“الداخلية” منذ يناير 2011: عنف متكرر وفشل في الإصلاح.. وتهديد للنظام

“نحن نتلقى دورات في حقوق الإنسان، لكن أين تطبيقها على الأرض، في الممارسة؟ لم أرى أي شيء يُطبق”، يقول ضابط شرطة حجبنا اسمه حفاظا على سلامته.

مدفوعًا بمقتل 22 من مشجعي كرة القدم خارج استاد الدفاع الجوي في فبراير الماضي نتيجة لتفريق قوات الأمن للجمهور المحتشد، بدأ الضابط في بث رسالة بين ضباط آخرين مطالبا بتغيير جهاز الشرطة.

يضيف: “تعلمنا سابقًا ألا نفرق جمهور في مساحات ضيقة. نحن نتعلم هذه الأمور لكن لا نطبقها في الواقع”.

طالب الضابط بإصلاح الشرطة بحيث تقدم خدمات أفضل، ولتحسين العلاقة بينها وبين الشعب، إضافة إلى ضمان حقوق رجل الشرطة في مواجهة هجمات الجماعات المتطرفة. إلا أن هذه الرسالة تسربت بشكل أو بآخر إلى مستويات أعلى في الوزارة ومن ثم أمر وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم بإحالته للاحتياط نتيجة لذلك، فأصبح الآن مضطرًا للعيش على 500 جنيهًا مصريًا في الشهر، إضافة إلى كونه ممنوعًا من العمل في أي مكان آخر.

تسربت مسألة الإصلاح إلى وزارة الداخلية بعد انتفاضة 25 يناير حين هتف المتظاهرون ضد الشرطة في عيدها، قبل أن يطالبوا بسقوط نظام حسني مبارك.

في الأيام التالية على الثورة كانت هناك وعود بإعادة هيكلة وإصلاح الشرطة من خلال مبادرات مثل المبادرة الوطنية لإعادة بناء جهاز الشرطة، التي أسسها بعض ضباط الشرطة وأفراد من المجتمع المدني.

يقول كريم عنارة، الباحث في برنامج العدالة الجنائية وقضايا الشرطة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي شارك في تأسيس مبادرة إعادة البناء، إنه لم يكن هناك أبدًا نية صادقة للإصلاح لدى وزارة الداخلية.

ويضيف أن المبادرة تعاملت في ذلك الوقت مع عدد صغير من الضباط الأعضاء في تحالف “الضباط الشرفاء” على حين اتخذت الأغلبية من الضباط موقفًا دفاعيًا.

في حين كان الحوار حول الإصلاح محط اهتمام البعض، كان الباقون مشغولون باستعادة قوة الجهاز وبالمناخ السياسي الملائم لذلك.

يقول الضابط الذي نحجب اسمه إنه وضباط آخرين قدموا عدة بحوث واقتراحات بتشكيل هيئة داخل الوزارة تكون مسئولة عن تطهيرها، لكنها كلها أُهملت في الأدراج.

كما ينتقد الضابط الرتب الأعلى في الشرطة لاحتكارهم عملية التفكير وراء مبادرات الشرطة في حين أن الضباط هم من ينزلون إلى الميدان وغالبًا هم من يوجه إليهم الاتهام حين تتخذ الأمور مسارًا خاطئا.

يقول: “لا تجعلني ممثلًا لك إذا كنت أنا من سأتعرض لكل ذلك وأنت تحتكر التدبير لنفسك”، ويضيف: “يقولون إن النية متوفرة وأنه جاري تطهير الجهاز الأمني. أين الإصلاح؟ هل شعر الناس بالإصلاح؟”

العودة بقوة

خلال العام الذي انتهى لتوه مفضيًا إلى الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، وخاصة في الشهرين الماضيين، تعرضت وزارة الداخلية لانتقادات حادة بسبب حالات وفاة مواطنين جراء التعذيب في أقسام الشرطة، وحالات الاختفاء القسري والقبض غير القانوني على المواطنين. بالنسبة للبعض شهد ذلك العام نهاية الاحتياج الوجودي والسياسي لإصلاح الوزارة من داخلها، تلك الوزارة التي صممت على العودة بقوة إلى كل ما اضطرت إلى تركه ورائها قبل ثورة 25 يناير 2011.

