين اﻵن

في أغنيته اﻷولى بالعبرية، “أن تكون عربيًا”، التي قدمها المغني الفلسطيني جوان صفدي في صيف العام الماضي، نرى اليهودي الشرقي الملتحي، التابع لمجموعة “لاهافاه” المتطرفة، يلبس طاقيته وسلسلة عليها نجمة داود، متجهزًا للهجوم على الفلسطيني، الجالس في سيارته محاطًا بالنساء ودخان اﻷرجيلة، ويغني:

“المرضى بخوف المثليين، بداخلهم أكبر مثليين، الشرقي الخائف من العربي، هو نفسه عربي. ببساطة يخافون، ويفضلون، البقاء في الصندوق، لأنهم يعرفون، جيدًا جدًا يعرفون، أن كونك عربيًا ليس شيئًا نريده بجنون. صعب أن تكون عربيًا، صعب جدًا واسألني”.

يصل اليهودي المتطرف، مع زملائه المسلحين بالعصي، لشاطئ البحر، متزامنًا مع وصول سيارة الفلسطيني لنفس المكان، يواصل الفلسطيني:

“صعب أن تكون عربيًا، مثلما صعب أن تكون أسود، تحت سلطة البيض اﻷغنياء، في دولة العنصريين”.

على الشاطئ يتواجه الاثنان، الفلسطيني واليهودي الشرقي المتطرف. يخاطب الفلسطينيُ اليهوديَ ناظرًا في عينيه بقوة: “اسمعني يا أبو الشباب، انت لازم تعرف حالك، من وين جاي ولوين جاي، وشو رح تلاقي هون. داير بالشوارع وتقولي مافيت لعرافيم (الموت للعرب) وانت بتعرف إنه حكي فاضي، انت عربي يا زلمي، انت عربي أكتر مني”.

يبدأ الاثنان في الرقص سويًا، والعصي التي كان مقررًا لها أن تُستخدم في الضرب سرعان ما تكون أدوات للرقص، بينما تركض بجوارهم مجموعة من اﻹشكنازيين الأوروبيين، من ذوي نمط الحياة الصحي والرياضي. ينظرون بلا مبالاة  للإثنين المتعاركين/ الراقصين، يهزون رؤوسهم تعجبًا من هؤلاء المجانين، ويواصلون الركض. بينما يختتم صفدي أغنيته مخاطبًا اليهودي الشرقي بالعبرية: “أنت عربي مستورد، اسمع من العربي المحلي، سحبوكَ لتجلس مكاني، صعب أن تكون عربيًا، صعب جدًا واسألني، مثلما صعب أن تكون أسود، تحت سلطة اﻷغنياء البيض، على أرض فلسطين”.

الكلمة اﻷخيرة بالتحديد، فلسطين، هي ما تنهي الرقصة المشتركة للفلسطيني واليهودي. يتكهرب الجو فجأة ويتحفز اليهودي، ويبدو الفلسطيني كأنه يرفع يديه اعتذارًا.

***

في اﻷيام الماضية انطلقت مبادرة “الشرقية المشتركة”، على يد عدد من مثقفي وفناني اليهود الشرقيين في إسرائيل، اﻵتين من الشرق اﻷوسط والبلدان العربية غالبًا، ويصنفون عادة بأنهم “أدنى” من اﻹشكنازيين اﻵتين من أصول أوروبية، عبرت المبادرة عن نفسها بنداء موجه لكل المقموعين داخل إسرائيل، أو على يد إسرائيل، بحثًا عن إطار جامع لسائر النضالات التي تقوم بها الفئات المقموعة هناك اليوم.

التقى صائغو المبادرة بعدد من النواب الفلسطينيين في الكنيست اﻹسرائيلي عن حركة “القائمة المشتركة“، بقيادة أيمن عودة. ربما تكون هذه الحركة غير مسبوقة من نوعها، من حيث محاولتها توحيد لنضالات شتى كان كل منها يعمل في مسار مختلف قبل هذا، بل ويعادى بعضها البعض أحيانًا، وهو ما عبر عنه النداء بقوله:

“كنا نناضل لسنوات طويلة لتغيير المجتمع الإسرائيلي وليس لنا بالضرورة بيت حزبي بارز‮. ‬لأحيان كثيرة كان علينا الاختيار بين أحزاب تدعي التمسك بالأيديولوجيا اليسارية بدون مشاركة فلسطينية‮- ‬يهودية ذات بال،‮ ‬بدون تمثيل شرقي وبدون انشغال بالنضال الشرقي،‮ ‬وبين التصويت الشرقي الذي يعني الاكتفاء بالتمثيل الرمزي ودعم قمع الفلسطينيين‮. ‬كثيرًا ما أدى بنا هذا الاختيار للتصويت التضامني لأحزاب فلسطينية،‮ ‬حتى عندما لم تنشغل هي بالنضال الشرقي‮. ‬نلاحظ فرصة تاريخية في قيام حركة‮ (‬القائمة المشتركة) ‬لتأسيس شراكة‮ ‬غير منقوصة”‮.‬

***

كتبت مرة أن “اليهودية واﻹسلام يبدوان كشخصين من نفس القرية يعملان في الخارج، يتكلمان نفس اللغة، يؤمنان بنفس الأفكار، لديهما الكثير والكثير من المعارف المشتركين والمعارف المشتركة، ثم وجدا نفسهما في الغربة. يضع كل منهما عيناً على زميله، يكون مقياس النجاح بالنسبة للأول هو الثاني والعكس، تنمو بينهما منافسة ضخمة ومرارات سوداء بالتحديد بسبب الأصول المشتركة لهما. هذه المرارة لم تكن لتوجد بين مصري وياباني مثلاً، وإنما تنمو بين اثنين آتيين من نفس البلدة ويتكلمان نفس اللهجة ولهما نفس الجد المشترك”.

تقدم لنا العامية المصرية حلًاً لغويًا لهذه العلاقة المركبة من الحب والكراهية. يقول المصريون: “ركز فلان مع فلان”، أي اهتم بتفاصيله متنافسًا معه وحاسدًا إياه. على خلاف “التركيز على”، الذي لا يحتوي إلا علاقة الذات بالموضوع، فإن “التركيز مع” يحوي معيّة لا تقدمها لنا إلا اللغة العربية في صيغتها المصرية، معية وغيرة واهتمامًا وتنافسًا.

في السنوات اﻷخيرة بدا لي أن هذا لا ينطبق على اليهودية واﻹسلام فحسب، وإنما على العرب واليهود الشرقيين أيضًا. منذ ما قبل الثورة بسنوات معدودة ظهر في مصر اهتمام مكثف من قِبَل النخبة بموضوع اليهود المصريين، تجلى هذا في ترجمة كتب مثل “شتات اليهود المصريين” لجويل بنين، “تاريخ يهود النيل” لجاك حسون، “الرجل ذو البذلة الشاركسكين البيضاء” للوسيت لنيادو، وظهور روايات عديدة قدمت شخصية اليهودي بشكل إيجابي أخيرًا، ودخول السينما على الخط أيضًا، من خلال فيلمي “سلطة بلدي” لنادية كامل، و”عن يهود مصر” ﻷمير رمسيس. كما تجاوز اﻷمر أخيرًا اهتمام النخبة ليصل إلى اﻷسر في البيوت، بعد عرض مسلسل “حارة اليهود” في رمضان الماضي على شاشات التليفزيون.  

ولكن هذا التركيز مع اليهود، في وجهه اﻹيجابي، ظل في غالبه تركيزًا ثقافيًا، يحنُ لتاريخ تعددي عرفته مصر الثلاثينيات واﻷربعينيات، وباستثناء فيلم نادية كامل الذي يخاطب يهودًا مصريين يعيشون في إسرائيل اﻵن، فإن اﻹشارات للحاضر في مجموع هذه اﻷعمال ظلت غائبًة، ناهيك عن المستقبل بالطبع.

***

“التركيز مع” هو نقيض اللامبالاة التي ينظر بها اﻹشكنازيون، في كليب صفدي، للفلسطيني ولليهودي الشرقي الراقصين/ المتعاركين سويًا، كما أنه يختلف عن “التحديق في عين اﻵخر”. يحدث التركيز مع اﻵخر والاهتمام بتفاصيله، في السر غالبًا، بدون خطاب يوجهه الواحد لصاحبه، بدون النظر في عين اﻵخر بنديّة. بينما ما فعله صفدي في اﻷغنية، وما فعلته مبادرة “الشرقية المشتركة”، بندائها للفئات المقموعة في إسرائيل هو المخاطبة، المخاطبة بهدف قول جديد عن اللحظة الحالية.