والتقط الإعلام الأمر

“من الواضح للأعمى أن هناك زيادة في الانتهاكات” يقول العقيد محمد عبد الرحمن، منسق تحالف ضباط الشرطة والذي شارك في المبادرات التي استهدفت إصلاح وزارة الداخلية بعد ثورة 25 يناير.

إلا أن عبد الرحمن يقول إن هناك إنكار مستمر لتلك الانتهاكات مما يجعل من المستحيل الحديث عن أي وسيلة للتغيير.

ويقول: “إذا كانوا ينكرون، ماذا يتبقى لمناقشته. حاليًا لا يوجد أمل في أي حوار”.

في ذروة الغضب الشعبي تجاه وزارة الداخلية، ومع أربع حالات معروفة للرأي العام عن مواطنين عُذبوا حتى الموت في أقسام الشرطة في خلال أسبوعين، زار الرئيس عبد الفتاح السيسي أكاديمية الشرطة يوم 3 ديسمبر وناشد بوقف انتهاكات حقوق الإنسان.

ورغم حرص الرئيس على تحية رجال الشرطة وشكرهم على جهودهم من أجل الحفاظ على استقرار البلاد إلا أنه طالب أيضًا بمحاسبة من يرتكبون هذه الانتهاكات.

مثّل خطاب السيسي في ديسمبر تقدمًا ضئيلًا عن خطاب مماثل ألقاه في بداية 2015، وتحديدًا يوم 20 يناير، حين برر انتهاكات الشرطة بالتهديدات الأمنية المستمرة.

حينها قال: “لسنا ضد حقوق الإنسان، لكن مصر الآن تمر بظروف استثنائية”.

من جهته، يعتبر علي الرجّال، الباحث في الشئون الأمنية، أن خطاب الرئيس الأخير يمثل نوعًا من انتقاد الدولة، بل قد يكون الأول من نوعه في ضوء إمكانية خطورة هذا الجهاز على قبول الرأي العام للنظام. يقول: “لكن وزارة الداخلية هي أداة قهر وهذا هو ثمن بقاء النظام”.

ويفسر ذلك بأن الدولة منحت وزارة الداخلية مفاتيح حكم المجتمع ومن المستحيل على الوزارة أن تلتزم بأي قيود، بل أنها أحيانا تتحرش بأجهزة أخرى في الدولة مثل ضباط الجيش أو وكلاء النيابة.

هذا التمرد لدى وزارة الداخلية ورغبتها في امتلاك سلطة غير محدودة وفي الوقت نفسه الحاجة إلى التقليل من شأن الانتهاكات الموثقة أخيرًا يتجلى في ردة فعلها.

فقد دأبت الوزارة على الترويج لأن تلك الانتهاكات لا تتعدى كونها حالات فردية، فضلًا عن إنكارها منهجية التعذيب.

في مقابلة مع جريدة المصري اليوم في نوفمبر الماضي، قال وزير الداخلية، مجدي عبد الغفار: “إذا أخطأ 10 أو 15 ضابطا، ما ذنب الـ40 ألفا الباقين؟” وأضاف أن الوزارة لن تسمح “لبعض التصرفات والأفعال الفردية بأن تنال من التاريخ العريض للشرطة المصرية فى العمل الوطنى وتضحيات رجالها الأبطال فى مواجهة الإرهاب”.

ورغم ذلك الموقف الدفاعي إلا ان الوزارة بدأت حملة علاقات عامة تروِّج لوعيها بحقوق الإنسان.

بحلول نهاية ديسمبر الماضي كانت الجرائد تنشر أن عبد الغفار يوجه أقسام حقوق الإنسان في مختلف مديريات الأمن بالقيام بواجبها تجاه المواطنين. بالإضافة إلى ذلك أبرزت الصحافة أيضا التعاون بين الوزارة والمجلس القومي لحقوق الإنسان. وفي يوم 21 ديسمبر التقى السيسي برئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد فائق لمناقشة وضع حقوق الإنسان في مصر، مطالبا بمعاقبة أي فرد في مؤسسات الدولة يرتكب انتهاكا، كما التقى عبد الغفار بفائق بعد أسبوع من هذا التاريخ وأكد على حرص الوزارة على التعاون مع منظمات حقوق الإنسان لتحقيق الأمن في الشارع، إيمانًا بأن الأمن لن يتحقق إلا باحترام حقوق الإنسان.