نداء “الشرقية المشتركة”، المكتوب بضمير المتكلمين حينًا وبضمير المتكلمات حينًا، شديد اﻷهمية لعدة أسباب. أولها أنه يبين بوضوح تراتبية القمع في إسرائيل. فالفلسطيني صاحب اﻷرض هو المقموع من الجميع، ويليه اليهود الشرقيون، الذين يقمعهم اليهود اﻹشكنازيون، مع الكثير من الفئات اﻷخرى المقموعة هي اﻷخرى، اليهود اﻹثيوبيين والروس، باﻹضافة للنساء واﻷطفال بالطبع.

النداء ليس رومانسيًا أيضًا. لا يوهمنا بأن الجميع طيبون ومتحابّون، وإنما يؤكد على اشتراك اليهود الشرقيين أحيانًا كثيرة في قمع الفلسطينيين. يبين لنا كيف تعمل المنظومة الصهيونية لتأليب الجميع ضد الجميع، وكيف يعادِي الضحايا الضحايا.

ومثل اللحظة التي ينطق فيها الفلسطيني بكلمة “فلسطين”، لا يعدم النداء المنشور لحظات مكَهرِبة وموتّرة تقول ما لا يقال عادة. يؤكد النداء للمرة اﻷولى، فيما أعتقد، على اقتناع صائغيه وموقعيه بألا حل للفظائع التي أحدثتها الصهيونية سوى بعودة اللاجئين الفلسطينيين:

“نعي حقيقة أنه علي مدار الـ‮ ‬68‮ ‬عامًا الأخيرة‮ ،‮ ‬ورغم الفظائع التي أحدثتها الصهيونية ضد اليهود الشرقيين في إسرائيل،‮ ‬فجمهور اليهود الشرقيين‮ ‬يرتبط بالمشروع الصهيوني وأصبح أغلبه مشاركًا نشطًا فيها‮. ‬لهذا فنحن‮ ‬غير قادرات علي الوقوف اليوم أمام أخواتنا وإخوتنا الفلسطينيين والزعم بأن أيدينا‮ ‬غير متورطة‮. ‬نعترف أن إصلاح هذه الفظائع مرتبط بحق عودة اللاجئات واللاجئين من بنات وأبناء الشعب الفلسطيني والاعتراف بالمسئولية الإسرائيلية عن طرد اللاجئين،‮ ‬وهذا بدون خلق مجتثين آخرين،‮ ‬وفق الرؤية التي بمفادها لا‮ ‬يجوز إصلاح الخطأ بخطأ آخر”‮.

***

التحديق في العين، بخلاف “التركيز مع”، يتطلب قوة ما. وعادة ما تلي النظرة إلى العين نظرة إلى الذات. تزامنًا مع إطلاق مبادرة “الشرقية المشتركة”، كتب الشاعر، من أصل عراقي، ماتي شمؤولوف، وهو أحد الموقعين على نداء “الشرقية المشتركة”، تدوينة يرد فيها على الادعاء الصهيوني بأن اللاجئين الفلسطينيين يقابلون اليهود العرب الذين طردوا من البلدان العربية، وأن اﻷملاك التي تركها اليهود العرب ورائهم في مصر والعراق واليمن توازي قيمة الممتلكات التي تركها الفلسطينيون وراءهم. خالصان إذن! تقول الرواية الصهيونية الرسمية، ولكن ماتي يرد عليها باثنتين وعشرين نقطة شديدة القوة، منها:

“الكثير من اليهود العرب رأوا أنهم جاؤوا ﻹسرائيل كمهاجرين صهاينة، بالضبط مثل إخوتهم وأخواتهم اﻹشكنازيين، ولم يروا أنهم جاؤوا كلاجئين”.

“أي إنسان مستقيم، صهيونيًا كان أو غير صهيوني، عليه الاعتراف أن القياس بين الفلسطينيين وبين اليهود الشرقيين هش. لم يطالب اللاجئون الفلسطينيون بمغادرة فلسطين. في عام 1948 خُربت تجمعات فلسطينية كثيرة، وحوالي 750 ألف فلسطيني طُردوا أو هربوا من مناطق فلسطين التاريخية. من هربوا لم يغادروا بيوتهم بإرادتهم الحرة”.

“يهود العراق كانوا مواطنين عراقيين عندما حدثت النكبة، ولهذا فليس صحيحًا أيضًا أن نضعهم في مقابل الممتلكات الفلسطينية”.