لكن، ورغم أن كريم عنارة لا يعتقد أن حملة الوزارة كان لها أي أثر هام، إلا أنه يشير إلى علامات تطور مبكرة تتمثل في ملاحقة ضباط الشرطة في حالات الانتهاكات.

فقد لاحظ عنارة ارتفاعًا في معدلات مساءلة ضباط الشرطة خاصة في نهاية العام الماضي حين أحيلت أكثر من عشرة قضايا باتهامات مختلفة مثل التعذيب أو الفساد إلى النيابة.

ولكن عنارة يستدرك: “لا أستطيع القول بأن هناك تغيير جذري، الوقت مبكر على ذلك”.

ويضيف: “أحد أهم شروط إصلاح الشرطة توفر المساءلة، وتدابير المساءلة إما غير موجودة أو غير مفعلة”.

كان أربعة ضباط شرطة قد أدينوا بتهمة تعذيب طلعت شبيب حتى الموت في قسم شرطة بمدينة الأقصر، على حين تم الحكم بالسجن لخمس سنوات على ضابطي أمن وطني بتهمة قتل المحامي كريم حمدي.

يعتقد اللواء عبد اللطيف البديني، المساعد السابق لوزير الداخلية، أن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة كانت أكثر من كافية. ويقول: “الشرطة لا تدعم التعذيب”، مؤكدًا على أن أي فعل تعذيب هو فعل فردي يقوم به على الأرجح رجل شرطة من الرتب الأدنى. ويضيف: “منذ أن كنا رجال شرطة شباب كان هناك دائمًا تفتيش وإشراف على الوزارة”.

هل هي أزمة نظام؟

بعض المسئولين الموالين للنظام داخل وزارة الداخلية يعتقدون أن قوة وبقاء الدولة تعتمد على معنويات الضباط.

يقول جمال أبو ذكري، المساعد السابق لوزير الداخلية: “حين يُرتكب خطأ بسيط نحوله إلى مشكلة كبرى. يجب أن ندعم وزارة الداخلية وأن نسعى إلى رفع معنويات الضباط في الظروف الحالية من محاربة الإرهاب.” ويهاجم أبو ذكري أي شخص يحاول الترويج لهذه الانتهاكات بقوله “إنهم يريدون تدمير البلاد”.

لكن هناك آخرين يعتبرون أن انتهاكات الوزارة أصبحت نقطة ضعف فعلية في الدولة ونظامها الحاكم.

يقول الرجّال إنه حتى خطاب مواجهة الإرهاب الذي يبرر سطوة جهاز الأمن لا محل له من الإعراب هنا، خاصة حين يستخدم التعذيب ضد المواطن العادي، مثل الصيدلي الذي عذبوه حتى الموت في قسم شرطة بالإسماعيلية في أواخر نوفمبر الماضي. كما يرى أنه رغم كون الدولة تعتبر هذه الانتهاكات حالات استثنائية وموجة سوف تمر إلا أنهم أيضًا يدركون أن جهاز الشرطة يدينهم.

يقول: “لم ينجحوا في التعامل مع الوضع تمامًا، من الواضح أن الأمر خرج عن سيطرتهم”.

يعتقد ضابط الشرطة الذي حجبنا اسمه أنه إذا استمرت الوزارة على النهج نفسه فإن ذلك سوف يؤدي إلى سقوط الدولة.

وهو ما يتفق الرجّال معه، ويقول: “قبل حتى البدء في مناقشة السياسة سوف يقوم الناس ويشعلون النار في أقسام الشرطة”.

ويضيف أنه على النظام أن يخلق توازنا صعبا بين الحفاظ على سلطته من خلال الجهاز الأمني وفي نفس الوقت تجنب غضب الرأي العام. مستطردًا: “هذا ما يسعون إليه، جهاز أمني عنيف دون أن يقتل أحدًا”.

 
اعلان
 
 
بسنت ربيع