“المبادرة اﻷيديولوجية بتهجير اليهود العرب كانت من نصيب حركة الصهيونية ودولة إسرائيل، ولم تكن من نصيب الطوائف اليهودية المهاجرة”.

“في إسرائيل نعيش نحن [اليهود الشرقيين] بين منفى ومنفى، جيلًا وراء جيل، فالدولة لا تزال ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن قضايا مختلفة تخص استيعاب المهاجرين من الشرق… ترفض الاعتراف بدورها في الفقر المفروض عليهم، ترفض تحقيق تقسيم عادل للأراضي والموارد، تواصل إدارة ميزانية غير عادلة، وإهمال الضواحي (تلك التي أُرسل إليها باﻷساس مهاجرون من الدول العربية وإيران، كجزء من سياسة موجهة) في كل المناحي الممكنة”.

***

على فعل “المخاطبة” هنا ألا يمر عبر الحكومات، ببساطة شديدة ﻷن موازين الحكومات غير عادلة، فلا ندية يمكن الشعور بها بين الفلسطينيين والحكومات اﻹسرائيلية مثلًا، وهي القادرة على سحق وتهجير عشرات اﻵلاف منهم إذا أرادت، كما سبق وأن حدث فعلًا. أما اﻷفراد فلا شيء يمنعهم من مخاطبة بعضهم البعض بقوة كافية، خاصة في ظل ثورة الاتصالات والثقة بالنفس التي زرعتها في الفرد الوحيد، غير المسلح إلا بمعرفته التي يحصل عليها من وسائل التواصل الاجتماعي. ليس صدفة أن وسائل اﻹعلام الرسمي في إسرائيل لم تهتم بالمبادرة التي لم تنتشر إلا عبر المدونات ومواقع اﻹنترنت والحسابات الشخصية على  الفيسبوك. هذا أحد وعود اﻹنترنت للعالم المعاصر. هذا الحق في مخاطبة الفرد للفرد، يأتي ضد رغبة أجهزة اﻷمن العربية في احتكار المعرفة بالعبرية، ورغبة أجهزة اﻷمن اﻹسرائيلية في احتكار المعرفة بالعربية.

لهذا، فالشاعر واﻷديب ألموج بيهار، اﻵتي من أصل عراقي وأحد الموقعين على النداء هو أيضًا، يرد على شمؤولوف في تدوينته. لا يطالب بيهار اليهود بالتخلي عن ممتلكاتهم التي تركوها في العالم العربي، ولكنه كذلك لا يثق في قدرة دولة إسرائيل على تحقيق العدالة:

“ينبغي أن تقوم ادعاءاتنا ضد الدول العربية التي غادرناها، على دورنا في تاريخها وثقافتها وذاكرتها، التي تحتوي جزءًا يهوديًا يستحق الاعتراف. وعلى ادعاءاتنا بخصوص الممتلكات التي تركناها أن تكون شخصية أو طائفية، ولكن ليس عليها أن تمر من خلال دولة إسرائيل أو من خلال منظومة تعويضية تعمل ضد الفلسطينيين. الفظائع التي ارتكبت ضدنا لا تبرر الفظائع التي الفظائع التي ارتكبت ضد الفلسطينيين، والسرقة مننا لا تبرر السرقة من الفلسطينيين”.

***

في يوم اﻷرض الذي يحل اليوم، في ذكرى هبة فلسطينيي 48 عام 1976 احتجاجًا على مصادرة آلاف الدونمات منهم على يد حكومة رابين، يثور السؤال حول إمكانية توحيد نضالات مختلفة، لكل منها أجندتها، وادعاءاتها ضد الدولة الصهيونية، التي تتناقض مع بعضها البعض أحيانًا، وإمكانية حدوث هذا مع قول كل طرف كلمته بقوة، مسلحًا  فقط بقناعاته، ومعزولًا من الدولة بميلها الغريزي للسيطرة على أطراف اللعبة ولتسييد روايتها هي فقط؟ هذان هما سؤالا التقارب الحالي بين أفراد من اليهود الشرقين وأفراد فلسطينيين.

اﻷيام ستجيب، وحتى ذلك الحين، تشهد حالات آلاف اﻷفراد العرب واليهود، على رغبتهم، الناجمة عن الاقتناع حينًا وعن الفضول حينًا،  في النظر إلى أحدهم اﻵخر، بعيدًا عن سيطرة اﻷجهزة اﻷمنية أو بالتحايل عليها.

اعلان
 
 
نائل الطوخي